صناعة اللحوم.. بوابة الخرطوم لجاكارتا 

تقرير – أمين محمد الأمين 

ترسم وزارة الثروة الحيوانية والسمكية ملامح مرحلة جديدة لفك الارتهان للأسواق التقليدية، عبر مد جسور الشراكة الاستثمارية مع إندونيسيا. خطوةٌ يراها خبراء اقتصاد تحولاً هيكلياً يُنهي حقبة تصدير الموارد الخام، ويؤسس لعهد القيمة المضافة والصناعات التحويلية القادرة على المنافسة عالمياً.

 

​حراك استراتيجي

​وفي هذا السياق، أشاد الخبير الاقتصادي، الدكتور عوض الله موسى، بالتحركات الاقتصادية الأخيرة لوزارة الثروة الحيوانية الاتحادية، مؤكداً أن السعي نحو بناء توأمات وشراكات خارجية يمثل خطوة استراتيجية لتطوير قطاع الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي بالبلاد.

 

​توأمات اقتصادية

​ويرى د. عوض الله أن الحراك الخارجي الرامي للتأسيس لتوأمات استراتيجية في مجالات اللقاحات، وتحسين النسل، والاستزراع السمكي، يصب مباشرة في خانة خلق القيمة المضافة. ونوه إلى أن هذه الخطوات تدعم الإنتاج وتدفع بمؤشرات ميزان الصادرات والميزان التجاري نحو الأفضل، مما يساهم في معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها القطاع الاقتصادي.

 

​نقلة نوعية

​وأوضح الخبير الاقتصادي أن نجاح الوزارة في جذب رؤوس الأموال الإندونيسية لإنشاء مسالخ ومصانع لحوم متطورة ونقل التكنولوجيا الحديثة، سيحدث نقلة نوعية كبرى في الاقتصاد الوطني؛ نظراً لكون السودان مصنفاً عالمياً ضمن كبرى الدول المالكة للثروة الحيوانية، ويحتاج بشدة إلى التحديث والمواكبة عبر الاستثمار في “الصناعات التحويلية” بدلاً من الاعتماد التقليدي على تصدير الماشية الحية.

 

​آفاق واعدة

​واختتم د. عوض الله إفادته بالتأكيد على أن هذا التوجه يحمل أثراً اقتصادياً بالغ الأهمية ويمهد لتحول هيكلي ملموس، واصفاً هذه الخطوات بأنها تُعيد التوازن للقطاع الاقتصادي الذي افتقد مثل هذه المبادرات التنموية طويلاً، معرباً عن مباركته ودعمه الكامل لهذه التحركات لتكلل بالنجاح المكتمل وتؤتي ثمارها المرجوة.

 

حظر استراتيجي

في السياق ذاته ​أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد الناير، على ضرورة تسريع وتيرة تحول الدولة نحو تصدير اللحوم المصنعة بديلاً عن الماشية الحية، لافتاً إلى مطالباته المبكرة بتبني هذا الاتجاه الاستراتيجي. واقترح د. الناير إصدار قرار بمنع تصدير الماشية الحية بشكل كامل، مع استثناء موسم الهدي فقط لخصوصية شعائره ومتطلباته، مؤكداً أن هذا التحول الجذري سينعكس إيجاباً وبقيمة مضافة عالية على مجمل المؤشرات الاقتصادية.

 

​مضاعفة العائدات

​وأوضح الخبير الاقتصادي أن صادرات الثروة الحيوانية الحية كانت قد سجلت قبيل الحرب — وتحديداً قبل نحو سبع سنوات — ما يقارب المليار دولار سنوياً، في حين كانت نسبة صادرات اللحوم ضئيلة للغاية. وأشار إلى أنه في حال تم تصدير تلك الكميات كلحوم مصنعة، لكان هذا العائد قد تضاعف بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات، ليرتفع إلى ما بين ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار؛ نظراً لما يتيحه تصنيع اللحوم من استغلال للمنتجات المصاحبة والجانبية مثل الجلود وغيرها، مما يعزز القيمة المضافة بشكل كبير.

 

​استثمارات نوعية

​واعتبر د. الناير أن استقطاب أي استثمارات إندونيسية أو أجنبية في مجال المسالخ يمثل خطوة ممتازة تدفع باتجاه تأسيس منشآت حديثة ذات طاقات إنتاجية وتصديرية عالية. ونوه إلى وجود حراك حالي يجمع بين تشغيل المسالخ القائمة والتوجه نحو إنشاء مسالخ جديدة متطورة، مشدداً على أن هذه البنية التحتية من شأنها تعظيم الطاقات الإنتاجية للحوم، وتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة تساهم في دفع عجلة التنمية.

