من قلب العاصمة.. كيف يعيد “ضمان الودائع” بناء الثقة المصرفية؟

تقرير: أمين محمد الأمين

​في خطوة سيادية تعكس بدء التعافي الفعلي وبسط الاستقرار، دشّنت محافظ بنك السودان المركزي السيدة آمنة ميرغني حسن التوم، استئناف عمل صندوق ضمان الودائع المصرفية من مقره الرئيسي بالعاصمة الخرطوم. وتكتسب هذه العودة دلالة استراتيجية تتجاوز افتتاح المقار، لتعلن صافرة البداية لإعادة بناء شبكة الأمان المالي، وترميم الثقة في النظام البنكي عبر حزمة إصلاحات تشريعية ورقابية شاملة يقودها قانون 2026م؛ مما يبعث برسالة طمأنة حازمة للمودعين والمستثمرين بأن الشريان المالي للبلاد يسترد عافيته وكفاءته الحمائية وفق المعايير الدولية.

​دلالات عميقة

​وفي تشخيصها للأبعاد المؤسسية لهذا الحدث، أكدت عميدة كلية الاقتصاد بجامعة السودان العالمية، الدكتورة ماجدة مصطفى، أن استئناف صندوق ضمان الودائع المصرفية لأعماله من مقره بالخرطوم في هذا التوقيت يمثل خطوة اقتصادية ومؤسسية ذات دلالات عميقة؛ إذ لا يقتصر الأمر على مجرد إعادة تشغيل مؤسسة مالية، وإنما يجسد بداية فعلية لاستعادة مؤسسات الدولة لوظائفها الحيوية، وإعادة بناء الثقة في النظام المالي والمصرفي عقب التحديات الجسيمة التي فرضتها الحرب. وأوضحت أن عودة الصندوق للعمل من قلب العاصمة تحمل رسالة طمأنة قوية للمودعين والمستثمرين بأن القطاع المصرفي يمضي بثبات نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والتعافي، تزامناً مع التزام الدولة بتعزيز شبكة الأمان المالي وحماية حقوق المتعاملين مع الجهاز المصرفي.

 

​أمان مالي

​ونوهت الخبيرة الاقتصادية بأن الأهمية الاقتصادية لهذه الخطوة تنبع من كون صندوق ضمان الودائع يمثل أحد الركائز الجوهرية في شبكة الأمان المالي، جنباً إلى جنب مع بنك السودان المركزي والرقابة المصرفية وآليات معالجة المصارف المتعثرة. وأبان أن وجود صندوق فعال يسهم حتماً في حماية أموال المودعين، ويحد من ظاهرة السحب الجماعي للودائع إبان الأزمات، فضلاً عن الحفاظ على استقرار النظام المالي وتجذير الثقة في البنوك؛ الأمر الذي يحفز الأفراد والمؤسسات على إعادة ضخ مدخراتهم في الشريان المصرفي، ويرفع قدرة البنوك على تمويل الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية الداعمة لعملية التعافي وإعادة الإعمار.

 

​تحول استراتيجي

​وفي سياق متصل، أشارت د. ماجدة إلى أن مشروع تعديل قانون صندوق ضمان الودائع لعام 2026م يكتسب أهمية استراتيجية بالغة؛ كونه يمثل تحولاً جذرياً من الدور التقليدي للصندوق المنحصر في تعويض المودعين بعد تعثر المصارف، إلى دور أكثر شمولاً يرتكز على التدخل المبكر وإدارة الأزمات المصرفية. ولفتت إلى أن منح الصندوق الاستقلالية المالية والإدارية والصلاحيات الأوسع من شأنه تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وتسريع الاستجابة للأزمات، ورفع مستوى التنسيق مع البنك المركزي والجهات الرقابية، بما يتسق مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة المخاطر المصرفية والاستقرار المالي.

 

​تدخل وقائي

​وأردفت عميدة كلية الاقتصاد بأن توسيع صلاحيات الصندوق في إدارة الأزمات يسهم بصورة مباشرة في حماية أموال المودعين والحد من انتقال المخاطر بين المؤسسات المصرفية؛ حيث إن التدخل المبكر لمعالجة أوضاع المصارف التي تواجه صعوبات مالية يقلل من احتمالات تفاقم الاضطرابات، ويمنع عدوى انتقال آثارها إلى بقية البنوك، علاوة على خفض التكلفة الاقتصادية لمعالجة التعثر والحفاظ على استمرارية الخدمات. واستدلت د. ماجدة بالتجارب الدولية التي أثبتت أن وجود مؤسسة تمتلك صلاحيات واضحة للتدخل الوقائي يعد أحد أهم عوامل نجاح السياسات الرامية للحد من المخاطر النظامية.

 

​رؤية مستدامة

​واختتمت الدكتورة ماجدة مصطفى إفادتها بالإشارة إلى أن استئناف عمل الصندوق، بالتزامن مع تحديث إطاره القانوني، يشكل خطوة استراتيجية محورية ضمن برنامج الإصلاح المصرفي الشامل وإعادة بناء الاقتصاد السوداني. وجزمت بأن نجاح الصندوق لن يُقاس مستقبلاً بقدرته على التعويض البعدي للمودعين فحسب، وإنما بمدى كفاءته في الوقاية الاستباقية من الأزمات، وترسيخ الثقة في القطاع المالي، وتشجيع الادخار والاستثمار، بما يضمن تهيئة بيئة مصرفية أكثر مرونة وقدرة على دفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة خلال المرحلة المقبلة.

​صمود مصرفي

​من جانبه، وضع الخبير الاقتصادي، الأستاذ سماح الفاتح، الحدث في سياقه الميداني، موضحاً أن القطاع المصرفي السوداني تعرض لعمليات نهب واسعة وهزات مالية عنيفة جراء الحرب؛ ورغم هذه التحديات غير المسبوقة، التزمت البنوك التجارية بالوفاء بكامل المطالبات المالية والودائع لعملائها. غير أن الفاتح نوه بأن تعثر استرداد معظم العمليات التمويلية نتيجة تداعيات الحرب ألقى بظلاله السلبية على الملاءة المالية لكثير من المصارف؛ معتبراً أن استئناف الصندوق لأعماله من الخرطوم يعد إشارة إيجابية قوية للداخل والخارج تعكس بدء التعافي الأمني والاقتصادي للقطاع المالي في البلاد عامة، وفي العاصمة الاتحادية بصفة خاصة.

 

​أبعاد استراتيجية

​وفي تحليله للأبعاد الاستراتيجية، أفاد سماح الفاتح بأن أهمية الخطوة تتبلور في عدة مستويات جوهرية؛ لعل أبرزها عودة القطاع المصرفي بضمانات سيادية وقانونية تتيح له المساهمة الفعالة في مرحلة إعادة الإعمار. وأبانت أن مباشرة صندوق ضمان الودائع لمهامه من قلب الخرطوم يسهم في تعزيز الثقة بالجهاز المصرفي، وتبعث برسالة حازمة بأن الدولة تسعى بجدية لإعادة تفعيل مؤسساتها المالية الحيوية؛ الأمر الذي يشجع المودعين على إعادة ضخ كتلتهم النقدية داخل النظام البنكي بدلاً من اكتنازها.

 

​ضمانات تشريعية

​وأردف سماح بأن تفعيل دور الصندوق يمنح صغار المودعين حماية عالية لمدخراتهم من خلال التدخل المباشر في حال تعثر أي مصرف، مما يقلل احتمالات الذعر المصرفي والسحب الجماعي للودائع. ولفت إلى أن منح الصندوق صلاحيات أوسع في قانون 2026م للتدخل في معالجة أوضاع البنوك المتعثرة يرسخ دوره كجزء لا يتجزأ من شبكة الأمان المالي، ويسهم بقوة في احتواء الأزمات المصرفية قبل تفاقمها، مؤكداً أن تعديل القانون وإصلاح الإطار الرقابي يمثلان عملية إعادة بناء مؤسسي شاملة للبنية التحتية المالية التي دمرتها الحرب، وليس مجرد تعديل قانوني عابر.

 

​جذب الاستثمار

​وعلى صعيد العلاقات الدولية، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذه الإصلاحات التشريعية والرقابية تبعث برسالة قوية للمستثمرين والجهات الدولية حول توجه السودان نحو تحسين الحوكمة والاستقرار المالي، وهو ما يمهد مستقبلاً لاستعادة ثقة المؤسسات المالية العالمية ورفع التصنيف الائتماني للبلاد. وجزم الفاتح بأن نجاح هذه الحزمة الإصلاحية وتحقيقها لنتائج ملموسة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسرعة إجازة قانون 2026م، وتوفير الموارد المالية الكافية للصندوق، وإرساء رقابة ميدانية لصيقة، فضلاً عن ضمان استقلاليته الفعلية عن أي ضغوط تنفيذية، بالتوازي مع استمرار تحسن الأوضاع الأمنية لتمكين المصارف من استعادة دورتها الطبيعية بالكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى