لا تفاوض على الدولة

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
المشهد السياسي في الخرطوم يتحرك، والحديث عن الحوار يتقدم إلى الواجهة من جديد، ومعه تظهر أسماء وتجمعات وقوى سياسية تريد أن يكون لها مقعد في المرحلة المقبلة. هذا الحراك مطلوب، بل تأخر كثيراً، لكن المشكلة السودانية لم تعد تحتمل سوقاً سياسياً جديداً تُعرض فيه المواقف كما تُعرض البضائع، ولا تحتمل أن يصبح الوصول إلى السلطة هو الغاية الوحيدة من كل هذا الضجيج.
تجمع الإرادة السودانية «سوا» أعلن التحاقه بالحوار، ولجنة تهيئة الحوار تواصل اتصالاتها بالقوى السياسية والمجتمعية، وفي المقابل تتحرك الحكومة في ملفات الاقتصاد والوقود وعودة المواطنين إلى الخرطوم. المشهد كله يقول إن الدولة تحاول استعادة عافيتها من تحت ركام الحرب، وهذه نقطة يجب أن تُقرأ جيداً.
لكن بعض أهل السياسة ما زالوا يتعاملون مع السودان كأن الحرب أوقفت الساعة عند أبريل 2023، وكأن البلاد لم تدفع كل هذا الثمن، وكأن المطلوب الآن إعادة إنتاج المشهد القديم بالأسماء ذاتها والخصومات ذاتها والمراهنات ذاتها.
لا.
السودان يحتاج إلى سياسة جديدة، نعم، لكن فوق أرضية واحدة: الدولة أولاً.
والقوات المسلحة في هذه المعادلة ليست تفصيلاً يمكن وضعه في الهامش ثم استدعاؤه عند الحاجة. هي المؤسسة التي تحمل عبء الحرب وتدافع عن وحدة البلاد، وأي حديث سياسي يتجاهل هذه الحقيقة يتعامل مع نصف المشهد ويطلب من الناس تصديق النصف الآخر.
ومن حق القوى السياسية أن تختلف، ومن حقها أن تتنافس، ومن حقها أن تقدم برامجها، لكن لا حق لأحد في تحويل الدولة إلى جائزة ترضية بعد الحرب. ولا معنى لسلام يضعف مؤسسات الدولة ثم يسمي ذلك انتقالاً سياسياً.
المفارقة أن بعض الأصوات تتحدث عن إنهاء الحرب، لكنها تبدأ حديثها من السؤال: من سيحكم؟ والصحيح أن السؤال الأول هو: كيف تبقى الدولة؟
أما السلطة فتأتي بعد ذلك، وتذهب بعد ذلك، وتتغير وجوهها. الدولة هي التي يجب أن تبقى.
وفي الجانب الاقتصادي، هناك عمل حكومي على ضبط سعر الصرف وزيادة الإنتاج وتطوير الصادرات وتشجيع الصناعات التحويلية، بالتوازي مع بحث تأمين الوقود ومواكبة عودة المواطنين واستئناف النشاط الاقتصادي. وهذه الملفات، في تقديري، أهم من عشرات المؤتمرات السياسية؛ لأن المواطن لا يأكل بياناً، ولا يملأ سيارته بشعار، ولا يدفع إيجار بيته بوعود جميلة.
حتى أزمة الغذاء التي حذّر منها برنامج الغذاء العالمي اليوم يجب أن تُقرأ من هذا الباب. التمويل انخفض بصورة حادة، والاحتياجات تتزايد، لكن الحل الدائم للسودان لا يمكن أن يكون تحويل المواطن إلى رقم في كشوفات الإغاثة. السودان بلد إنتاج، والزراعة والثروة الحيوانية والتجارة والصناعة هي مفاتيح الخروج الحقيقي من الأزمة.
وهنا تحديداً يصبح الكلام السياسي أقل قيمة من العمل.
فإذا كانت الدولة تستعيد الخرطوم، وتعيد المؤسسات، وتؤمّن الوقود، وتحاول ضبط الاقتصاد، وتفتح الطريق أمام الحوار، فالمطلوب من القوى السياسية أن ترتفع إلى مستوى اللحظة، لا أن تسحب البلاد مرة أخرى إلى معارك المواقع والكراسي.
السودان يحتاج معارضة وطنية، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى وطنية المعارضة.
ويحتاج إلى حوار، نعم، لكنه يحتاج حواراً يعرف أن السلاح لا يصنع شرعية، وأن الخارج لا يمنح أحداً تفويضاً دائماً، وأن القوات المسلحة والدولة لا يمكن وضعهما في كفة، والمليشيا في كفة أخرى، ثم مطالبة السودانيين بالتصفيق للمعادلة باعتبارها سلاماً.
*ولـ«هوامش السيادة» كلمة*
في السودان الآن فرصة لإعادة ترتيب البيت، لكن ترتيب البيت يبدأ بإغلاق الباب أمام من يريد الدخول حاملاً أجندته الخاصة.
ومن أراد السياسة فليأتِ ببرنامجه، ومن أراد الحوار فليأتِ برؤيته، ومن أراد منافسة الآخرين فالميدان واسع؛ أما الدولة فلا تدخل الانتخابات، والقوات المسلحة ليست ورقة تفاوض، والسودان ليس غنيمة حرب.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة أن يتعلم بعض السياسيين درساً بسيطاً: الوطن أكبر من الكرسي، والدولة أبقى من الحزب، ومن ينسى هذه القاعدة قد يكسب مقعداً… ثم يخسر السودان كله.