 

​توازن تجاري

​واختتم الدكتور محمد الناير إفادته بالإشارة إلى الأثر المباشر لهذا التحول في كبح الاختلالات الكلية؛ إذ إن قفز عائدات القطاع إلى حاجز الأربعة مليارات دولار سنوياً كفيل بخلق توازن مالي كبير في الدولة. وأضاف أن تعظيم قيمة الصادرات وإضافة قيم تصنيعية حقيقية للمنتجات السودانية سيسهمان بشكل مباشر في خفض العجز المزمن في الميزان التجاري، مما يضمن تدفق نقد أجنبي مستدام يدعم استقرار الاقتصاد الوطني.

 

​أسواق جديدة

​من جهته، أكد الباحث الاقتصادي، الدكتور هيثم محمد فتحي، على أهمية تفعيل استراتيجية الدولة الرامية إلى فتح أسواق جديدة وتوسيع منافذ الصادرات السودانية في مختلف دول العالم، لا سيما في منطقة شرق آسيا. واعتبر د. هيثم أن نفاذ المنتجات السودانية إلى سوق اللحوم الحمراء في إندونيسيا يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية؛ نظراً للكثافة السكانية العالية هناك ولتصنيف إندونيسيا كواحدة من أكبر الدول المستهلكة للحوم عالمياً، فضلاً عما تمتلكه من خبرات متراكمة وتقنيات متطورة في مجالي الثروة الحيوانية والسمكية.

 

​مزايا تفضيلية

​وأوضح الخبير الاقتصادي أن الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية الهائلة التي يذخر بها السودان كفيل بتقليل تكلفة الإنتاج وتعزيز التنافسية؛ مما يمنح البلاد ميزة تفضيلية للوصول بمنتجاتها إلى أسواق سبع دول جوار إقليمي، إلى جانب الأسواق الإفريقية الواعدة.

وأشار إلى أن التعاون الاقتصادي بين الخرطوم وجاكارتا يشكل فرصة سانحة لتعزيز حركة التجارة البينية وجذب الاستثمارات المشتركة، داعياً إلى ضرورة الإسراع في تفعيل الاتفاقيات الثنائية وتبادل الخبرات الفنية لضمان إنجاح هذه المشروعات الكبرى، ودعم الروابط الاستراتيجية والنمو الاقتصادي المتبادل.

 

​فجوة استثمارية

​ونبه د. هيثم إلى وجود مفارقة واضحة؛ فرغم قوة وعمق العلاقات السياسية والتاريخية بين السودان وإندونيسيا، إلا أن العلاقات الاقتصادية والتجارية لم ترقَ بعد إلى المستوى المأمول. واستدل على هذا التواضع باستمرار العجز التجاري لصالح الجانب الإندونيسي، مع محدودية تدفق الاستثمارات الإندونيسية المباشرة في الأسواق السودانية، وهو ما يتطلب جهداً دبلوماسياً واقتصادياً مكثفاً لتصحيح هذا المسار وبناء شراكات متوازنة تعود بالنفع على البلدين.

 

​تطوير هيكلي

​وشدد الخبير الاقتصادي في ختام إفادته على ضرورة استمرار وزارة الثروة الحيوانية في تنفيذ خطتها الرامية لتطوير القطاع هيكلياً، وذلك من خلال التوسع في برامج التحسين الوراثي للسلالات المحلية لرفع إنتاجيتها من اللحوم والألبان. كما أكد على أهمية تقديم الدعم الفني المتكامل وحزم الرعاية البيطرية المتقدمة للمستثمرين، بما يضمن خلق بيئة استثمارية جاذبة ومستدامة في هذا القطاع الحيوي.

 

​رؤية مستقبلية

​ختاماً، يتضح أن الرهان على الشراكة السودانية الإندونيسية ليس مجرد تفاهمات بروتوكولية، بل هو مسار اقتصادي حتمي لفك الارتهان للأسواق التقليدية. إن نجاح هذه الخطوات يظل معلقاً بمدى قدرة الدولة على تهيئة البيئة التشريعية وحماية المستثمر، لتتحول هذه الخطط التنموية الواعدة من أوراق اللقاءات الرسمية إلى واقع ملموس يعيد للثروة الحيوانية بريقها كقاطرة للاقتصاد الوطني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى