الشهادة السودانية.. من نجح في الامتحان ومن سقط في التعليم؟

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

ولا يمكننا أولًا أن نقفز فوق مشاهد الفرح التي عمت بيوتًا سودانية كثيرة بسبب إعلان نتيجة امتحانات الشهادة السودانية بعد أن نسج عنكبوت أحزان الحرب فيها وسكن، وكيف أن مظاهر الفرح قد تبدو في ظاهرها أكبر من كونها احتفالًا بالتفوق والنجاح، وهذا شيء نعتقد بأنه أمر يحتاج للدراسة والوقوف لمعرفة حال الشعب السوداني الذي نازعته الحرب ونزعت عن قلبه الأفراح.

وبعد انخفاض صوت الأفراح و”الزغاريد” التي تتفاعل مع الأرقام في نتيجة الشهادة السودانية، نريد أن نستفيد من نتيجة تحليل هذه الأرقام لتكون مرآة تكشف حال التعليم في السودان بعد أكثر من ثلاثة أعوام تحت تأثير الحرب.

بالتأكيد كل بيت سوداني يوجه اهتمامه بطبيعة الحال للأرقام التي يحققها الأبناء، ويرون في تلك الأرقام حجم التعويض عما بذلوه من جهد وتعب وصرف مادي لأجل الاستثمار في أبنائهم وبناتهم في ظل ظروف طاحنة لاحقتهم بها الحرب في جغرافيا النزوح واللجوء، بغير واقع نفسي غير صالح تمامًا للدراسة، أما نحن هنا فنحن بصدد القراءة الأولية في الأرقام العامة التي خرجت بها نتيجة امتحانات الشهادة السودانية، والتي تقول صفحتها الأولى لامتحان 2026م بأنه قد جلس للامتحانات 570,273 طالبًا وطالبة، نجح منهم 388,738، بنسبة نجاح عامة 69.6%. كما بلغت نسبة النجاح في المدارس الخاصة 74.9% مقابل 68.5% في المدارس الحكومية، وبلغت نسبة النجاح في المراكز خارج السودان نحو 67.9%. وهذه الأرقام تكشف بالضرورة ما أخفته الحرب، فالاحتفال بنسبة النجاح العامة المذكورة أعلاه قد تكون ضرورة ومؤثرة بالنسبة لأولياء الأمور والمعلمين وإدارات المدارس والممتحنين، ولكن بالضرورة فإن القراءة تختلف عند الجهات الموجهة للنشاط التعليمي في السودان، والأمر هنا لا يقتصر فقط على وزارة التعليم والتربية الوطنية، بل له علاقة بالتخطيط العام لمستقبل التعليم هذه البلاد.

الأرقام أعلاه لا تعطينا الإجابات على أسئلة ماذا تبقى من التعليم في السودان في أركان العملية التعليمية بكل مشتقاتها في المعلم والبيئة التعليمية والمنهج والفوارق الهائلة في فرص التعلم بين من يعيش في منطقة آمنة ومن يعيش وسط الحرب .. هي مجرد أرقام تقيس أداء الطلاب في امتحان الشهادة السودانية، لكنها بالضرورة لا تقيس حجم الخراب الذي أصاب منظومة التعليم بسبب الحرب في السنوات الثلاثة المنصرمة من عمر سودان الحرب.

(*) جيل الحرب ..

وفي السودان الناس يؤرخون لميلادهم بالكوارث، ابتداءً من جيل سنة المجاعة و”النجمة أم ضنب” وسنة الجدري وسنة الحرب، التي قالت أرقامها هذا العام بأن عدد الجالسين للامتحان 570,273 طالبًا وطالبة، وهو بالضرورة رقم كبير قياسًا بالأحوال العامة، ولكنه لا يجيب على أسئلة كم عدد الطلاب الذين انقطعوا عن التعليم في هذه المرحلة الدقيقة من مسيرتهم التعليمية، وكم منهم واجه تعقيدًا إجرائيًا ليضمن له مقعد ضمن الرقم المذكور أعلاه بسبب النزوح أو اللجوء أو بسبب الأضرار التي أخرجت غالبية المدارس من الخدمة؟

المشكلة التي يشرحها هذا الرقم هو أنه يوضح حجم “الفاقد التعليمي” غير المرئي داخل المجتمع السوداني في الطلاب خارج منظومة التعليم الرسمي في السودان، وعدد المعلمين الذين هجروا مهنة التعليم بسبب الظروف التي فرضتها الحرب وبسبب ضعف العائد من المهنة نفسها.

الأرقام أعلاه تفتح العيون نحو ما هو أخطر من السؤال عن عدد الراسبين في امتحان الشهادة هذا العام، وهو سؤال كم من الطلاب والطالبات لم يتمكنوا من الجلوس للامتحان نفسه، ثم تأتي بعد ذلك عملية الجمع والطرح لتعطينا رقمًا جديدًا مخيفًا من أرقام امتحانات الشهادة السودانية، وهو الرقم 181,535، الذي يعبر عن عدد الطلاب والطالبات الذين لم يحققوا نسب النجاح هذا العام وفق الأرقام المعلنة في نتيجة امتحانات الشهادة السودانية، حسب المقاييس الأكاديمية المعمول بها في هذا الامتحان، وهي بالضرورة مقاييس لا تضع أي اعتبار لعوامل أخرى غير أكاديمية تؤثر في عملية التحصيل الدراسي، تتعلق بأي من الأسباب التالية “انقطاع الدراسة/النزوح واللجوء/مكونات العملية التعليمية/الدراسة في بيئات غير مستقرة”، إضافة إلى الضغوط النفسية التي عاشتها الأسر، والمقارنة بين نتيجة وأخرى في ظل هذه الظروف قد لا تكون عادلة أكاديميًا.

هذا الجيل يتحمل أيضًا تكاليف مرحلة من فترات ما قبل الحرب نفسها تتعلق بالفوارق الكبرى بين التعليم الحكومي والتعليم الخاص، وهذه الفوارق الشاهد عليها يمكن قراءته من نسبة 6.4 نقطة مئوية، هي الفارق بين نسبة النجاح في التعليم الحكومي والتعليم الخاص لصالح الثاني، بتكرار مستمر طوال العقود المنصرمة، الشيء الذي يؤكد الفجوة الكبيرة في مسألة العدالة التعليمية في السودان، وهذه الفجوة هي التي صنعت التحول الكبير في التعليم في السودان وانتقاله من حق عام ومتاح بالتساوي للجميع إلى مجرد سلعة معروضة في “فترينة” يشتريها المقتدر، حيث يصبح التفوق الدراسي مرتبطًا بقدرة الأسرة على شراء خدمة تعليمية فيها قدر من الجودة لا تتوفر ولو بالحد الأدنى في التعليم الحكومي.

هذه النقطة يجب أن يتعامل معها المسؤولون من أمر التعليم في هذا البلد المنكوب بمسؤولية أكبر من الاستبساط للموضوع بتوجيه الاتهامات للتعليم الخاص في السودان، لأن الحقيقة التي يجب أن تقال أيضًا بأنه ولولا التعليم الخاص الذي يتحمل أعباء ما يزيد عن 60% من العبء التعليمي في السودان لما تمكنت الوزارة من القيام بأمر التعليم في السودان، مع الوضع في الاعتبار طبعًا كل الملاحظات على أداء التعليم الخاص.

الغالبية الآن في تحليلهم لنتيجة الشهادة السودانية يقعون في فخ “شيطنة” التعليم الخاص، ويعزون كل المشكلات التي تفضحها أرقام نتيجة امتحان الشهادة السودانية لتنامي أدوار التعليم الخاص، وإن ارتفاع نسب نتيجة المدارس الخاصة المستمرة وتفوقها على القطاع الحكومي ليس دليلًا قاطعًا على أنها تشتري النجاح، بل أيضًا فيه تأكيد على أن التعليم الحكومي أصبح بيئة طاردة للكادر المؤهل والجيد، وأن قطاع التعليم الخاص أصبح جاذبًا للكفاءات ويوفر بيئات تعليمية في غالب الأحيان هي أفضل بكثير من البيئات الحكومية وتواكب التطور في وسائل وأدوات العملية التعليمية، وعلى المختصين بتحليل نتيجة امتحان الشهادة السودانية توفير تحليل علمي منطقي للفارق المذكور في نسب نتيجة هذا العام والأعوام السابقة لصالح التعليم الخاص غير الاتهامات والتقييم المعتمد على الحديث المرسل بدون أرقام.

في كل عام ظل هذا الجيل في امتحانات الشهادة السودانية يدفع تكاليف تكتيكات من يقفون وراء حفل إعلان النتيجة وطريقة الإخراج المعتمدة لها، وها هي نتيجة هذا العام لا تظهر أسماء المدارس بفلسفة من قال بأن المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة قد تحول إلى “بازار” وحملة دعاية وإعلان للمدارس، ولكن بالمقابل فإن هذا الحجب يفقد إعلان النتيجة أدوات مهمة في التحليل تتعلق بمعرفة أفضل المدارس وأضعفها والمسافة بين الحكومي والخاص.

لصالح هذا الجيل والذي يليه، كان من الضروري جدًا المحافظة على ثوابت الدولة السودانية والتي تمثل امتحانات الشهادة السودانية أحد أهم ثوابتها، وبالتالي فإن انعقاد الامتحان على المستوى القومي وجلوس هذا العدد واكتمال التصحيح يعتبر هو في حد ذاته واحدًا من انتصارات الدولة السودانية، ولكن كان من الممكن حساب جملة من الاختلالات التي أفسدت هذا الانتصار.

جيل الحرب دفع تكاليف الترسيم الجديد لخارطة التعليم في السودان التي حملته إلى المنافي، فبالأرقام هنالك 55 ألف طالب وطالبة جلسوا هذا العام للامتحان خارج السودان عبر 84 مركزًا انعقدت فيها الامتحانات في 17 دولة.

وهنا نوجه السؤال للسيد وزير التعليم والتربية الوطنية عن كيف يمكن لوزارته بناء سياسات تعليمية للأجيال في السودان في ظل هذا الواقع التعليمي والأرقام الصادمة لنتائج الامتحان هذا العام؟

هذا الجيل، وبمثلما أثرت فيه وفي التركيبة الاجتماعية في السودان تحولات مثل الهجرة والاغتراب وظهور تعدين الذهب والحركات المسلحة كخيار مفضل وسهل للطلاب الذكور الذين تسربوا بسبب ذلك من حقل التعليم، فإن الحرب أيضًا لعبت دورها بتعظيم نسبة تسرب الذكور من التعليم.

388 ألفًا من طلاب وطالبات هذا الجيل من الممتحنين هذا العام تقول نسبهم المعلنة بأنهم طلاب وطالبات ناجحين، ولكن بالضرورة فإن هذا لا يعني تحولهم إلى طلاب جامعيين بشكل تلقائي، وذلك لأن هذا يتطلب الإجابة على أسئلة من شاكلة كم مقعد جامعي تستطيع الدولة بقطاعيها العام والخاص توفيرها لهذا العدد في ظل الظروف التي تفرضها الحرب والأضرار التي لحقت بمؤسسات التعليم العالي في مبانيها ومعاملها وكادرها المؤهل؟

وهل كل الطلاب والطالبات الناجحين في امتحانات هذا العام لديهم القدرة على تحمل تكاليف الدراسة الجامعية في السودان في ظل الارتفاع الهائل في التكاليف؟

وقد يقول لنا قائل إن وزارة التعليم العالي لديها بالفعل منظومة القبول الإلكتروني ودليل الجامعات وخدمات القبول والتوثيق وكل ما من شأنه فتح الطريق أمام الطلاب والطالبات الناجحين للتسجيل، ولكن وجود منصة قبول لا يحل بالضرورة مشكلة القدرة الاستيعابية الفعلية للتعليم العالي في السودان بعد الحرب، وأنها سبب رئيسي في تناقص عدد المقاعد المتاحة للناجحين في الجامعات السودانية.

هذا الجيل سيدفع ثمن التصورات الخاطئة التي لا تدرك الفروقات بين عودة الجامعات السودانية للعمل من الداخل بقرارات في أغلبها إدارية، وهي بالضرورة لا تلقي بالًا لتعقيدات ستواجه العملية التعليمية، في الأصل كانت المعاناة موجودة فيها قبل الحرب، فما بالك بعد الحرب التي طالت المعامل المجهزة والمكتبات والمستشفيات التعليمية والسكن الخاص بالطلاب والطالبات وأساتذة الجامعات؟

نحن الآن لسنا أمام عودة حقيقية للتعليم العالي، بل هي مجرد محاولة لإعادة تشغيل المؤسسات بأي شكل كان دون وضع التدابير اللازمة لهذا التشغيل.

هذا الجيل من الطلاب والطالبات يقعون فريسة ما يمكن تسميته طبقية التعليم في السودان، فإذا كانت المدارس الخاصة تحقق 74.9% مقابل 68.5% للحكومية، ثم ينتقل الطالب والطالبة الناجحان إلى الجامعات الخاصة مرتفعة التكلفة، بينما تتراجع قدرة الجامعات الحكومية على استيعاب عدد كبير من الناجحين وتوفير مقاعد جامعية كافية لهم، فإننا أمام سلسلة مترابطة تؤدي إلى تأكيد طبقية التعليم في السودان، ومعالجة هذا الأمر كان يحتاج لأن يرتفع أفق المسؤولين في وزارتي التعليم والتربية الوطنية ووزارة التعليم العالي لمستوى وضع خطة وطنية لمعالجة مشكلات حقيقية تواجه جيل الحرب، لأن النجاح في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية وإعلان نتيجتها لا يعدو أن يكون نجاحًا في جولة في معركة التعليم.

اليوم نهنئ الناجحين والناجحات، ونحتفي بالمتفوقين والمتفوقات، ونشكر المعلمين والمعلمات الذين حافظوا على شعلة التعليم متقدة في وسط الخراب الذي صنعته الحرب، ولكن بعد التصفيق علينا أن نجيب على الأسئلة الأصعب: أين سيدرس هؤلاء؟ ومن سيدفع تكاليف تعليمهم؟ وهل جامعات السودان جاهزة لاستقبالهم؟ وماذا عن مئات الآلاف الذين لم ينجحوا؟ وماذا عن الملايين الذين انقطعوا عن التعليم ولم يصلوا أصلًا إلى قاعة الامتحان؟

فإذا كان امتحان الشهادة السودانية قد أعطانا نتيجة نفرح بها، فإن الحرب تركت لنا سؤالًا أكبر: أي مستقبل تعليمي نريد أن نبنيه من بين أنقاض صنعها رصاص الحرب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى