أبطال الظل (1) رواتبٌ لم تعد لأصحابها

إسماعيل شريف
في آخر كل شهر، يتكرر المشهد نفسه. يجلس أمام شاشة هاتفه، يراجع الأرقام بصمت. ينظر إلى الراتب الذي انتظره طويلًا، ثم يبدأ في تقسيمه قبل أن يصل إلى يده. هذا الجزء لوالدته، وذاك لإيجار منزل الأسرة، وآخر لعلاج قريب أنهكته الحرب، ومبلغ لطفل توقفت دراسته، وتحويل صغير لجار قديم ضاقت به السبل. وحين ينتهي من إرسال التحويلات، يبتسم في هدوء، كأنما أنجز مهمةً كان يعرف أنها تنتظره منذ أول يوم غادر فيه وطنه. لم يعد الراتب راتبه. صار وطنًا صغيرًا يتقاسمه الجميع.
—
منذ اندلاع الحرب، وجد آلاف السودانيين العاملين خارج بلادهم أنفسهم أمام مسؤولية لم يختاروها، لكنها اختارتهم. لم يعودوا أبناءً يبحثون عن مستقبلهم فحسب، بل تحولوا إلى صنّاع نجاة لأسر كاملة. كانت الغربة قاسية بما يكفي، لكن الحرب جعلتها أشد قسوة. ففي الوقت الذي كانوا يواجهون فيه غلاء المعيشة، وضغوط العمل، وارتفاع الإيجارات، ومخاوف الإقامة، كانت هواتفهم لا تهدأ. رنّة هاتف في ساعة متأخرة من الليل. رسالة قصيرة تبدأ بعبارة “سامحنا… لكننا مضطرون.” صوت أم تحاول أن تبدو قوية وهي تقول “الإيجار مستحق.” أخ يخبره أن الدواء نفد. أخت تخشى أن يخرج الأطفال من المدرسة. وصديق قديم لم يتواصل منذ سنوات، لكنه لم يجد بابًا يطرقه غير بابه. لم يكن السؤال يومًا لماذا يطلبون؟ كان السؤال دائمًا كيف يستطيع أن يلبي كل هذه النداءات؟
—
في سنوات الحرب، لم تعد التحويلات المالية مجرد أموال تنتقل من حساب إلى آخر، بل أصبحت رسائل طمأنينة، وجسورًا تربط البيوت التي مزقتها الحرب بأبنائها البعيدين. وراء كل تحويل مصرفي حكاية. وراء كل إشعار وصول مبلغ، ليلة قضاها أحدهم يحسب ما الذي يستطيع أن يؤجله من احتياجاته الشخصية حتى لا يؤجل حاجة أسرة تنتظر في الطرف الآخر. كم من موظف اكتفى بالأقل ليمنح غيره الحد الأدنى من الحياة. وكم من مغترب ألغى مشروعًا كان يحلم به، أو أجّل زواجه، أو تنازل عن راحته، لأن هناك من كان يحتاج إلى ثمن دواء، أو إيجار منزل، أو رسوم دراسة، أو حتى وجبة طعام. لم يكن أحد يصفق لهم. ولم تكن الكاميرات ترصد تلك البطولات اليومية. لكنها كانت بطولات حقيقية، صنعتها قلوب آمنت بأن الأسرة لا تُترك وحدها، وأن الوطن، حين يمرض، يصبح كل أبنائه مسؤولين عن تضميد جراحه.
—
هذه السلسلة ليست عن أصحاب الثروات. إنها عن رجال ونساء عاشوا غربتهم بكل ما فيها من مشقة، ثم اقتسموا ما يملكون مع الآخرين، حتى أصبحت رواتبهم ملكًا لعائلات ممتدة، وأصدقاء، وجيران، وأحيانًا لأشخاص لم يلتقوا بهم قط، لكنهم عرفوا حاجتهم. هؤلاء لم يكتبوا أسماءهم على لافتات، ولم ينتظروا تكريمًا. تركوا توقيعهم في مكان آخر…في بيت لم يُطرد أهله لعجزهم عن دفع الإيجار. وفي مريض وجد ثمن العلاج. وفي طفل واصل تعليمه. وفي أم نامت مطمئنة لأن ابنها، رغم بعد المسافة، ما زال يحمل الوطن في قلبه.
هؤلاء هم… أبطال الظل.



