افعلها قبل فوات الأوان يا برهان؟

دعاش الخير
بقلم/ محمد حسن كبوشية
في المقال السابق قلنا اتركوا آمنة تعمل. ولم يكن ذلك إعفاءً للبنك المركزي من المساءلة أو منحاً لمحافظه حصانة من النقد. بل دعوة إلى توزيع المسؤوليات بعدالة. فلا يستقيم أن تتحول الوزارات إلى متفرج ثم يقف البنك المركزي وحده أمام غضب الناس مطالباً بتوفير الدولار وخفض سعره وتمويل الاستيراد وإصلاح الكهرباء وتشغيل المصانع وإعادة النازحين. الأزمة حصيلة أداء مؤسسات متعددة وعلاجها يحتاج إلى عمل متكامل تتحدد فيه المسؤوليات وتظهر نتائجه أمام المواطن.
لنبدأ بوزارة الطاقة المسؤولة عن تسعير الوقود وتنظيم إمداداته. كيف تُحسب تكلفة الاستيراد والتمويل والترحيل والتوزيع؟ وما سعر الدولار المعتمد عند تحديد السعر النهائي؟ حين يلجأ مستوردون إلى تجار العملة لتمويل شحناتهم بأسعار مرتفعة فمن يراجع هذه الترتيبات ويمنع تحميل المواطن كلفة تمويل مبالغ فيها؟ المطلوب إعلان عناصر التسعير حتى نعرف أين تنتهي الضرورة وأين تبدأ الاستفادة من الأزمة. فتوفير الوقود واجب وضبط تكلفته واجب كذلك.
وهنا تأتي وزارة المالية التي تتحصل رسوماً تبلغ ٤٠٪ من تكلفة الوقود المستورد ثم تعود لتتحصل رسوماً وجبايات من الإنتاج الذي أُنتج بذات الجازولين ومن المركبات التي استخدمته. ويضيف ولاة الولايات رسوماً أخرى فتتراكم الأعباء على الإنتاج والترحيل والتسويق وتستقر في جيب المواطن. كيف نطالب بخفض الأسعار بينما ترفعها الجهات الحكومية بتعدد التحصيل؟ وكيف ندعو إلى الإنتاج ثم نحاصره بالجبايات؟ وأين مخرجات لجنة مراجعة الرسوم والجبايات التي لم يظهر لها أثر ملموس؟
المطلوب من وزارة المالية إعلان نتائج المراجعة وما أُلغي من رسوم وما بقي ولماذا. فالدولة الباحثة عن التعافي توسع قاعدة الإنتاج وتستمد إيراداتها من نشاط ينمو. وكل جباية تعطل مصنعاً أو توقف شاحنة أو تضعف منافسة الصادرات قد تمنح الخزينة مالاً اليوم لكنها تحرم الاقتصاد من موارد أكبر غداً. ومراجعة هذه الأعباء جزء أصيل من معالجة الغلاء وزيادة حصائل الصادر.
النقد الأجنبي لا يذهب للوقود وحده. هناك القمح والدقيق واحتياجات يومية أخرى. فأين وزارتا الصناعة والتجارة والزراعة من تشغيل المطاحن وزيادة الإنتاج المحلي وتطوير البدائل؟ تشغيل المطاحن يقلل استيراد الدقيق ويحفظ قيمة مضافة وفرص عمل. ومن المهم دعم تجارب إنتاج الخبز من الذرة والدخن باستخدام محسنات غذائية آمنة تؤدي بعض وظائف الغلوتين فتمنح العجينة التماسك واللزوجة والقدرة على التمدد وتساعدها على الاحتفاظ بالغاز أثناء التخمير. المطلوب تطوير خبز مقبول للمستهلك ومناسب التكلفة من محاصيلنا المحلية بالتعاون مع مراكز البحوث والمخابز. لا أحد يطالب بوقف استيراد القمح بينما يحتاج الناس إلى الخبز. لكن تنويع مصادره وزيادة الإنتاج الزراعي وإعادة المصانع للعمل تخفف الضغط على الدولار وتدعم المزارع والصناعة الوطنية. وهذه معركة إنتاج تحتاج إلى كهرباء وتمويل وخدمات وقرارات تنفيذية ولا يحسمها منشور مصرفي.
ويذهب جانب من النقد الأجنبي لعلاج السودانيين بالخارج. وراء كل تحويل مريض وأسرة تبحث عن النجاة. هؤلاء لا ينبغي التضييق عليهم. المشكلة اضطرارهم لمغادرة وطنهم للحصول على العلاج. فأين وزارة الصحة من تشغيل المستشفيات وتأهيل مراكز الأورام وتوفير الأجهزة والأدوية والكوادر؟ كل خدمة تستعيدها البلاد تخفف معاناة أسرة وتقلل الإنفاق الخارجي. المطلوب مساءلة المؤسسات عن الظروف التي دفعت المرضى للسفر لا لومهم لأنهم طلبوا العلاج.
وهناك أسر نزحت إلى الخارج وتحتاج إلى إيجارات ورسوم مدارس وتكاليف معيشة. وهنا نسأل مجلس الوزراء عن العودة الطوعية. العودة تحتاج إلى أمن ومياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس وفرص عمل. حين تتوفر تصبح قراراً ممكناً للأسرة. أما دعوتهم لأحياء بلا خدمات ثم لومهم على حاجتهم للدولار فهي قراءة مقلوبة للمشكلة. استعادة الحياة داخل السودان سياسة اقتصادية بقدر ما هي مسؤولية اجتماعية ووطنية.
تخفيف الضغط على النقد الأجنبي يبدأ من الوزارات. الطاقة تضبط التكلفة والإمداد والمالية تراجع الجبايات والصناعة والتجارة تعيد الإنتاج والزراعة تزيد المحاصيل وتطور البدائل المحلية والصحة تستعيد العلاج ومجلس الوزراء يهيئ العودة. والبنك المركزي يدير السياسة النقدية والتمويل والرقابة المصرفية. ولا يجوز اختزال إخفاق الجميع في شخص المحافظ. كما لا يجوز للبنك الاكتفاء بذكر حجم التمويل دون توضيح آلياته وأولوياته وأثره. الشفافية والمحاسبة واجبتان على الجميع.
وفي مواجهة التلاعب يجب تمكين الأجهزة المختصة من ملاحقة الاحتيال والاحتكار وتمويل الأنشطة غير المشروعة وفق القانون وتحت رقابة النيابة والقضاء. مع التمييز بين المتلاعب والتاجر الباحث عن تمويل مشروع في سوق شحيحة الموارد. فالمواجهة العمياء تدفع الأموال للاختفاء وتزيد الأزمة. الأمن يحاصر الجريمة والسياسة الاقتصادية تعالج أسبابها ولا يغني أحدهما عن الآخر.
ونحتاج إلى تحرك عاجل من مجلس السيادة ووزارة الخارجية لحشد دعم أصدقاء السودان لمواجهة الحرب الاقتصادية وتداعياتها. تحرك يحمل احتياجات محددة لتمويل السلع الأساسية وتسهيل التعاملات المصرفية وتأهيل الكهرباء والمستشفيات ودعم الإنتاج وفتح أسواق الصادرات. المساندة تصبح أكثر أثراً حين ترتبط بخطة وطنية واضحة تبين كيف يُستخدم الدعم وما النتائج المنتظرة منه.
سيدي رئيس مجلس السيادة لقد قدت وجنودك المواجهة العسكرية من المسافة صفر وحققتم الانتصارات على مليشيا دويلة الشر. واليوم تحتاج جبهة الاقتصاد إلى وضوح القيادة ومتابعة التنفيذ بالجدية نفسها. وإذا كانت هناك حرب اقتصادية منظمة فلتُكشف شبكاتها بالأدلة وتُواجه بالقانون دون أن يصبح وصفها ستاراً يحجب أخطاء الإدارة أو يعفي المسؤولين من المحاسبة.
لماذا لا يُشكّل «مجلس حرب» لمعركة التعافي يجمع الجهات حول خطة واحدة ويحدد المطلوب والمسؤول ومواعيد الإنجاز؟ يتابع الوقود والجبايات والزراعة والمصانع والمستشفيات والخدمات والصادرات والدعم الخارجي وينشر نتائج قابلة للقياس. فالمعركة تُربح بزيادة موارد الدولار وتقليل الحاجة إليه عبر الإنتاج واستعادة الحياة.
وللإعلام والوسائط مسؤولية. لأهل السودان رب يحميهم فلا تزرعوا الهلع ولا تحققوا لدويلة الشر ما تصبو إليه بنشر الذعر وكسر الثقة. تحققوا قبل النشر وميزوا بين النقد والتهويل. وعلى المؤسسات تقديم المعلومات بصدق وفي وقتها حتى لا تملأ الشائعات الفراغ. فالطمأنينة تُبنى بالحقيقة والعمل.
آخر الدعاش
سيدي الرئيس القائد البرهان
يمكن أن تُحمى الأرض بالسلاح لكن بقاء الناس عليها يحتاج إلى اقتصاد وخدمات وأمل. وحين ينهار الاقتصاد تتعرض القيم لضغط قاسٍ وتتسع أبواب الاستغلال وتضعف الثقة في الدولة.
لا تتركوا جبهة المعيشة بلا قيادة ولا تجعلوا البنك المركزي يقاتل وحده. نحتاج إلى «مجلس حرب» للتعافي تكون فيه المسؤولية محددة والمحاسبة حاضرة والنتائج أمام الناس.
فالدولة التي تدافع عن أرضها وكرامتها مطالبة أيضاً بالدفاع عن خبز مواطنيها ودوائهم وكرامتهم. وأهل السودان الذين صبروا على الحرب يستحقون قيادة تجمع الجهود وتفتح أبواب الأمل وتعيد إليهم القدرة على الحياة والإنتاج..!!!



