الدولار الجمركي بين تعظيم الإيرادات وتدهور القوة الشرائية

العمود رسالة

د.مزمل الضي عباس

​كلما أعلنت الحكومة عن زيادة الدولار الجمركي -من 3.517 إلى 3.743 جنيه-، ينصرف اهتمام الرأي العام إلى سؤال واحد: كم سترتفع أسعار السلع؟ غير أن السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع هذه السياسة معالجة اختلالات الاقتصاد، أم أنها مجرد وسيلة سريعة وعاجلة لزيادة الإيرادات العامة على حساب القوة الشرائية للمواطنين؟

​إن الحرب الطاحنة في السودان أدت إلى خروج عدد كبير من المصانع عن الإنتاج، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتعطل الموانئ البرية وسلاسل الإمداد، ونزوح ملايين المواطنين، وانكماش النشاط التجاري والاستثماري. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الاقتصاد يمتلك القدرة الكافية على امتصاص الصدمات الناتجة عن ارتفاع تكلفة الواردات، بل أصبح القطاع الإنتاجي يعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الخام والآلات، بل معظم المواد الاستهلاكية، وقطع الغيار، في وقت ارتفعت فيه تكاليف النقل والتأمين والشحن بصورة غير مسبوقة، خاصة في ظل التوترات في منطقة الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز. وعندما يُرفع الدولار الجمركي بنسبة 6.4%، فإن الزيادة لا تقتصر على الرسوم الجمركية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تكلفة الإنتاج بأكملها، الأمر الذي يضعف قدرة المنشآت على الاستمرار ويزيد من احتمالات توقفها أو تقليص نشاطها.

​اقتصادياً، فالدولار الجمركي لا يعبر عن سعر الصرف الحقيقي للعملة الوطنية، بل هو سعر إداري تستخدمه الدولة لتقييم الواردات عند احتساب الرسوم الجمركية والضرائب، وكذلك تستخدمه كأداة من أدوات السياسة الحمائية لحماية الصناعات المحلية الناشئة (Protectionism). لذلك فإن رفعه لا يعني تخفيضاً رسمياً لقيمة العملة، بل يؤدي عملياً إلى النتيجة نفسها بالنسبة للسلع المستوردة، إذ ترتفع تكلفة دخولها إلى الأسواق، وتنتقل هذه الزيادة تدريجياً عبر حلقات سلسلة الإمداد حتى تصل إلى المستهلك النهائي. وتبرز هنا المفارقة الاقتصادية؛ فما تراه وزارة المالية زيادة في الإيرادات، قد يراه المواطن ارتفاعاً جديداً في تكاليف المعيشة وتفاقم معاناته. فالدولة تحصل على موارد إضافية من الرسوم الجمركية، بينما يدفع المستهلك الثمن في شكل ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وقطع الغيار والأجهزة الكهربائية ومدخلات الإنتاج. وبذلك تتحول الجمارك، التي يُفترض أن تكون أداة لتنظيم التجارة وحماية الإنتاج الوطني، إلى أحد المحركات الرئيسية للتضخم -إذا لم تُستخدم بحذر وفي إطار سياسة اقتصادية متكاملة-.

​وتزداد خطورة هذه السياسة في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الواردات، ويعتمد القطاع الزراعي على مدخلات إنتاج مستوردة، كما تعتمد الأسواق على نسبة معتبرة من السلع الاستهلاكية القادمة من الخارج. لذلك فإن زيادة الدولار الجمركي لا تقتصر آثارها على السلع المستوردة، بل تمتد إلى تكلفة الإنتاج المحلي نفسه. وهنا تتجسد ظاهرة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار (Exchange Rate Pass-Through)، حيث تنتقل الزيادة من الميناء إلى المصنع، ومن المصنع إلى التاجر، ثم إلى المستهلك، لتتحول في النهاية إلى موجة تضخمية جديدة. ولا يقف الأثر عند حدود الأسعار، بل يمتد إلى النشاط الاقتصادي بأكمله. فارتفاع تكلفة الاستيراد يؤدي إلى انخفاض الكميات المستوردة، ليس لأن الطلب الحقيقي قد تراجع، وإنما لأن القدرة الشرائية أصبحت عاجزة عن تحمل الأسعار الجديدة. ويترتب على ذلك انكماش النشاط التجاري، وتباطؤ دوران رأس المال، وارتفاع تكلفة التمويل، وربما خروج بعض المنشآت الصغيرة والمتوسطة من السوق، وهو ما ينعكس في النهاية على التشغيل والاستثمار والنمو الاقتصادي.

