المقترح الأمريكي.. صلاة “السر” و”الجهر” في عملية التفاوض…

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولا أعتقد بأن هنالك قيمة إيجابية يمكن أن يضيفها الاجتهاد، وضياع زمن الدولة السودانية في مركزة الخبر المهم حول موضوع إنهاء الحرب في فكرة: هل التقى الفريق شمس الدين الكباشي بالمبعوث الأمريكي الخاص مسعد بولس من “وراء ظهر” القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أم لا؟ وصرف تركيز الكل ناحية وجود خلاف، أو قل انقسام، داخل القيادة السودانية حول مسارات الحل بحسب المقترح الأمريكي، وذلك لأننا نرى بأن هذا الاتجاه، وأياً كانت الجهة التي تتبناه، فهو بالضرورة لا يقدم حلاً للأزمة السودانية بقدر ما يضيف تعقيدات جديدة تؤجل وصول الحرب المشتعلة لأربعة سنوات إلى محطة النهاية.
(*) صلاة الجهر… خطاب الحسم العسكري
والمعلوم بالضرورة بأن لهجة وتركيبة الخطاب الأخير للسيد البرهان بمسجد الشيخ الطيب بمنطقة “أم مرحي” أمام المصلين ظلت هي اللغة الثابتة التي يخاطب بها السيد البرهان الداخل كلما التقى به في مناسبات رسمية أو اجتماعية، وبالضرورة فإن التغطية الخبرية التي تصاحب مثل هذه الزيارات ترسل برسائلها في عدة اتجاهات، فأذن “الداخل”، وبحسب تأثيرات الحرب وأجوائها، فهي لا تزال “تطرب” لهذه اللغة وهذا الوضوح في الرسائل بنفي فكرة التفاوض جملة وتفصيلاً، وأن العنوان عند قيادة الدولة هو عنوان “الحسم العسكري” في مواجهة التمرد، ولا يخلو الخطاب من حالة “الشيطنة” للتفاوض، أو حتى للداعين إليه في الحرب السودانية.
جهراً ظل المواطن السوداني يسمع هذا الموقف من قيادته حتى صار الأمر عند كثيرين أكثر من إيمان بأن أي حديث أو مساعٍ للتفاوض، أو الاستجابة لسيل المبادرات التي تتناسل كل يوم وتمهد طاولاتها للجلوس، يعتبر “خيانة” يُدان من يتحدث بها ويدعو إليها.
وعلى الضفة الأخرى يحدث العكس تماماً، فإننا نجد بأن الدول والمنظمات ذات العلاقة بملف حرب السودان ظلت، وعلى الدوام، وعبر ممثليها ومبعوثيها، تجهر بأن الحل في “التفاوض”، وأن المخرج الذي لا بديل له هو الجلوس استجابة لأي من المقترحات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتحاربة لإيجاد معادلة تنهي صوت الرصاص.
الثابت في هذا الأمر هو أن هنالك دوائر سياسية وإعلامية متى ما ارتفع صوتها وجاهرت بتسويق خطاب الحرب، فإن ذلك ظل على الدوام مؤشراً واضحاً لوجود “الأسرار” التفاوضية، والمراد من الجهر بها هو قطع الطريق أمامها وإبطالها.
(*) صلاة السر في التفاوض…
على عكس ما حدث في “المنامة” البحرينية من إنكار لتمثيل الجانب الحكومي في التفاوض، بل والوصول لمراحل متقدمة فيه، فهذه المرة فإن جانب الحكومة السودانية لم ينفِ تلقي “المقترح الأمريكي”. فهذا لم يعد سراً لا تعرفه منصات الأخبار وتتداوله فيما بينها، بل صار في العلن أيضاً أن مقدم المقترح قد تلقى رداً مكتوباً على المقترح المقدم من الإدارة الأمريكية يحوي الملاحظات التي تعبر عن وجهة نظر الحكومة السودانية في بعض البنود والتعديلات أو التحفظات عليها.
الملاحظات المذكورة أعلاه تفيد بانتقال ما كان في حسابات “السرية” إلى منطقة “الجهر” في العلاقة بين الجهة المقدمة للمقترح “المبعوث الأمريكي” والحكومة السودانية، بل وإن منطق الأشياء أيضاً يفيد بأن شروع جهة ما بتقديم مقترحات مكتوبة لطرف آخر حول قضية ما كالتي نحن بصددها الآن، وتقديم الجهة التي تسلمت المقترح “ملاحظات” مكتوبة تتعلق بالمقترح، فإن ذلك يعني فعلياً دوران عجلة التفاوض، وإن لم تسمه أي جهة كذلك.
في كل المرات التي مرت فيها عملية التفاوض بعثرات وحالة “إجهاض”، كان لذلك علاقة بالتباس كبير في تعريف العملية التفاوضية أكثر من تفاصيلها، وهو بالضرورة التباس، في غالب الأحيان، كان متعمداً، بحيث يخدم وجهات نظر محددة لم تكن في ذاك التوقيت راغبة في فتح ملف التفاوض.
(*) المبعوث الأمريكي.. هل هو جزء من الأزمة؟
هنالك شيء مهم قد لا يكون مفهوماً في السياق العام السوداني، والذي في العادة لا يلقي بالاً للعمل المؤسسي بقدر ما يهتم بالأشخاص ومناصبهم ومواقفهم الشخصية، هذا إن لم تكن مؤسسات الدولة المعنية، “وزارة الخارجية” على سبيل المثال، هي آخر من يعلم بما يدور في الملف الذي يخصها ويعنيها تماماً.
هذا، بالضرورة، على عكس الحال أمام المبعوث الأمريكي، والذي تلزمه السياسات والمؤسسات وحدود ما هو مفوض به أن يقول في المؤتمرات الصحفية ما هو ملزم به.
مسعد بولس يتعامل بحرفية شديدة مع تكليفه، فتجده يتواصل مع القيادة السودانية، ويلتقي رؤساء دول الجوار ويزورها، ويجري ورش العمل والمقابلات مع السياسيين، دون أن يفهم حتى تأثيرات الرأي العام الداخلي في السودان على مسارات العمل التفاوضي، وأنه من المهم جداً في الحالة السودانية ضبط مقياس “السُكر” في المزاج السوداني تجاه ما يقوم به من عمل.
مسعد بولس، كمبعوث لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، في أوقات كثيرة تأخذه لغة “الكاوبوي” و”اليانكي” الذي يأمر وينهى ويكتب الأوراق ليوقع عليها الآخرون صاغرين، دون الانتباه إلى أن واحدة من أهم المؤثرات على عملية التفاوض هي الطبيعة واللغة التي يقدمها المبادر أو الوسيط، ولم يعد وضوح لغة العصا والجزرة كافياً لإنجاز الملفات.
(*) التفاوض.. خلاف حقيقي أم توزيع للأدوار؟
ونحن هنا لا نعمد إلى ترجيح فرضية على أخرى لقراءة المشهد الملتبس في الأزمة السودانية، وتبقى الأبواب كلها مفتوحة أمام مشهد سياسي في السودان يحتمل كل السيناريوهات، ابتداءً من وجود تباين داخل القيادة السودانية في قراءة صفحة التفاوض كمخرج لأزمة الحرب. وبالتالي، في الوقت الذي نسمع فيه عن خطوات حقيقية في ملف التفاوض، تعود بنا تصريحات أخرى إلى المربع الأول، حيث لا حل مطروح سوى “البندقية”، الشيء الذي يظهر الحكومة السودانية وكأنها لا تعتمد منهجاً واحداً في ملف الحرب، وكأنما هنالك سباق على الاستحواذ على رضا الرأي العام ومخاطبة وجدانه بما يريد ويشتهي، بعيداً عن المنطق الرياضي للسياسة الدولية: 1+1 = طاولة تفاوض.
الفرضية الثانية هي حقيقة عدم استعداد القيادة الحالية للدولة السودانية لفقدان دعم وسند الجبهة الداخلية، وهي التي تمثل جزءاً أصيلاً يمنحها الشرعية وحق التحدث بلسان الشعب السوداني، وبالتالي فهي في حاجة إلى خطاب يتناسب مع المزاج الداخلي، وفي المقابل تعلم القيادة السودانية بأن المجتمع الدولي في العادة لا يحتفظ بمقعد المتفرج حتى نهاية العرض، وبالتالي فإن حركته باتجاه الأزمة السودانية يجب مقابلتها بخطاب وازن يمتص ارتدادات القرارات الدولية، ولا بد من فصيل داخل القيادة السودانية مهمته أن يرسل رسائل في بريد المجتمع الدولي بكل مكوناته بأن السودان لا يصم أذنيه تماماً عن نداءات المجتمع الدولي. وعلى ضوء ذلك تتعامل قنوات رسمية سودانية مع المقترح الأمريكي وتقدم رأياً مكتوباً عليه، ليبدو هكذا المشهد كله وكأنه انقسام داخل القيادة من زاوية، ومن زاوية أخرى هو “تكتيك” تفاوضي تدير به القيادة السودانية ملعب الأزمة.
الدرس الذي يجب أن يتعلمه الكل مما حدث سابقاً في “المنامة” هو أن فقه “الإنكار” تهزمه الأيام والوقائع، وأن التسريبات وقتها، وقبل النظر إليها بعين تقول إنها “شطارة” صحيفة، هي بالأساس كانت عملية “جس نبض” وأنبوب اختبار لنجاح نبتة التفاوض من عدمه لدى الرأي العام، لو كان ما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى منطقياً وواقعياً ويحقق السقف التفاوضي.
ما من شيء يمنع تكرار سيناريو “المنامة” اليوم مرة أخرى لقراءة تفسيرات الرأي العام المحلي للمقترح الأمريكي، وماذا لو أن القيادة السودانية مضت قدماً في تنفيذ مطلوبات المقترح المقدم، إذ إن الأولوية الحاكمة في الغالب ليست بيد الكادر المفاوض والجالس على طاولة النقاش، بل في الرأي العام الشعبي المطلوب منه تأييد ما سيتم التوقيع عليه.
“التكتيك” ليس خطة يستخدمها طرفا النقيض في الأزمة السودانية بحيث يبدو أحدهما، في وقت من الأوقات، متعنتاً وأبعد ما يكون عن مقاعد طاولة التفاوض، ويلاحظ تفضيله للغة البندقية بحسب ما يحدث في الميدان، بينما يريد طرف آخر شراء الرضا الدولي “المليشيا” الذي تحاصره بالعقوبات والإدانات، بل يكون ما يحدث أيضاً جزءاً من تكتيكات الوسيط والمبادر، يريد بها حصار طرف من الأطراف في زاوية تفاوضية أو تحريك الساكن في عملية التفاوض.
(*) تخريب التفاوض.. هل من طرف ثالث؟
وتبقى هذه الفرضية، وبعيداً عن أحكام نظرية المؤامرة، قائمة، وأن خيار المضي في إنهاء الأزمة السودانية عبر طاولات التفاوض تواجهه تيارات معارضة ترى بأنه لا مكاسب حقيقية لها من وراء الوصول إلى حل نهائي للأزمة السودانية، وأن خيار البندقية، على الأقل في الوقت الحالي، يمنح امتيازاً سياسياً لدى الرأي العام السوداني قد تفقده هذه التيارات حال تم فرض التفاوض كخيار للحل، ولذلك تظهر “المتاريس” والتسريبات متى ما تسارعت الخطوات نحو غرف التفاوض.
ودعونا هنا نلقي نظرة على ورقة “المقترح الأمريكي” ونسأل: هل هنالك تغييرات جوهرية في المقترح تجعله مختلفاً عما تم طرحه عبر الرباعية أو الخماسية، أو ما جاء في اتفاق جدة والمنامة؟
الواضح بأنه لم يتغير أي شيء على مستوى الهدنة المطلوبة لوقف إطلاق النار “90 يوماً”، والحديث عن وقف الدعم الخارجي، وإخراج المرتزقة، والجيش الواحد، والمراقبة الدولية للاتفاق، وبداية عملية سياسية لحل المشكل السوداني، ولكن الذي تغير هو موازين القوى على الأرض، وبالتالي تغيرت كلياً شروط التفاوض عما كانت عليه في 11 مايو 2023م. وهنا الملاحظة الأهم في رد الحكومة السودانية على المقترح الأمريكي بانسحاب المليشيا من كل المناطق التي استولت عليها منذ مايو 2023م، وليس مناطق محددة كما جاء في المقترح الأمريكي.
ربما لم يعد السؤال في السودان: هل هناك تفاوض أم لا؟ فالوثائق والردود الرسمية تشير إلى أن التفاوض قائم بالفعل. السؤال الحقيقي هو: لماذا يُدار السلام بخطابين؛ أحدهما يُتلى جهراً أمام الجماهير، والآخر يُهمس به في الغرف المغلقة؟ وبين صلاة السر وصلاة الجهر، يبقى السودانيون في انتظار لحظة يلتقي فيها خطاب السياسة مع حقيقة ما يجري على طاولة التفاوض، بعيداً عن الضبابية والتسريبات التي أصبحت جزءاً من إدارة الحرب والسلام معاً.



