م محمد عبد اللطيف هارون يكتب: ​أكثر من مجرد “جلد منفوخ”

*المستطيل الأخضر وهشاشة ادعاءات الحياد*

​تسوق المنظومة الكروية العالمية، وعلى رأسها “الفيفا”، كرة القدم كواحة معزولة عن صراعات العالم، وساحة مثالية للعدالة المطلقة والفرص المتكافئة. غير أن الواقع يثبت يوماً بعد آخر زيف هذه الشعارات البراقة التي تخفي خلفها شبكة معقدة من المصالح والوصاية السياسية. تحولت اللعبة إلى مرآة عاكسة لموازين القوى العالمية، حيث تُصنع القرارات في دهاليز مغلقة تُدار بمنطق النفوذ والهيمنة، مما يجعل الحديث عن “فصل الرياضة عن السياسة” مغالطة كبرى لا تنطلي إلا على السذج.

​تبخر قناع الحياد المزعوم للمنظمات الرياضية الدولية في أول اختبار حقيقي للمبادئ، وتجلى ذلك في ازدواجية المعايير الفاضحة تجاه القضايا الدولية. سارعت الآلة الرياضية العالمية لفرض عقوبات صارمة وحرمان روسيا من اللعب الدولي بذريعة الموقف العسكري، بينما غضّت الطرف تماماً وصمتت أمام انتهاكات الصهاينة، بل ووفرت لهم مظلة الحماية والمشروعية الرياضية. هذا التناقض الصارخ يسحب من “الفيفا” أي شرعية أخلاقية، ويؤكد ارتهانها لقوى دولية توظف العقاب والثواب الرياضي وفقاً لبوصلة حلفائها.

​يمتد هذا التشابك العضوي ليصيغ التحالفات والمواقف الحاضرة في المدرجات وعلى العشب الأخضر، كما ظهر في المونديال الأخير. ارتبط الكيان الصهيوني، بكامل أجنحته وإعلامه، بخندق واحد مع الأرجنتين، وكان العلم الإسرائيلي حاضراً في محافلهم، في إشارة واضحة إلى انحياز الأرجنتين – رسمياً وفي قطاع واسع شعبياً – خارجةً بذلك عن الإجماع الإنساني والموقف التاريخي لدول أمريكا الجنوبية الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني. تبرهن هذه المشهدية على أن الانتصار والهزيمة في الملعب يحملان دلالات سياسية أعمق بكثير من مجرد نتيجة مباراة.

​تستند مصر في هذا المعترك إلى رمزية وثقل استراتيجي يجعلها رقماً صعباً في قضايا المنطقة مهما كانت المآخذ على المشهد السياسي الحالي. تمتلك مصر قوة ناعمة تجعل من أفراحها وانكساراتها حدثاً يمس الوجدان العربي والإسلامي بأسره؛ ولعل الالتفاف الشعبي العارم حول منتخبها، والابتهاج بتأهلها وكأنه إنجاز فريد – رغم تحقيق المغرب الشقيق لإعجاز كروي غير مسبوق – يعكس حجم هذا الثقل النفسي والجماهيري. هذا التلاحم هو تحديداً ما يخشاه الخصوم، الذين يسعون جاهدين لمنع هذه الكرة من أن تكون سبباً في توحيد الشعوب أو بث روح الأمل في العواصم العربية وفي قلب فلسطين المحتلة.

​يصبح من السطحية اختزال الموقف من خروج مصر أو تعرضها لظلم تحكيمي في خانة “التشفي” أو تصفية الحسابات الكروية القديمة، حتى وإن عُرف عن بعض إعلامها أو جمهورها “سوء القبول بالخسارة” في أوقات سابقة. الإنصاف قيمة عزيزة تتطلب التسامي فوق العواطف الآنية والوقوف في مربع الحق؛ فقبول الظلم لمجرد وقوعه على من نختلف معهم يحولنا تلقائياً إلى نسخة مشوهة مما نكره. النظر إلى المشهد بمرونة يعلمنا أن القضايا الكبرى للأمة تتجاوز الحسابات الضيقة، وأن صون القوة الناعمة والصلبة لدولة بحجم مصر هو صمام أمان ودرع حماية للجميع.

​ختاماً، يتجاوز الإيمان الحقيقي هذه الحدود والجداريات الوهمية التي خطتها اتفاقيات المستعمر لتقسيم الجسد الواحد. يفرض الانتماء للأمة وهويتها الجامعة على المرء أن يكون سودانياً ومصرياً ومغربياً وسعودياً وسنغالياً في آن واحد متى ما استدعى الواجب، دون انتظار إذن أو صك غفران من أحد، وضارباً بعرض الحائط كل الأصوات العنصرية أو الإقصائية. العمل السياسي والرياضي والاجتماعي حلقات مترابطة في سلسلة واحدة، وقوة الشقيق – حتى وإن جار عليك يوماً بجهل أو بظلم – هي في نهاية المطاف شد لأزرِك وقوة لظهرك، والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لكسر طوق الوصاية التي تحاول سلب الشعوب حقها في التعبير والوجود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى