م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة -الجزء 16/6

​انعطافة النهر الكبرى ​نبتة المتأخرة والتحول نحو الجنوب (656 ق.م – 591 ق.م)

 

​صمود الجبل وهجرة التاج

​انتهى صخب المعارك في طيبة، وعادت الجيوش الكوشية إلى قواعدها الآمنة خلف الشلالات. كان الانسحاب إعادة تموضع استراتيجي واعي؛ واجهت نبتة في هذه الحقبة الحرجة معضلة وجودية بعدما صار الشمال مرتعاً للأطماع الأجنبية، وفقدت الحدود القديمة أمانها السابق. اتخذ الملوك الكوشيون قرارات مصيرية لحفظ هوية دولتهم, فاتجهت الأنظار جنوباً، نحو أرض بكر غنية بالأمطار والمعادن، ممهدة لولادة مركز ثقل حضاري جديد.

 

​*ترميم الذات وتثبيت الأركان (656 ق.م – 600 ق.م)*

​استقر ملوك نبتة في معقلهم التاريخي قرب جبل البركل، وباشروا إدارة دولتهم الممتدة على مساحات شاسعة داخل السودان الحالي. ركز الملك أتلانيرسا والملك أنلاماني على إعادة إعمار المعابد المتضررة، وتأمين طرق القوافل الصحراوية. سمح الاستقرار الداخلي لجيل جديد من الفنانين بإضفاء لمسات محلية كوشية خالصة على الفنون والمعمار، متحررين تدريجياً من القوالب المصرية الصارمة. واجهت نبتة هجمات من القبائل الرعوية الصحراوية، فنجح الملك أنلاماني في إخضاع هذه التحركات، فارضاً هيبة الدولة، وموسعاً نفوذ نبتة الاقتصادي نحو السهول الطينية الخصبة في منطقة البطانة.

​تصاعدت تهديدات الشمال والشرق، فدفعت القيادة الكوشية لتأمين بطانة السودان وجنوب الشلال السادس، الأمر الذي قاد مباشرة إلى اكتشاف الثروات الهائلة الكامنة في أراضي مروي الواعدة، والبدء في ارتياد مناطق داخلية بعيدة عن ضفاف النيل لأول مرة.

 

​*زلزال بسماتيك الثاني ونقطة التحول (591 ق.م)*

​جاء عام 591 قبل الميلاد يحمل معه حدثاً زلزل أركان العاصمة العتيقة. قاد الفرعون المصري بسماتيك الثاني حملة انتقامية كبرى نحو الجنوب، مستعيناً بجيش من المرتزقة الإغريق والكاريين. اخترقت القوات الغازية التحصينات الكوشية، ووصلت إلى قلب نبتة، عاصمة كوش السياسية والدينية، فعاث الغزاة فساداً في المدينة، ودمروا التماثيل الملكية للملوك الكوشيين العظام مثل تهارقا وتنوت أماني، وحاولوا محو هيبة جبل البركل المقدسة. تراجع الجيش الكوشي بذكاء نحو الجنوب، تاركاً الغزاة يواجهون خطوط إمداد متصحرة وبيئة قاسية، مما أجبر جيش بسماتيك على الانسحاب سريعاً نحو الشمال دون تحقيق سيطرة دائمة.

 

​*الهروب إلى المستقبل.. لماذا مروي؟*

​أثبت غزو نبتة للملك الكوشي أسبالتا والقيادة العسكرية أن إبقاء العاصمة والمركز السياسي على مقربة من الحدود المصرية يعد خطراً استراتيجياً هائلاً. اتُّخذ القرار التاريخي الكبير بنقل ثقل المملكة جنوباً، إلى مدينة مروي (قرب البجراوية الحالية، شمال الخرطوم).

​استند اختيار مروي إلى مقومات عبقرية غيّرت وجه الاقتصاد والجغرافيا الكوشية؛ إذ تقع المدينة خلف الشلال السادس، محاطة بصحاري وعرة وأنهار تشكل حواجز طبيعية يصعب على أي جيش غازٍ اختراقها. تقع مروي في حزام الأمطار الصيفية، محاطة بغابات كثيفة من أشجار السنط الضرورية لصهر المعادن، وجبال غنية بخامات الحديد، بعكس نبتة التي كانت منطقة شبه قاحلة تعتمد على النيل وحده. تربع الموقع الجديد على شبكة طرق تجارية حيوية تربط أعماق إفريقيا بالبحر الأحمر، والشرق الأقصى، والهند، مما فتح للمملكة أسواقاً جديدة بالكامل بعيداً عن احتكار الشمال.

 

*​ومضة تاريخية:*

بسقوط نبتة كمركز سياسي، انبعثت حضارة كوش من جديد بروح أكثر أصالة وعمقاً. ودعت المملكة عصر الطمي والنفوذ النيلي المحصور، لتستقبل عصر الحديد، المطر، والسيادة الإفريقية الخالصة في مروي.

*نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى