ماذا يستفيد السودان من تجربة رواندا في التعافي الإجتماعي وبناء الدولة الوطنية؟

بقلم/ أميرة الجعلي
مع إعلان رئيس مجلس السيادة لمعايير الحوار السوداني السودانى في إحتفالات القوات المسلحة في عيدها الـ (72)، وما صحبه من ردود فعل متعددة بين النخب والسياسيين والصحفيين، فان الأمر يتطلب إجراء مقارنة موضوعية بين التجربة السودانية والتجارب الأفريقية المماثلة لأنها الأقرب من حيث التاريخ والوقائع والأحداث.
أثبتت تجربتا جنوب أفريقيا ورواندا أن مسارات التسوية لحل الأزمات الداخلية مثل ما حدث في جنوب أفريقيا وإنهاء الإبادة الجماعية في رواندا تطلبت أولا إنهاء المسار العسكري والأمنى أولا قبل التسوية السياسية.
ويبرز السؤال عن مدى حكمة التوقيت السياسي لإطلاق الحوار السودانى السودانى؟، خاصة وأن بعض المحللين يتفقون على ضرورة حسم المسار العسكرى أولا ثم يستكمل بالمسار السياسي.
ويرى البعض إن التعامل مع المسارين العسكري والسياسي بالتوازى أثناء أشتداد الحرب يضعف من الإرادة الوطنية الجامعة لهزيمة التمرد، ويضعف الروح المعنوية للمقاتلين وهم يرون ان القوى المدنية المتهمة بموالاة التمرد يحظون بحماية الدولة، بل بإسقاط التهم وتجميدها رغم صراخات الضحايا وبكاء الثكالي وأن المآتم لم ترفع بعد في مدن وأرياف السودان.
تكشف تجربة رواندا أن مسار التفاوض السياسي في أروشا بين نظام الرئيس الأسبق هيبرمانا وقيادة المقاومة الوطنية قد تم تمزيقه قبل أن يجف حبر التوقيعات.إذ قال الرئيس هيبرمانا عام 1992 أنه مجرد أوراق لا تؤسس لشرعية فوق شرعية الأغلبية الحاكمة. وعندما أشتعلت حرائق الإبادة الجماعية في العام 1994 ضد التوتسي والمعتدلين من الهوتو لم تغن وثائق المسار السياسي وأوراق التفاوض والإتفاقيات الموقعة، لأن توازنات القوى العسكرية هي التي فرضت الواقع مع دعم خارجى كبير كما وثق ذلك قائد القوات الأممية الجنرال دالير الكندى الجنسية في مذكراته (مصافحة يد الشيطان).
وفى حوارات مع مجموعة من المختصين والمثقفين والصحفيين الروانديين أكدوا أن أي نوع من الخلط بين المسارين العسكرى والسياسى في سياق حل النزاعات ومكافحة التمرد الداخلى سيقود الى نتائج كارثية. وأن الواقعية السياسية تفرض حسم المسار العسكرى أولا إما بإنتصار ساحق يقود للإستسلام أو بتقدم عسكرى كبير يعيد توازانات القوة ويعطى الجيش اليد العليا لفرض شروط التسوية. أما أي نوع من الحلول الوسطى دون حسم عسكري ومسار سياسي مفتوح سيؤدى لإجهاض مشروع بناء الدولة الوطنية المأمولة.
في هذا المنعطف التاريخى الهام يبرز تجربة رواندا كمنوذج أفريقي ناجح يمكن إستلهام الدروس والعبر منه وإسقاطه على المسألة السودانية، حتى لا نهدر جهود المقاومة الوطنية لهزيمة التمرد والجهد المدنى لبناء الدولة.
وتبرز تجربة رواندا كأحد أهم التجارب بعد الإبادة الجماعية في الخروج من أزمة وجودية هددت كيان الدولة ووحدة شعبها ورمتها في اتون الفوضى.
في خطاب شهير عام 1998 خرج الرئيس بول كاغامي للعالم بعد حوار وطني أستغرق 4 سنوات ليعلن أنهم:
قرروا بإجماع الإقرار بإرادة العيش معا دون تفريق بالعرق أو اللون أو الأثنية. بما يعنى إقرار مبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات.
مبدأ المساءلة والمحاسبة. بما يعني حكم القانون وأن الجميع أمام القانون سواء.
التفكير الكبير في بناء الدولة بإستغلال مواردها الطبيعية وموقعها وتاريخها ومواردها البشرية لإعادة بناء الدولة.
