والي الشمالية.. حين يتحدث العمل

هذا قولي
بقلم/ هيثم حسن السوباط
أحياناً نُصدر أحكامنا على الأشخاص قبل أن نمنحهم الفرصة الكافية ليعرّفونا بأنفسهم، ونبني مواقفنا على ما نسمعه أكثر مما نبنيها على ما نراه. وهذا تحديداً ما حدث معي تجاه والي الولاية الشمالية في بدايات توليه المسؤولية.
فقد كنت متحفظاً على وجوده، ولم أخفِ امتعاضي من توليه قيادة حكومة الولاية، خاصة أن الأجواء المحيطة به في ذلك الوقت لم تكن تساعد على تكوين صورة إيجابية. فقد امتلأت بعض المنابر والمنشورات بانتقادات حادة بحقه، وتجاوز بعضها النقد إلى السخرية والتهكم على طريقة حديثه وأسلوبه، حتى أصبح من الصعب أن تتشكل عنه صورة عادلة بعيداً عن ذلك الضجيج.
وأعترف اليوم أنني تأثرت بذلك المناخ، وأن جزءاً من موقفي في ذلك الوقت لم يكن مبنياً على معرفة حقيقية بالرجل، وإنما على ما كان يُقال عنه.
لكن الأيام أعطتنا فرصة لنرى الرجل بعيداً عن كل ذلك، وهنا بدأت الصورة تتغير.
لم يحتج الفريق عبد الرحمن عبد الحميد إلى معارك كلامية طويلة للدفاع عن نفسه، ولم يجعل همه الرد على منتقديه، بل اختار الطريق الأكثر صعوبة والأكثر احتراماً: أن يترك أفعاله تتحدث عنه.
ومع مرور الوقت، بدأ الانطباع القديم يتراجع، وبرزت أمامنا شخصية مختلفة؛ شخصية مسؤول يمتلك قدراً كبيراً من التواضع، وشجاعة في مواجهة المواقف، وحضوراً واضحاً في الميدان، وحرصاً على متابعة قضايا الولاية والتعامل معها بصورة مباشرة.
والأجمل في الرجل أنه لم يتعامل مع منصبه باعتباره امتيازاً، وإنما باعتباره تكليفاً ومسؤولية. وهذه واحدة من الصفات التي تجعل المسؤول قريباً من الناس ومحل احترامهم.
في الملفات الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، كان واضحاً أن الوالي لم يكن بعيداً عن تفاصيل ما يجري في الولاية، بل كان حاضراً ومتابعاً، وهو أمر مهم في ولاية بحجم ومكانة الولاية الشمالية، بما تحمله من موارد وإمكانات وتحديات.
سعادة الفريق عبد الرحمن عبد الحميد استطاع أن يكسب احترام كثير من الناس بهدوء، وأن يغيّر مواقف كانت سلبية تجاهه دون أن يدخل في معركة لإثبات نفسه.
وهذا في تقديري إنجاز في حد ذاته.
فالسياسي أو المسؤول يستطيع أن يصنع حول نفسه ضجيجاً إعلامياً، لكنه لا يستطيع أن يصنع احترام الناس بالكلام وحده. الاحترام الحقيقي يأتي عندما يرى المواطن المسؤول في الميدان، ويسمع منه، ويلاحظ حضوره، ويرى أثر قراراته على الأرض.
ولهذا أقولها بوضوح: أنا واحد ممن تغير موقفهم من والي الشمالية بسبب ما رأوه منه، لا بسبب ما قيل لهم عنه.
والإنصاف يقتضي أن نعترف عندما تثبت الأيام خطأ انطباعاتنا الأولى.
لكن الإشادة بالفريق عبد الرحمن عبد الحميد لا تعني أن الطريق انتهى، ولا أن كل الملفات قد حُسمت، بل تعني أن الرجل استطاع أن يضع أساساً جيداً للثقة، وأن هذه الثقة تضع عليه مسؤولية أكبر لمواصلة الطريق.
فالولاية الشمالية أمامها ملفات ضخمة، وأهلها ينتظرون الكثير من حكومة ولايتهم.
وفي مقدمة هذه الملفات يأتي الأمن، الذي ينبغي أن يظل أولوية لا تقبل التهاون، خصوصاً في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
كما أن محاربة المخدرات يجب أن تكون معركة مفتوحة وحاسمة، لأن خطرها تجاوز حدود الجريمة العادية وأصبح يهدد مستقبل الشباب والمجتمع. المطلوب ملاحقة شبكات التهريب والترويج بكل قوة، وتجفيف مصادرها، بالتوازي مع برامج التوعية والحماية.
أما الزراعة فهي قلب الشمالية النابض، ومصدر رزق وقوت لعدد كبير من أهلها، ولذلك فإن دعم المزارعين، وتوفير مدخلات الإنتاج، ومعالجة مشاكل الري والطاقة والتسويق، يجب أن يحظى بأولوية حقيقية.
سعادة الفريق عبد الرحمن عبد الحميد..
لقد أثبتَّ أن المسؤول يستطيع أن يغيّر الصورة التي رسمها الآخرون عنه، عندما يمتلك الإرادة ويختار أن يكون في الميدان.
وأحسب أن واحدة من أهم نقاط القوة في تجربتك حتى الآن هي التواضع مع الحضور، والحزم مع المسؤولية، والاقتراب من الناس دون تكلف.
وهذه صفات نحتاجها كثيراً في المسؤول السوداني في هذا الظرف الصعب.
لقد بدأتَ من منطقة لم تكن فيها الصورة مكتملة، لكنك استطعت بالعمل والمواقف أن تعيد تقديم نفسك للناس بصورة مختلفة، حتى أصبح من كانوا يتحفظون على وجودك ينظرون إليك اليوم بقدر أكبر من الاحترام والتقدير.
وهذا تحديداً ما يجعل الإشادة بك اليوم مستحقة.
فحين يهزم العمل الكلام، وحين تتراجع الشائعة أمام الحقيقة، وحين يفرض الأداء نفسه على الناس، يكون الإنصاف واجباً.
واصل يا سعادة الوالي.
فالولاية الشمالية تستحق منك المزيد، وأهلها ينتظرون منك إنجازات أكبر، وثقتهم التي بدأت تُبنى تستحق أن تُصان بالمزيد من العمل.



