اقتصاد “العودة”

شلل الدفع الإلكتروني: 

 

كيف تُربك أعطال «بنكك» أسواق السودان؟

 

تقرير ــ أمين محمد 

 

تستمر الأزمات الفنية والتوقفات المتكررة لتطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم في وضع الشمول المالي والاستقرار التداولي في السودان أمام اختبارات هيكلية شديدة التعقيد. وفي ظل واقع اقتصادي أصبحت فيه المحفظة الرقمية هي الشريان الأساسي لتدفق السيولة وتسيير المعاملات اليومية جراء الانكماش النقدي للعملة الورقية، فإن أي تعثر في المنظومة لا يقف عند حدود الإزعاج التقني للمتعاملين، بل يرتد سريعاً على كفاءة الأسواق، ويكشف عمق الهشاشة التي تعتري البنية التحتية للمدفوعات الوطنية.

 

​أبرز المشاكل

​وتتجلى التعقيدات الميدانية التي تعترض الجمهور عند استخدام التطبيق في اقتطاع المبالغ المالية فوراً من حساب العميل دون وصولها للمستفيد أو إصدار رقم تتبع لحظي يضمن إثبات العملية، بالتوازي مع التعثر المتكرر في استقبال رموز الأمان (OTP) وتحديثات استعادة الحسابات ما يفرض عزلة مالية قسرية على المتعاملين، فضلاً عن التردي الملموس في آليات الاستجابة للبلاغات المعلقة مع انعدام الشفافية في تحديد الأطر الزمنية لاسترداد الأموال العالقة.

​أبعاد الأزمة

​أوضح الخبير المصرفي الدكتور لؤي عبد المنعم أن الإشارة الشائعة إلى معاناة تطبيق «بنكك» من اختلالات في الخوادم أو مزودي الخدمة تنطوي على مفهوم فني أوسع؛ إذ تعني عمل البنية التقنية للتطبيق —بما تشمله من خوادم وقواعد بيانات ومزودي استضافة وشبكات ربط— دون الكفاءة المطلوبة أو وقوعها تحت ضغط يفوق قدرتها التشغيلية. وأكد عبد المنعم أن المشكلة لا تقتصر على ضعف خادم فردي، بل تمتد لتطال منظومة كاملة تضم الخادم الرئيسي لمعالجة الطلبات، ومزود الخدمة المستضيف، وشبكات الاتصالات المرتبطة بشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، وبوابات الربط بين بنك الخرطوم والمؤسسات المالية، فضلاً عن مراكز البيانات الموكل إليها ضمان استمرارية التشغيل.

​تداعيات اقتصادية

​ولفت الخبير المصرفي إلى أن جذور الأزمة تتجاوز النطاق التقني لتلامس مباشرة التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث يؤدي تعطل التطبيق إلى شلل المعاملات الشرائية، وتعثر سلاسل الإمداد، وتصاعد تكلفة المعاملات، بالتوازي مع تعزيز الاعتماد على النقد الموازي. وأضاف عبد المنعم أن هذا الانقطاع المتكرر يفاقم حالة تآكل الثقة في المنظومة المصرفية الوطنية، ويكشف مدى هشاشة البنية الاقتصادية أمام أي اضطراب يصيب وسائط الدفع الرقمية.

 

​حلول جذرية

 

​وشدد الدكتور لؤي عبد المنعم على أن تجاوز الأزمة يستوجب إعادة هندسة المنظومة المصرفية الرقمية جذرياً بدلاً من الاكتفاء بالترقيات البرمجية السطحية؛ حيث يقتضي ذلك ابتداءً إنشاء منصة دفع قومية احتياطية خارج ولاية الخرطوم لضمان عدم انقطاع الخدمة، بالتوازي مع إعادة تصميم تطبيق «بنكك» وفق معمارية الخدمات المصغرة (Microservices) لفصل المهام ومنع الانهيار الكلي أثناء ذروة الضغط. كما يشمل هذا التحول الهيكلي إطلاق وسائط دفع لا تعتمد على شبكة الإنترنت كالمحفظة الإلكترونية عبر رموز (USSD) وبطاقات التواصل قريب المدى (NFC) مسبقة الدفع، فضلاً عن تشغيل نظام مراقبة آلي لحظي تحت إشراف بنك السودان المركزي لرصد الاختناقات الفنية ومعالجتها استباقياً. وتكتمل أركان المعالجة من خلال إعادة توزيع العبء التشغيلي بين المصارف عبر إلزامها بتطوير تطبيقاتها المنافسة وتخفيض رسومها الخدمية، إلى جانب توفير الخوادم والمولدات لشركات الاتصالات لضمان استقرار الشبكات في ظل ظروف الحرب الراهنة.

 

​شبكات مستقلة

​وفي سياق الحلول البديلة، أفرد الخبير المصرفي مساحة لأهمية تدشين شبكة وكلاء دفع مستقلة تعتمد على نقاط البيع (POS) كركيزة لضمان استمرار حركة التجارة. ونبّه عبد المنعم إلى أن هذه الشبكة يتميز تشغيلها بالاستقلالية التامة عن تطبيق «بنكك» أو أي تطبيقات ذكية أخرى، مع ارتباطها المباشر بأنظمة الدفع القومية، وإمكانية تفعيلها عبر قنوات اتصال بديلة كالأقمار الصناعية (Satellite POS)، وشبكات (USSD)، والشبكات المغلقة (Closed Loop)، أو الخطوط الثابتة غير التأثرية بانقطاعات الإنترنت.

 

​سجال الخوادم

​وتطرق الدكتور لؤي عبد المنعم إلى السجال المتداول بشأن استضافة خوادم التطبيق خارج البلاد —وتحديداً في دولة الإمارات العربية المتحدة— موضحاً أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أي إفصاح رسمي من بنك الخرطوم أو الجهات التنظيمية، ولا تؤيدها المعطيات الفنية الميدانية. وأشار إلى أن تزامن الأعطال مع انقطاعات الكهرباء وتراجع كفاءة الاتصالات المحلية يُرجح استمرار تشغيل البنية الأساسية من داخل السودان وارتباطها بالشبكة الوطنية. غير أنه لم يستبعد تقنياً وجود استضافات مساندة أو خدمات دعم فني ونخَب احتياطية لدى مزودين خارجيين فرضتها ظروف الحرب، مؤكداً أن هذا الجدل يعكس ضبابية الإفصاح المؤسسي أكثر مما يعكس واقعاً تقنياً معلناً.

 

​تدخل تنظيمي

​واختتم الخبير المصرفي إفادته بالشد على حتمية التدخل التنظيمي المباشر من بنك السودان المركزي لإعادة ضبط الأطر الحاكمة للمدفوعات الرقمية. ودعا عبد المنعم إلى إقرار ضوابط إلزامية تحدد مواقع الخوادم، ومستويات الأمن السيبراني، وخطط استمرارية الأعمال، مع إلزام المصارف بإنشاء مراكز بيانات احتياطية متعددة المسارات (Redundancy) داخل البلاد وخارجها لضمان عدم التوقف عند تعطل أي نقطة رئيسية. كما حث على وضع أطر واضحة لاستضافة البيانات الخارجية تحفظ السيادة الوطنية، وتفعيل نظام مركزي للإنذار المبكر لمراقبة الأداء اللحظي، للحد من المخاطر النظامية الناجمة عن اعتماد الاقتصاد على قناة دفع فريدة.

===========

 

شراكة بين الجيش و«المواصفات» لضبط الواردات وترسيخ الجودة

 

عطبرة ــ العودة

​وجّه المفتش العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق ركن رشاد عبد الحميد إسماعيل، بإدراج نظم الجودة والاعتماد كمنهج دراسي أساسي ضمن مقرر التفتيش العسكري، معلناً في الوقت ذاته تبنّيه لإنشاء أقسام لضبط الجودة بكافة المؤسسات والمنشآت العسكرية، وشدد على ضرورة حصر واردات واحتياجات الجيش وفق المواصفات القياسية المعتمَدة.

 

​وأشاد الفريق ركن رشاد، لدى مخاطبته ختام فعاليات تخريج الدفعة (27) ضباط بسلاح المدفعية بمدينة عطبرة، بالأداء المتميز لقطاع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بولاية نهر النيل، ودورها الحيوي في حماية المستهلك ودعم الاقتصاد الوطني.

 

​وأكد المفتش العام أن “المواصفات باتت لغة عالمية مشتركة والركيزة الأساسية لجودة الحياة”، موضحاً أنها تُعنى بضبط معايير السلع والخدمات لتلبية متطلبات المستهلك الحالية والمستقبلية. وأضاف أن أهمية التقييس داخل المؤسسة العسكرية تكمن في كونه أداة جوهرية لرفع كفاءة الأداء وتحقيق الجودة الشاملة، فضلاً عن كونه نهجاً فعالاً للرقابة الذاتية والإصلاح الإداري.

 

​كما أثنى على جهود المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، ومواقفها الداعمة للقوات المسلحة، مؤكداً أن أهمية المواصفات في حياة المواطنين تستوجب نشر ثقافة التقييس وتنزيلها للشارع باعتبارها معياراً أساسياً للنجاح.

 

​من جانبه، أعلن مدير قطاع الهيئة بولاية نهر النيل المكلف، الدكتور محمد عمر أحمد بلول، جاهزية الهيئة لتقديم الدعم الفني والاستشارات، وتنظيم الورش والمحاضرات العلمية، إلى جانب نقل تجارب تطبيق نظم الجودة والاعتماد للقطاع العسكري؛ لبناء تعاون فني استراتيجي يعزز كفاءة الأداء داخل المؤسسة الأمنية.

​وأوضح د. بلول أن نقاط التلاقي بين الهيئة والقوات المسلحة تشمل مجالات متعددة، أبرزها: سلامة وصحة الغذاء، والآليات والمتحركات، والأسلحة والذخائر، وأمن وسلامة الأفراد (المتمثلة في الزي والمنشآت)، بالإضافة إلى النظم الإدارية وجودة الأداء. واختتم بالتأكيد على أن الهيئة ستظل سندا ودعماً للقوات المسلحة في كافة المجالات لحماية الوطن وتفويت الفرصة على المتربصين بأمنه واستقراره.

 

=============

​حديث القلم 

بقلم أمين محمد 

 

​الخرطوم.. جمود الأسواق

 

​يواجه المشتري والتجار في الخرطوم مأزقاً هيكلياً شديد التعقيد؛ إثر القفزات غير المسبوقة لسعر صرف الدولار في الأسواق الموازية وتجاوزه حاجز الثمانية آلاف جنيه. ولم تعد الأزمة محصورة في النطاق النقدي مجرداً، بل امتدت لتحدث شللاً وجموداً شبه تام في حركة النشاط التجاري اليومي داخل العاصمة.

 

​إن اضطرار قطاع واسع من تجار التجزئة والإجمال إلى إغلاق محالهم التجارية لا يعبر عن استنكاف تشغيلي، بل يعكس عجزاً كاملاً عن مواجهة معضلة التسعير اللحظي وتغطية التكلفة الاستبدالية لإعادة بناء المخزون السلعي؛ إذ أضحت كل عملية بيع بالأسعار الراهنة تتحول تلقائياً إلى تبديد للرأس المال ونزيف حاد في أصول المنشآت.

 

​وعلى الضفة المقابلة، يقع المواطن تحت طائلة غلاء طاحن يتآكل معه الدخل المحدود وتتلاشى قدرته الشرائية، نتيجة الانعكاس المباشر والفوري لقفزات أسعار الصرف الموازية على أسعار كافّة السلع الاستهلاكية والاحتياجات الأساسية.

 

​إن حماية ما تبقى من الشرايين الاقتصادية للبلاد تستوجب حزمة إجراءات تنظيمية ونقدية عاجلة للحد من التدهور المتسارع للعملة الوطنية وضبط هوامش السوق الموازية. وبدون كبح جماح الفجوة الآخذة في الاتساع بين تكاليف الإمداد والقوة الشرائية المنهارة، فإن خروج القطاع التجاري من الخدمة سيتجاوز كونه ظاهرة مؤقتة ليلقي بظلاله كشلل كامل يهدد الأمن الغذائي والمعيشي للسكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى