الأمين العام للمجلس الأعلى للسلم الاجتماعي.. الدكتورة نتالينا يعقوب.. في حوار مع «العودة»

السلم الاجتماعي يجب أن يكون في قلب الحوار السوداني

السودان يحتاج مشروعاً وطنياً يتجاوز انقسامات الحرب

الحوار السياسي وحده لا يكفي لبناء السلام

المتضررون من الحرب يجب أن يكونوا صُنّاعاً للسلام

«علينا أن نتنازل عن جزء من مصالحنا حتى تكسب البلاد كلها»

السودان أكبر من أي حزب ومنصب ومكسب سياسي

حوار ـ عماد النظيف

قالت الأمين العام للمجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، الدكتورة نتالينا يعقوب، إن إنهاء الحرب يمثل بداية للسلام وليس نهايته، مؤكدة أن السودان يحتاج إلى حوار سياسي شامل يتزامن مع جهود حقيقية للمصالحة المجتمعية وإعادة بناء الثقة بين السودانيين.

 

وأضافت يعقوب، في حوار مع «العودة»، أن الحرب لم تخلّف انقساماً سياسياً فحسب، وإنما أحدثت جروحاً اجتماعية عميقة تمثلت في الخوف والفقد والنزوح، مشددة على أن نجاح الحوار السوداني ـ السوداني لا يُقاس بعدد القوى السياسية المشاركة فيه، وإنما بقدرته على الوصول إلى المجتمعات المتضررة وإعادة الثقة بين المواطنين.

 

وأكدت أن المصالحة لا تعني تجاوز الانتهاكات أو مطالبة الضحايا بالنسيان، وإنما مواجهة الجراح والاستماع إلى المتضررين وتحقيق العدالة وحماية الضحايا، محذرة في الوقت ذاته من أن خطاب الكراهية والتحريض يمكن أن يطيل أمد الحرب حتى بعد توقف القتال.

 

وشددت على ضرورة أن تكون الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء والنازحون والمتضررون من الحرب شركاء حقيقيين في صناعة السلام، لا مجرد مستفيدين من مخرجاته.

 

* كيف تنظرون إلى مبادرة الحوار السوداني ـ السوداني من زاوية تحقيق السلم الاجتماعي وإنهاء حالة الانقسام التي خلّفتها الحرب؟

 

أي حوار سوداني ـ سوداني جاد هو خطوة مهمة، لكن نجاحه بالنسبة لي لا يُقاس بعدد القوى السياسية المشاركة فيه، وإنما بقدرته على الوصول إلى الناس وإعادة الثقة بينهم.

 

الحرب قسمت السودانيين بصورة مؤلمة، ولم تخلق خلافاً سياسياً فقط، بل خلقت خوفاً وفقداً ونزوحاً وجرحاً اجتماعياً عميقاً.

 

لذلك نحن محتاجون إلى حوار يسمع للناس البعيدة عن مراكز القرار، لأن المواطن العادي هو الذي يتحمل كلفة الحرب. وأنا مؤمنة بأن السودان لا تلمّه الاتفاقات السياسية وحدها؛ السودان تلمّه المصالحة، والاعتراف بالألم، وإعادة بناء الثقة بين الناس.

 

* هل يمكن الوصول إلى سلام اجتماعي مستدام من دون حوار سياسي سوداني شامل؟

 

صعب جداً. لكن في الوقت نفسه لا أعتقد أن الحوار السياسي وحده كافٍ.

 

الحوار السياسي يمكن أن يوقف القتال، لكن السلام الاجتماعي هو الذي يجعل الناس قادرين على العيش معاً من جديد. نحن محتاجون إلى الاثنين يمشوا مع بعض: حوار سياسي شامل، وفي الوقت نفسه عمل حقيقي وسط المجتمعات للمصالحة وجبر الضرر وإعادة الثقة.

 

قد يتفق السياسيون داخل قاعة، لكن إذا ظل المجتمع مليئاً بالخوف والكراهية وانعدام الثقة، فسيكون الاتفاق هشاً.

 

الحرب لم تخلق انقساماً سياسياً فقط، بل أحدثت شرخاً اجتماعياً واسعاً.. كيف يمكن للحوار أن يسهم في معالجة هذا الشرخ؟

 

أول شيء يجب أن نعترف بأن هناك شرخاً حدث، وألا نتعامل معه وكأنه غير موجود.

 

الحوار الحقيقي يعطي الناس فرصة ليقولوا: أنا تأذيت، أنا فقدت، أنا خفت، أنا اتظلمت. وبعد ذلك نبدأ نسأل: كيف نعيش مع بعض رغم كل هذا الألم؟

 

أنا مؤمنة بأن الاستماع نفسه جزء من المصالحة. أحياناً الناس لا تحتاج منك أن تحل كل مشاكلها في اللحظة الأولى؛ تحتاج إلى أن تشعر بأن هناك من يسمعها ويحترم وجعها. ومن هنا يمكن أن نبدأ بناء الثقة من جديد.

 

* ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المصالحات المجتمعية في تهيئة المناخ للحوار السياسي وإنجاحه؟

 

المصالحة المجتمعية يمكن أن تفتح الباب للحوار السياسي، لأن الناس في القرى والمناطق المتأثرة بالحرب لديهم علاقات قديمة ومعرفة ببعضهم، وحتى وسط الخلافات هناك أشياء مشتركة تجمعهم.

 

نحن في المجلس نؤمن بأن المصالحة لا تعني أن نمسح الماضي أو نقول للناس «انسوا ما حدث». لا. المصالحة معناها أن نواجه الجراح، ونستمع لبعضنا، ونعرف المسؤوليات، ونحاول خلق طريقة للعيش المشترك.

 

إذا استطعنا إصلاح العلاقة بين الناس في المجتمع، نكون قد مهّدنا الطريق لإصلاح العلاقة على المستوى السياسي.

 

* هل تعتقدون أن الحوار الحالي يضع السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية ضمن أولوياته، أم أن التركيز ما زال منصباً على تقاسم السلطة والترتيبات السياسية؟

 

بالنسبة لي، يجب أن يكون السلم الاجتماعي في قلب أي حوار، لا بنداً في آخر الأجندة. نحن محتاجون إلى إعادة الإنسان السوداني إلى مركز الاهتمام.

 

السلطة والترتيبات السياسية مهمة، لكن السؤال الأهم: بعد الاتفاق، كيف سيعيش السوداني مع أخيه السوداني؟ كيف سنعيد الثقة؟ كيف سنواجه خطاب الكراهية؟ وكيف سنعيد النازح إلى قريته وهو يشعر بالأمان؟

 

هذه بالنسبة لي أسئلة السلام الحقيقية.

 

* كيف يمكن إشراك الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني في الحوار؟

 

يجب أن يكونوا جزءاً من صناعة القرار نفسه.

 

الإدارات الأهلية لديها تأثير كبير في المجتمعات، والقيادات الدينية والمجتمعية لديها قدرة على الوصول إلى الناس، ومنظمات المجتمع المدني لديها خبرة ميدانية.

 

وأعتقد أن الحل السوداني يجب أن يستفيد من كل هذه الأصوات، لأنه لا يمكن أن نطلب من المجتمع تنفيذ مخرجات حوار لم يكن شريكاً في صياغتها.

 

* ما موقع الشباب والنساء والنازحين والمتضررين من الحرب في عملية المصالحة والحوار الوطني؟

 

هؤلاء لا ينبغي أن يكونوا «مستفيدين» من السلام فقط؛ يجب أن يكونوا صُنّاعاً للسلام.

 

المرأة السودانية دفعت ثمناً كبيراً في الحرب، والشباب هم مستقبل البلد، والنازح والمتضرر من الحرب لديه تجربة لا يمكن تجاهلها.

 

إذا أجرينا حواراً من دونهم، سنكون نتحدث عن السودان من دون أن نسمع إلى السودانيين الأكثر تأثراً بالحرب.

 

* إلى أي مدى يمكن للمجتمع المدني أن يسد الفجوة بين القوى السياسية والمجتمعات التي دفعت كلفة الحرب؟

 

المجتمع المدني لديه مساحة مهمة جداً، لأنه قريب من الناس، وفي الوقت نفسه قادر على التواصل مع المؤسسات وصناع القرار.

