المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة- الجزء 16/7 

بريق الحديد وتاج الكنداكة​-العصر المروي العظيم ونهاية الإمبراطورية (591 ق.م – 350 م)

​*وهج الذهب الأسود*

 

​انتقلت العاصمة إلى مروي، ففتحت كوش ذراعيها لأفريقيا والعالم بروح جديدة. تحولت المدينة إلى منارة تضج بالحياة؛ أعمدة الدخان تتصاعد من قمم أفران صهر الحديد، وصوت المطارق يتردد صداه في السهول, بينما تصطف الأهرامات الحادة والفريدة لتطاول عنان السماء. في هذا العصر، تلاشت الهيمنة الثقافية للشمال، وظهرت هوية مروية خالصة، قادتها نساء محاربات أذللن أباطرة الرومان، وتحدث بها شعب كتب بلغته الخاصة، تاركاً إرثاً غامضاً يثير دهشة العالم.

 

​*بيرمنغهام أفريقيا القديمة (الحديد والتجارة)*

​استغلت مروي جبال المعادن وغابات الأخشاب المحيطة بها لتتحول إلى أكبر مركز لصناعة الحديد في القارة السمراء، حتى أسماها المؤرخون “بيرمنغهام أفريقيا القديمة”. مكنت خامات الحديد الكوشيين من صنع أسلحة فتاكة تفوقت على البرونز، وأدوات زراعية متطورة ضاعفت المحاصيل في السهول الطينية الواسعة.

​انطلقت قوافل مروي التجارية شرقاً نحو موانئ البحر الأحمر، وغرباً نحو أعماق أفريقيا، متحررة من الارتهان للنيل وحده. صارت المملكة تصدر الحديد، الذهب، العاج، حيوانات السيرك المفترسة، والأبنوس، وتستقبل الفخار الإغريقي، الزجاج الروماني، والتوابل الهندية بمرونة واسعة. ونتيجة لعمليات صهر الحديد والوفرة الاقتصادية المتصاعدة، تحقق للمملكة استقلال ثقافي تام قادها لاحقاً لابتكار خطها المروي الفريد وتأسيس العمارة الداخلية في عمق السهول.

 

​*غزو الوديان.. جغرافيا المراكز الكبرى (النقعة والمصورات)*

​شهد العصر المروي تحولاً عمرانياً غير مسبوق، حيث غادر الكوشيون ضفاف النيل الضيقة وتوغلوا لمسافة ثلاثين كيلومتراً في عمق وادي البطّانة شرقاً، مستغلين الوديان الموسمية الخصبة والأمطار الصيفية لتأسيس عواصم دينية واقتصادية موازية، تبرز من بينها مدينتا النقعة والمصورات الصفراء.

​ابتكر المهندسون المرويون منظومة مائية عبقرية تمثلت في الحفاير، وهي خزانات أرضية عملاقة دائرية الشكل تُحفر في الأرض لتجميع مياه السيول والأمطار وتخزينها طوال العام. تحولت هذه الحفاير المحاطة بالأسوار العالية في النقعة والمصورات إلى واحات اصطناعية وسط الصحراء، تسقي آلاف الماشية وتؤمن خطوط سير القوافل التجارية العالمية المتجهة نحو البحر الأحمر، واضعة حجر الأساس لاستقرار بشري واقتصادي هائل بعيداً عن مجرى النهر.

 

​*ولادة المروية وإله الأسد أبادماك*

​تكاملت المنظومة الجغرافية الجديدة مع انفصام ثقافي تام عن الإرث الفرعوني التقليدي، فتخلت كوش عن الهيروغليفية المصرية، واخترع الكوشيون نظام كتابة خاصاً بهم يتكون من 23 علامة، شمل شقين اختزالياً وهيروغليفياً مروياً، وثقوا به تاريخهم على جدران المعابد واللوحات. تراجع الاهتمام بالإله آمون ذي الأصول المصرية، وصعد نجم الإله المحلي أبيدماك، إله الحرب والخصوبة برأس أسد وجسد إنسان، والذي تجسد بوضوح في المواقع الداخلية:

​معابد النقعة: شيد الملك نتكامني والكنداكة أماني تاري معبد الأسد الشهير، وتظهر منحوتاته الملوك بملامح وأجساد ممتلئة تحاكي عناصر الجمال الأفريقية المحلية، وجواره يقف الأكشك المروي الفريد الذي يدمج الفنون الرومانية والإغريقية بعبقرية كوشية مذهلة.

​المصورات الصفراء: برز الحوش الكبير، وهو مجمع معماري ضخم ومحير يحتوي على معابد، ممرات، ومتاهات جدارية تكثر فيها نقوش الفيلة وتماثيلها، مما يؤكد أن هذا المركز الصحراوي كان ساحة عالمية لترويض الفيلة الأفريقية واستخدامها في الحروب والأعمال التجارية الكبرى للإمبراطورية.

 

​*عصر الكنداكات.. النساء اللائي روّعن روما*

​تميزت مروي بمنح المرأة مكانة سياسية وعسكرية لا مثيل لها في العالم القديم. عُرفت الملكة الحاكمة بلقب الكنداكة، وكانت قائدة فعلية للجيوش وصانعة للسياسات. عندما احتلت الإمبراطورية الرومانية مصر، وفرضت ضرائب باهظة على الحدود الكوشية، بادرت الكنداكة أماني ريناس (المرأة ذات العين الواحدة) بقيادة جيشها عام 24 قبل الميلاد. اجتاحت المدن الرومانية في جنوب مصر مثل أسوان وفيلة، وحطمت تماثيل الإمبراطور أغسطس قيصر، واقتطعت رأس تمثاله البرونزي ودفنته تحت عتبة معبد النصر في مروي، ليدوس عليه الجميع بأقدامهم.

​أرسل الرومان جيشاً انتقامياً، وأجبر بأس المقاتلين الكوشيين وحنكة الكنداكة الوفد الروماني على توقيع اتفاقية سلام في جزيرة ساموس، أُعفيت بموجبها مروي من الضرائب، واعترفت روما بسيادة الكنداكة كاملة على أراضيها.

 

​*خفوت الأضواء والنهاية الصامتة (200 م – 350م)*

​تجري الرياح دائماً بما لا تشتهي الممالك العظيمة. مع دخول القرن الثالث الميلادي، بدأت عوامل الضعف تدب في جسد الإمبراطورية المروية. تسبب الإسراف في قطع الأشجار لصهر الحديد، والرعي الجائر للماشية، في إنهاك بيئي أدى لتصحر المساحات الخصيبة وتراجع الإنتاج الزراعي. صعدت مملكة أكسوم المسيحية في الهضبة الإثيوبية لتكون منافساً شرساً، فبدأت في تحويل خطوط التجارة العالمية نحو موانئها، مخترقة الاحتكار المروي لأسواق العاج والذهب.

​استغل الملك الأكسومي1 عيزانا تدهور الأوضاع الداخلية، وقاد حملة عسكرية اجتاحت المدينة الملهمة حوالي عام 350 ميلادية، فدمرت القصور والأفران، وتفرق شمل السكان في الممالك النوبية الثلاث الوليدة: نوباطيا، المقرة، وعلوة.

 

​ومضة تاريخية:

غابت شمس مروي سياسياً، وحفظت الأرض حقولاً من الأهرامات تفوق ما في مصر عدداً، بجانب أسرار النقعة والمصورات العصية على الفناء، وسر لغوي لم تُفك كامل شفراته المعقدة حتى اليوم، لتظل كوش ما بعد كرمة شاهداً حياً على إرادة إنسانية صاغت التاريخ بروح سمراء عنيدة تتجدد دائماً.

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى