المونديال.. منصات كراهية في مدرج رياضي

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ويظل مونديال كأس العالم هو الحدث الذي يسحب البساط الإخباري من تحت أقدام أي مشهد غيره، ويعيد ترتيب “المانشيت” في كل غرف التحرير، ويحدث ذلك كل أربعة أعوام يقف فيها العالم على أطراف أصابعه ليتعرف على الدولة “سيدة العالم” في هذا النشاط الجماهيري، وتتعامل فيه الشعوب مع اللاعبين الذين يرتدون شعار بلدانهم وكأنهم الجنود والحرس الوطني لسمعة البلاد، ابتداءً من ترديد السلام الوطني معهم بكامل الهندام الوطني، وحتى الحزن والبكاء على الخسارة خلال زمن المباريات.
وبطول عمر منافسات كأس العالم، وبتطور اللعبة نفسها وقوانينها وطرق تنظيمها، تطورت أشياء كثيرة مرتبطة بهذا المونديال، ولعل ما نراه الآن على مستوى نسخة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك 2026م يحملنا إلى أن ما يأخذ الأبصار في هذه المنافسة لم يعد فقط “كرة الجلد” تلك التي يركض خلفها اللاعبون لتحقيق الفوز في معشب أخضر، في زمن يضبطه أصحاب الياقات السوداء، فالأمر تطور في التغطية الإعلامية كثيرًا، والتناول، والتعاطي، والاهتمام، والتفاعل، والاستثمار المالي والسياسي والاجتماعي.
المونديال “سوق” يمكن أن تكتفي فيه بمشاهدة ومتابعة ما يحدث في المدرجات، حيث تتسابق فيها شعوب العالم من كل أركان الدنيا، والتي تشارك منتخباتها أو حتى لا تشارك، لتقدم ثقافاتها وتقاليدها، خاصة وأن الاهتمام بالتغطية والنقل التلفزيوني لهذا الحدث يجعل منه أكبر “رف” للعرض يشهده العالم.
الآن بتنا لا نحتاج لاختبارات دقيقة حتى نكتشف بأن اللعبة الأولى في العالم، والأكثر جماهيرية، لا يتم التعامل معها كإحدى أدوات “الترفيه” وتزجية الوقت، وأنها مجرد ملهاة يتكئ العالم على جانبها للترويح عن نفسه بسبب أخبار الحرب والسياسة والاقتصاد.
تفكيك المحتوى الرقمي الذي يتناول، على سبيل المثال، أحداث مباراة منتخبي مصر والأرجنتين في مرحلة دور الـ16 الأخيرة سيقودنا إلى اكتشاف “مخزن” كامل من المحتوى الرقمي في هذا الفضاء المتفاعل، كان منتجوه ينتظرون هذه اللحظة الرياضية لإفراغ كل ما فيه من سوء وكراهية.
جزء مهم من بروتوكول كرة القدم قائم على احترام ما يعرف بالمشاعر الوطنية، وبالتالي فإن عزف النشيد الوطني للدولة جزء من بروتوكول احترام المشاعر الوطنية، وكذلك ارتداء الزي بالألوان والعلامات المميزة هو تعبير عن ارتباط ودلالات ذات بعد وطني. وهنا نعتقد بأن أي محتوى رقمي، كان أو غيره، يتم إنتاجه وهو ذو صلة بنتائج كرة القدم، ويتعدى حدود بروتوكولات احترام المشاعر الوطنية، يندرج تحت بند “الاستفزاز” والاستدعاء لممارسات لا علاقة لها بنشاط كرة القدم والروح الرياضية التي يدعو إليها عند التنافس، بل ويعتبر هذا السلوك، إلى جانب ممارسات كثيرة، جزءًا من سلسلة ممارسات ساعية إلى تجريف الرياضة من معانيها وإجهاض القيم التي تدعو إليها.
الملاحظ في الغالب بأن منتجي المحتوى المبذول في الفضاء التفاعلي، والمتعلق بتناول نتيجة تلك المباراة التي أخذناها كنموذج للاستدلال على أن موضوع التشجيع والتفاعل مع كرة القدم قد خرج من المستطيل الأخضر إلى حدود لا علاقة لها بالموضوع، يلاحظ أن غالبيتهم ليسوا من الأصيلين في متابعة كرة القدم، أو بشكل أدق ليسوا من متابعيها بشكل “احترافي”، ليبدأ هنا، ومن هذه النقطة، إغراق التغطية بمحتوى ذي أجندات كراهية واستفزاز، من الواضح أنها أُنتجت لهذا الغرض، ولا علاقة لها بالتعليق وتناول نتيجة مباراة كرة قدم.
“جماهيرية” نشاط كرة القدم، والزخم الذي يصنعه المونديال، يمثل بيئة مغرية جدًا للرعاة الرسميين للمحتوى “الغث” والفارغ من المضامين الإيجابية، ليقدموا ما يزيد متابعاتهم على الصفحات، ويمرروا أجندات أخرى غير رياضية تحت غطاء الخطاب الرياضي.
الشغف الملازم لطبيعة نشاط كرة القدم يتم التعامل معه كفتيل قابل للاشتعال باستفزاز المشاعر الوطنية، والتي تكون في ذروة تفاعلاتها عند النصر أو الهزيمة، وبالتالي ينتهز المحرضون والباعة الجائلون لخطابات الكراهية فرصتهم لتسميم الأجواء بمحتوى رقمي أقل شيء يمكن أن يوصف به أنه مستفز ومحرض، ووقود لحروب لا يمكن السيطرة على نتائجها في حدود نتيجة مباراة كرة القدم.
الفراغ الذي يتركه غياب خطاب الوعي والتنوير بين شعبي وادي النيل، في هذه اللحظة التاريخية المعقدة من علاقات شعبي البلدين، يسده هذا النوع من الخطابات المحرضة والمستفزة، والتي من شأنها أن تصنع مشاعر “عامة” بين شعبي البلدين، هما أحوج ما يكونان إلى تفويت الفرصة على شيطان الكراهية والتفرقة.
الناشطون و**”مجاريب السيل”** التفاعلي، والذين جاءت بهم طفرة التطبيقات، وفتحت الأبواب أمامهم لمخاطبة كل قضايا العالم بضغطة زر على الهاتف، يجب أن تقابلهم “ثورة وعي” تنذر بخطورة هذه الممارسات غير المسؤولة والهدامة.
نكتب هذا، والمعلوم بالضرورة بأن الغرض منه ليس العبث بضبط المصنع في التعامل مع ثوابت تشجيع كرة القدم، والتي تضع الخيارات أمام أي شخص ليختار، وبكل حرية، أي فريق أو دولة يشجعها ويفرح لانتصارها ويعبر عن فرحته بأي طريقة يختارها، وأنه ليس هنالك معيار حاكم يحدد أي قميص تشجعه في المونديال، والفكرة هنا تشمل حتى أولئك الذين يعتقدون بأن معايير كالعروبة والإفريقانية هي بمثابة محدد ملزم للفرد في التشجيع، لا، ليس بالضرورة ذلك، ولكن المهم والضروري هو الالتزام بما تدعو إليه القيم والمبادئ الأولمبية والرياضية، والالتزام بعدم المساس بالمشاعر الوطنية للآخرين واستفزازها.
العالم، وبالاتجاهات التي لم تعد خافية على أحد في نسخ كثيرة من منافسات كأس العالم، أصبح يمضي حثيثًا باتجاه إفساد كل جماليات نشاط كرة القدم، وهدم كل القيم التي يدعو إليها، وخلط ماء الرياضة بزيت السياسة والكراهية.
بفعل فاعل، بل وبتخطيط لا تخطئه العين، يمكننا أن نقول بأن ما عقب نتيجة مباراة مصر والأرجنتين، على مستوى ما هو منتج من محتوى رقمي، يشابه ويطابق ما حدث أيام المباراة الفاصلة بين مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم، والتي جرت بالعاصمة الوطنية أم درمان، ووقتها كان هنالك “طرف ثالث” عمل على استغلال أجواء مباراة كرة قدم السودان ليس طرفًا أصيلًا فيها، لإفساد الأجواء بين شعبي البلدين.
ما يحدث الآن من تناول مختل هو عمل منظم يهدف إلى تخريب الجهد الرسمي المبذول لربط أواصر الصلة بين الشعبين، والقائم على التاريخ والمصلحة المشتركين.
ما يحدث ونراه الآن هو تصعيد ونفخ في “كير” النار التي تأكل العلاقة بين شعبي البلدين، والتي نرى بأنه لو فيها اتفاق، أن يكون على مستوى المصالح والندية المشتركة، ولو فيها اختلاف، أن يكون على أسس منطقية وموضوعية، بعيدًا عن “أسفاف” المحتوى المبذول الآن من سابلة الإنترنت والتطبيقات.
الشغف الأصيل في لعبة كرة القدم، والذي يمثل طعمها ويعطيها اللون والرائحة، يجب ألا يكون هو الاستثمار الذي يتخطفه منتجو خطاب الاستفزاز والكراهية لخدمة أجندات هم، بالأساس، غير مدركين لآثارها على شعبي البلدين.
“الفيفا”، كمؤسسة دولية مسؤولة عن هذا النشاط الجماهيري، عليها أن تقف وقفة انتباه لتنامي هذا النوع من الممارسات، وأنها، كمؤسسة، لم تنجُ من الاتهام بالتورط في مسائل لا تمت لروح الرياضة وقيمها في شيء، وأنه من الواجب عليها أن تتعامل بحسم تجاه هذه الظاهرة الآخذة في التنامي، وأن تنتبه إلى أنه أصبح هنالك “مدرج كراهية” رواده يتكاثرون، وأصواتهم تعلو لتطغى على صوت التسامح وقيم الرياضة.
العالم في غنى عن الأزمات الجديدة، وفيه من الحروب والكراهية ما يكفيه، وبالتالي فإن الشعوب المتطلعة للسلام والتسامح ليست في حاجة إلى المزيد من المونديال ليصبح “بنزينًا” يشعل الكراهية بين الشعوب كل أربعة أعوام.
على الأقل، لو لم تستطع المؤسسات الرسمية في البلدين، مصر والسودان، أن تضع العلاقات بين شعبيهما في الإطار الذي يليق بالتاريخ والمصير المشترك، فعليها الانتباه لخطورة ما يحدث بسبب هذا المحتوى والخطاب الحاض على الكراهية، والمحرض والمستفز للمشاعر الوطنية، والعمل على الحد من انتشاره وتسويقه.