​وقد يجادل البعض بأن ارتفاع تكلفة الواردات يمنح المنتج المحلي فرصة تنافسية أفضل، وهي حجة صحيحة من الناحية النظرية، لكنها لا تتحقق تلقائياً في الواقع. فالحماية الجمركية لا تخلق صناعة قوية إذا كانت المصانع تواجه انقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف النقل، وصعوبة الحصول على التمويل، وندرة النقد الأجنبي، واعتمادها الكبير على مدخلات مستوردة. لذلك فإن رفع الدولار الجمركي، في غياب إصلاحات هيكلية في الاقتصاد، قد يزيد تكلفة الإنتاج المحلي بدلاً من أن يعزز تنافسيته.

​ومن زاوية المالية العامة، قد تحقق الحكومة مكاسب قصيرة الأجل عبر زيادة الإيرادات الجمركية، لكنها قد تواجه في المقابل خسائر غير مباشرة؛ فارتفاع الأسعار يضعف القوة الشرائية، وقد تكون زيادة الإيرادات اليوم على حساب قاعدة إيرادات أضعف في المستقبل.

​كما أن ارتفاع الرسوم الجمركية يخلق حوافز اقتصادية للتهريب والتهرب الجمركي وتقليل قيم الفواتير، وهي ظواهر معروفة في الاقتصادات التي ترتفع فيها الفجوة بين التكلفة الرسمية والتكلفة الفعلية. وعندما تصبح تكلفة الالتزام أعلى من تكلفة المخالفة، تتآكل كفاءة السياسة الجمركية نفسها، وتفقد الدولة جزءاً من الإيرادات التي كانت تسعى إلى تعظيمها. ومن المهم أيضاً التمييز بين الدولار الجمركي والسوق الموازية للنقد الأجنبي؛ فالدولار الجمركي ليس سوقاً يتم فيه بيع وشراء العملات، وإنما هو سعر محاسبي تستخدمه الدولة في احتساب الرسوم، لكنه يمثل أحد مظاهر تعدد أسعار الصرف، وهو وضع يؤدي إلى تشوهات في تخصيص الموارد، ويزيد من حالة عدم اليقين أمام المستثمرين، ويضعف شفافية البيئة الاقتصادية.

​إن القضية الحقيقية ليست في قيمة الدولار الجمركي بحد ذاتها، بل في غياب رؤية اقتصادية متكاملة تعالج جذور الأزمة. فالاقتصاد لا ينهض بزيادة الرسوم وحدها، وإنما بزيادة الإنتاج والإنتاجية -رؤية ومشروع وزارة الزراعة نموذجاً-، وتوسيع القاعدة الضريبية بدلاً من زيادة العبء على القاعدة الحالية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، واستقرار السياسات الاقتصادية، وتوحيد سعر الصرف، وتعزيز الصادرات لتوليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.

​ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يوجه السياسات العامة: هل نريد موازنة تحقق أرقاماً أفضل على الورق، أم اقتصاداً يوفر للمواطن سلعة بسعر معقول، ويخلق فرص عمل، ويشجع الاستثمار والإنتاج؟ فنجاح أي سياسة مالية لا يقاس بحجم الإيرادات التي تحققها فقط، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام. وعندما يصبح تحسين معاش المواطن هو الهدف الأول للسياسات الاقتصادية، تتحول الإيرادات إلى وسيلة للتنمية، لا إلى غاية تُحمَّل تكلفتها للمستهلك وحده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى