تسهيلات المليار ونصف.. بين إنعاش الاقتصاد وفخ الديون

تقرير ــ أمين محمد الأمين
في ظل تعقيدات مشهد اقتصادي يرزح تحت وطأة تداعيات الحرب وتراجع القيمة الشرائية للعملة الوطنية، تتأرجح المبادرات المالية الحكومية بين أمل تحقيق الاستقرار العاجل، ومخاوف التورط في التزامات ائتمانية طويلة الأجل. يأتي الحديث عن التسهيلات المالية المرتقبة ليفتح باب الجدل واسعاً بين خبراء الاقتصاد والمحللين السياسيين حول جدواها وآثارها المباشرة على الاقتصاد المحلي.
ضائقة الاستيراد
وتداولت أخبار عن اقتراب الخرطوم من إبرام اتفاق تسهيلات ائتمانية بقيمة 1.5 مليار دولار مع أحد بيوت التمويل الأجنبية الكبرى، بإشراف مباشر من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ومحافظ البنك المركزي آمنة ميرغني. وتُخصص الصفقة بالكامل لتأمين المشتقات النفطية ومدخلات الإنتاج الزراعي، بهدف فك ضائقة الاستيراد وتخفيف الضغط على سوق النقد الأجنبي.
خطوة إيجابية
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير أن توفير التسهيلات الائتمانية في الظروف الراهنة يُعد خطوة إيجابية ومهمة لدعم الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن توجيه التمويل نحو تأمين السلع الأساسية والاستراتيجية يمثل قراراً صائباً وسليماً بنسبة 100%.
توجيه مستحق
وأوضح الناير أن تركيز التمويل على استيراد المنتجات البترولية يُلبي حاجة ماسة لمختلف القطاعات الإنتاجية والأنشطة الاقتصادية. وأضاف أن تخصيص جزء من المبالغ لدعم القطاع الزراعي وتوفير مدخلات الإنتاج، كالسماد والتقاوي، من شأنه تعزيز معدلات الإنتاج والإنتاجية بشكل مباشر.
استقرار مرتقب
وفيما يتعلق بالمخاوف حول آلية السداد، دعا الخبير الاقتصادي إلى النظر للأثر الفوري والمباشر للتسهيلات؛ لكونها تضمن استدامة إمدادات السلع الحيوية. وأكد أن ضخ هذا التمويل يقلل الضغط والطلب على النقد الأجنبي في السوق الموازي، مما يُسهم في تحقيق استقرار نسبي لسعر صرف الجنيه السوداني خلال المرحلة المقبلة.
أثر إيجابي
واختتم الناير تصريحه بالإشارة إلى أن كافة المؤشرات تؤكد جدوى هذا الإجراء وانعكاسه الإيجابي على المشهد الاقتصادي، مشدداً على أن سلامة توظيف هذه الأموال في قطاعات محورية كالزراعة والطاقة ستحدث فارقاً ملموساً في تدعيم الاقتصاد المحلي وتخفيف حدة الأزمات الراهنة.
فخ اقتصادي
وفي السياق ذاته، وصف القيادي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، كمال كرار، أنباء حصول البلاد على تسهيلات ائتلافية بـ “الفخ الاقتصادي بامتياز”، مؤكداً أن الاستعانة بالقروض والودائع الأجنبية في الوقت الراهن يمثل المسار الأكثر خطورة على مستقبل الاقتصاد القومي.
مخاطر داكنة
وأوضح كرار أن خطورة هذه الخطوة تكمن في توجيه التمويل الأجنبي نحو التجارة الخارجية والاستيراد بدلاً من التنمية الإنتاجية. وأشار إلى غياب الشفافية وحجب التفاصيل المتعلقة بأسعار الفائدة، وفترات السداد، وما إذا كانت الصفقة تمت بضمان أصول سيادية كالأراضي، مما يثير تساؤلات وشكوكاً عديدة.
أعباء متراكمة
وأكد القيادي الشيوعي أن هذه الالتزامات ستزيد من كاهل الاقتصاد المرهق أصلاً بديون سابقة معلقة، لافتاً إلى أن مبلغ الـ 1.5 مليار دولار يعد هامشياً؛ إذ لا يغطي احتياجات الاستيراد لأكثر من شهرين على الأكثر، ولن يفلح في كبح قفزات الدولار المتواصلة.
تدهور العملة
وأضاف كرار أن أزمة سعر الصرف تتجاوز متطلبات الاستيراد وتعود إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية، واتساع رقعة “دولرة” المعاملات التجارية وشراء الأصول، فضلاً عن المشتريات الحكومية للعملة الصعبة لمواجهة متطلبات النزاع، مما يجعل الأزمة الماليّة قائمة وتتفاقم.
أزمة الزراعة
وحول أثر التسهيلات على القطاع الزراعي، بيّن كرار أن الأزمة لا تكمن في توفير الوقود فحسب، بل في غياب الدعم الحكومي وتغلغل شبكات السماسرة والوسطاء المتسببين في غلاء أسعار المشتقات النفطية، مشدداً على أن وقوع المناطق الزراعية في رقعة العمليات العسكرية يظل العائق الأساسي أمام أي نهوض بالقطاع.
أولويات الإنفاق
وانتقد كرار انعدام الشفافية في إدارة القروض، مبيناً أن الشواهد والبيانات الرسمية لوزارة المالية تؤكد توجيه غالبية الموارد المتاحة نحو المجهود الحربي والانفاق العسكري، مما يفرغ هذه التسهيلات من محتواها التنموي أو الخدمي.
استحالة التعافي
واختتم عضو اللجنة المركزية تصريحه بالتشديد على أن الحرب الراهنة دفعت بالاقتصاد القومي إلى عمق الهاوية، مؤكداً أن أي مبادرات أو محاولات لترميم الوضع المالي قبل التوقف التام للحرب ستكون محكومة بالفشل المسبق.
إدارة موارد
بين تفاؤل يرى في التسهيلات شريان حياة عاجل يضمن استمرار السلع الحيوية ويدعم الميزان التجاري، وتحفظات تحذر من أعباء ديون تفتقر للشفافية، يبقى المحك الحقيقي مرهوناً بمدى القدرة على إدارة هذه الموارد بكفاءة، وربط أي معالجة اقتصادية بإصلاحات جذرية توقف استنزاف الاقتصاد وتضع حداً للنزاع القائم.