إتخاذ التدابير والسياسيات والقوانيين حتى لا تتكرر الإبادة مرة أخرى.
هذا الإعلان الكبير الذى حدد مستقبل رواندا أنبني على حقائق أساسية وهو أنه حدث بعد هزيمة الإبادة عسكريا، ثم أعقبه الحوار الوطني. ما نقوم به الآن هو عكس مسار الحقائق التي أفرزتها التجارب الأفريقية وهو دمج المسارين العسكري والسياسي وهو نفس المنهج الذي أنتج الأزمة السياسية وقاد الى أشتعال الحرب.
حددت رواندا بعد فترة الإبادة الجماعية، 3 أولويات هي: الحكم الرشيد، بما يعني بناء المؤسسات ومحاربة الفساد، وتعزيز دولة القانون.
ثانيا: تمتين الوحدة الوطنية عن طريق وسائل وآليات المحاكمة والمسآلة، والعدالة الإنتقالية.
ثالثا: البناء الدستوري المتدرج وتطوير مبادرات المجتمع ومناهضة أي نوع من التقسيم العرقي والقبلي وصنع هوية وطنية رواندية موحدة.
وأخيرا: محاربة الإفلات من العقاب.
اذا اسقطنا هذه المبادئ الكلية على تجربة رواندا على الواقع السوداني الراهن فإننا نصل الى اهم درس في التجربة الرواندية حول إنهاء الإبادة الجماعية والتي تمت عن طريق الحسم العسكري والتفاوض.
وأهم ما تمخضت عنه هذه التجربة هو عدم الركون الى الحلول الجزئية رغم ضغوط المجتمع الدولي الذي ناصر استمرار الإبادة الجماعية، وظل الرئيس الرواندي بول كيجامي يقول (ان العودة من منتصف الطريق والخضوع للضغوط الخارجية والقبول بالحلول الجزئية يعيد انتاج الأزمة من جديد بصورة أكثر قساوة وبشاعة).
وعليه وإن كان من رؤية لكيفية وقف الحرب فإنها لا تخرج من التفاوض والحسم العسكري، مع معالجة الأسباب الجذرية للحرب.
كما تمخطت تجربة رواندا عن درس آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو استيعاب وقبول كل العائدين والتائبين من صفوف مرتكبي المجزرة دون القيادات التي أشعلت الحرب، وكذلك القبول بآليات العدالة الإنتقالية وهي محاكمات شعبية تسمى (قشاشا)، التي تعني الحشائش، وقد حققت هذه التجربة نجاحا في إعادة اللحمة الإٍجتماعية، حيث قررت هذه المحاكم الشعبية بعد اعتراف المتورطين بجرائمهم والإعتذار عنها اصدار أحكام متعددة، منها خدمة المجتمع، وبناء المنازل والمدارس المدمرة، وغيرها والخضوع لرقابة دقيقة لتقييم سلوكهم. وساهمت العدالة الإنتقالية في تسريع محاكمة المتورطين على أسس العدالة الشعبية وتقليل الضغوط على السجون اذ يستحيل سجن مئات الآلالف من المجرمين، إضافة الى تقليل الإحتقان الإجتماعى وتحقيق هدف المصالحات والتعافى الإجتماعى.
في ذات السياق تمت محاكمة كل القادة والمحرضين الأساسيين في محاكم جنائية، تطبيقا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وخروجهم نهائيا من الحياة السياسية العامة. وقبلت رواندا في هذا السياق بمحاكمات دولية، انشأت خصيصا لهذا الغرض.
ان كان من درس مستفاد فان النظام القضائي السوداني له القدرة على انفاذ العدالة في جميع الذين ارتكبوا الجرائم والمجازر شريطة توفر إرادة سياسية نافذة لتطبيق الأمر، الا اذا اختار قادة البلاد الجنوح نحو التسوية حسب مقتضيات الواقع التي مهما تكن آفاقها، إلا أنه يجب ألا تسقط مبدأ محاكمة المجرمين، مع الإقرار بأخذ مبدأ التكاملية بين القضاء السوداني والدولى.
أما من الناحية السياسية فقد قامت رواندا بتسريح جيش الإبادة الجماعية وإعادة ادماج الصالح منهم في القوات النظامية الأخرى بل تقلد بعض افراد جيش الإبادة من التائبين مناصب عليا في الجهاز التنفيذي بعد تخليهم عن عقيدتهم وانتماءاتهم السابقة.
أبرز ملامح تجربة رواندا في إعادة الإعمار تتمثل في محاربة الفساد، وتطبيق قوانين رادعة على المخالفين بما في ذلك العزل من المنصب والتشهير والسجن والغرامات المالية، وفق قانون لا يستثني أحد بدافع القرابة والإنتماء العرقي، أو المحسوبية وعلاقات الرحم مع قادة الدولة.
ولكن لا يكتمل هذا الشرط إلا بوجود قيادة سياسية فاعلة وقوية تعمل على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، مع توفر جهاز قضائي لا يخضع لأى ضغوط نقابية أو سياسية، ويتميز بالإستقلال التام وفق نظرية فصل السلطات.
كما نجحت رواندا رغم عدم تمتعها بموارد طبيعية كبيرة في أن تتحول الى أفضل الدول على مستوى العالم في استيعاب الدعم التنموي الخارجي، والتطبيق التام لكل المشروعات الممولة من الخارج، دون تجنيب للمال او فساد او تحويل غرضه كما ظل يحدث في السودان عبر كل الحقب، زاد كل ذلك من الثقة بين رواندا والمجتمع الدولي.
ولكن رغم الدعم التنموي الخارجي لإعادة وإعمار وتنمية رواندا إلا ان القيادة السياسية لم ترهن قرارها لأى ضغوط خارجية بل خاضت معارك دبلوماسية مشهودة مع بعض الدول الأوربية التي حاولت أن تفرض شروطها، كما حدث مع بلجيكا من قبل، كما لم تساوم على قضايا أمنها القومي مطلقا، وأبرز دليل على ذلك قضية شرق الكنغو التي توسطت أمريكا مؤخرا لحلها بالتعاون مع دولة قطر.
ولا تكتمل حلقات إستعراض النموذج الرواندي الا بالإشارة الى حسن الإدارة للموارد على نهج نموذج سينغافورة التي أنجزت معدلات قياسية في التنمية بحسن الإدارة وليس بتوفر الموارد الطبيعية. ونجحت رواندا في تحديث الخدمات الحكومية وتسهيل الإجراءات الإدارية وبناء نظام لا مركزي فاعل في اطار النظام الرئاسي الذي يحكم رواندا، والدليل على ذلك ان رواندا تعتبر من أنظف الدول الافريقية وأكثرها فعالية في تقديم الخدمات للمواطن خاصة بعد إدخال نظام (ايرمبو) وهو منصة لإنجاز الخدمات الحكومية عبر شبكة انترنت مثلها مثل نظام (ابشر) السعودي وغيره من الدول الأخرى.
وللأسف فإن السودان يمتلك القاعدة التقنية والعقول البشرية لإنجاز هذا المشروع، لكن التردد في إتخاذ القرار النهائي وتوفير الموارد اللازمة من أبرز العوائق لإنجاح هذا المشروع، وهو الذي يجب ان يبدأ به رئيس الوزراء لتسهيل الخدمات على المواطنين، لإستعادة ثقة المواطن في الخدمات الحكومية.
نجحت رواندا بأن تكون مركز جذب إقليمي لرؤوس الأموال الدولية وذلك بتوفير بيئة صالحة وإتباع نظام يعتبر الأفضل في افريقيا لتسجيل الأعمال وانشاء الشركات مع إعفاء ضريبي مقدر، واستقرار في السياسات وثبات في الإجراءات تبدد أي شكوك في فعالية النظام.
نجحت رواندا في تقليص النفوذ الأجنبي من خلال تسجيل منظمات المجتمع المدني والمنظمات الطوعية وفقا للقانون الذي يمنع استلام أموال من الخارج لا يتم توظيفها لأغراضها شريطه ان يوجه 90% من التمويل لبرنامج المنظمة و10% للنفقات الإدارية تحت رقابة الدولة، كما تم اخضاع كل التمويل الوارد للكنائس والمساجد ودور العبادة لرقابة الدولة خوفا من إنتقالها لأغراض أخرى تهدد أمن المجتمع وتزيد من النفوذ الخارجي.
وفي سياق المبادرات الإجتماعية أنشأت رواندا مشروع النظافة الجماعية (اوموقاندا) وهو نشاط طوعي اجتماعي ينفذ كل آخر سبت في الشهر حيث يقوم كل أهل الحي بنظافة مناطق سكنهم ثم يتبع ذلك إجتماعا لمناقشة قضاياهم الإجتماعية والخدمية ويمنع خلال فترة النظافة الحركة في الشوارع العامة، إضافة لهدف هذه المبادرة في إعلاء قيمة مشاركة المجتمع في نظافة المدينة فان هدفها الجوهري تعزيز روابط الوحدة الوطنية وإذابة الفروقات الإجتماعية والإنتماءات القبلية، يقودها رئيس الدولة شخصيا. وفي هذا السياق تتم مساءلة المتقاعسين عن المشاركة في كل حي.
ولتعزيز الوحدة الوطنية تجرم القوانين الرواندية التعريف بالانتماء القبلي والإشارة فقط للهوية الرواندية الجامعة، كما يتعرض للمحاكمة كل من ينكر الإبادة الجماعية او يستهزئ او يقلل من فداحة الجرائم المرتكبة او يعمل على الإنقسامات الاجتماعية على أسس عرقية.
ساهمت كل هذه السياسات والإجراءات في تعزيز مكانة رواندا الإقليمية والدولية مع اتباع سياسة خارجية متوازنة تقوم على تحقيق المصلحة القومية والحفاظ على الأمن القومى.بل تحولت الى قائمة أكثر الدول في العالم إسهاما في قوات حفظ السلام وفقا لتقارير الأمم المتحدة. مما جعلها تنتقل من دولة موبوءة بالأزمات الى دولة راعية وداعمة للسلام الدولى.
ولا شك ان السودان يحتاج الى آليات ووسائل لمحاربة خطاب الكراهية ومحاكمة الذين يعززون من جريمة الإنقسامات الإجتماعية ويجب حذف كل التصنيفات القبلية والعرقية من كل وثائق الدولة الحكومية خاصة السجل المدني وهو مطلب ظل قائما منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.
نجحت رواندا في الحفاظ على التوازن الذهبي بين الحريات العامة ومقتضيات الأمن القومى دون أفراط أو تفريط، ومنع تعدد الجيوش أو تعدد مراكز إتخاذ القرار في الدولة تحت قيادة سياسة واحدة ومؤسسات فاعلة وقوية. أول ما يلفت النظر في تجربة رواندا السياسية هو أن مجلس الوزراء لا يتعدى متوسط الأعمار فيه عن 35 سنة مع كفاءة ملحوظة وتعليم متميز، يصاحب ذلك تمكين واضح للمرأة إذ تعد مشاركة المرأة في البرلمان الرواندى هي الأعلى في العالم. و هذا لا يعني أنها بلغت درجة الكمال لكنها نموذج أفريقي ناجح بعد أن وصلت البلاد الى الحضيض من حيث القتل والإبادة وأنهيار الدولة.
وأخيرا فان التجربة الرواندية تقوم على نظام سياسي متماسك تحترم فيه التراتبية وفقا لهيكل النظام الرئاسي، ويخضع الجميع لقيادة مركزية تمثل الشرعية الدستورية والتاريخية لتحرير رواندا من جريمة الإبادة الجماعية والتي الزمت نفسها بمبادئ الحكم الرشيد، وتطبيق مبدأ المساءلة، ومحاربة الفساد، والإدارة الفاعلة لموارد الدولة، ونيل ثقة المواطن وعلاقات التعاون والاحترام مع العالم الخارجي، لكن سر نجاح هذه التجربة هي ثقافة الإٍنضباط الصارمة لدى المواطن الرواندي في احترام القانون ومؤسسات إنفاذه، مع الوعى التام لمنع تكرار ما حدث تحت شعار (لن تحدث الإبادة مرة أخرى).ٍ
وعليه فان مشروع إعادة إعمار السودان لن تتم بفعالية القيادة والقانون لوحده، لكن لابد من مشاركة مجتمعية فاعلة وقوية، لانجاز هذه الأهداف.
وخلاصة الأمر السودان مقبل لطى ازمة الحرب وإعادة اعمار البلاد، فان نجاحات تجربة رواندا كنموذج افريقي ناجح يجب ان تراعي خصوصية الواقع السوداني وليس مجرد النقل بالكربون، وأهم ملمح على الاطلاق هو توفر قيادة تملك الرؤية والإرادة لتوحيد السودانيين وفق مشروع وطني يحقق تطلعات أهل السودان، وكذلك الحفاظ على الوحدة الوطنية وإنهاء الحرب بطريقة تعالج جذور الأزمة التاريخية وتمنع تكرار ما حدث.