 

لكنني لا أعتقد أن المجتمع المدني مفروض عليه أن يحل محل السياسيين. دوره أن يكون جسراً: ينقل صوت المجتمع، ويخلق مساحات للحوار، ويساعد في المصالحات، ويواجه خطاب الكراهية.

 

وأحياناً يستطيع المجتمع المدني الدخول إلى مناطق ومساحات لا تستطيع السياسة الوصول إليها بسهولة.

 

* هل ترون أن الحوار ينبغي أن يبدأ من القواعد والمجتمعات المحلية قبل أن يصل إلى مستوى القوى السياسية والنخب؟

 

أنا شخصياً مؤمنة جداً بفكرة أن الحوار يجب أن يبدأ من الناس، لكن ليس بالضرورة أن يكون هناك ترتيب جامد: الناس أولاً وبعدهم السياسيون.

 

الأفضل أن يسير المساران معاً. نسمع من القاعدة، وننقل صوتها إلى مستوى القرار، وفي الوقت نفسه نجعل القوى السياسية تسمع مباشرة إلى المجتمعات.

 

البلد لا تُبنى من فوق فقط، ولا تُبنى من تحت فقط؛ تُبنى عندما يلتقي الاثنان.

 

كيف يمكن معالجة خطاب الكراهية والتحريض والاستقطاب المجتمعي الذي تصاعد خلال الحرب؟

 

خطاب الكراهية بالنسبة لي واحد من أخطر مخلفات الحرب، لأنه يمكن أن يطيل عمر الحرب حتى بعد توقف السلاح.

 

يجب أن نواجهه بالتوعية، وبمسؤولية الإعلام، وبمسؤولية القيادات السياسية والمجتمعية والدينية، وكذلك بالتعامل الجاد مع المحتوى المحرض في وسائل التواصل.

 

لكن لا يكفي أن نقول للناس «لا تكرهوا». يجب أن نخلق خطاباً بديلاً؛ خطاباً يقول للسوداني إن المختلف عنك ليس بالضرورة عدوك.

 

نحن محتاجون إلى أن نعيد تعليم الناس كيف يختلفون من دون أن يقتلوا بعضهم.

 

هل المصالحة المجتمعية ممكنة في ظل استمرار الانتهاكات والاتهامات المتبادلة بين أطراف الحرب؟

 

المصالحة ممكنة، لكن لا يمكن بناء مصالحة حقيقية بإنكار الانتهاكات.

 

المصالحة لا تعني الإفلات من المسؤولية، ولا تعني أن نقول للضحايا «انسوا». بالعكس، يجب أن يكون هناك اعتراف بالحقيقة، وحماية للضحايا، ومحاسبة عادلة حيثما كانت مطلوبة.

 

وفي الوقت نفسه يجب أن نعمل من الآن على المصالحات الممكنة، لأن انتظار نهاية كل شيء حتى نبدأ المصالحة قد يجعلنا نخسر سنوات.

 

* كيف يمكن تحقيق التوازن بين العدالة والمصالحة؟

 

أنا لا أرى العدالة والمصالحة كأنهما عدوان.

 

العدالة مهمة للضحايا، والمصالحة مهمة للمجتمع. لكن يجب أن تكون العدالة بطريقة تساعد على بناء دولة مستقرة ولا تعيد إنتاج الانتقام.

 

نحن محتاجون إلى عدالة تحمي حق الضحية، وفي الوقت نفسه تفتح طريقاً أمام المجتمع لتجاوز دائرة الثأر والكراهية.

 

هل يمكن أن تكون عمليات المصالحة المحلية مدخلاً لوقف القتال وتهيئة الطريق أمام السلام الشامل؟

 

نعم، وأنا مؤمنة بأن ذلك ممكن جداً.

 

في مناطق كثيرة، الناس يحتاجون فقط إلى مساحة آمنة يتحدثون فيها ويتفقون على قضايا محددة: حماية المدنيين، فتح الطرق، عودة الناس، حماية الممتلكات والتعايش.

 

المصالحة المحلية لا تحل الحرب كلها، لكنها يمكن أن تصنع جزرًا صغيرة من الأمان والثقة، وهذه الجزر يمكن مع الزمن أن تتحول إلى جسر نحو السلام الأكبر.

 

* ما الدروس التي يمكن الاستفادة منها من تجارب المصالحات السودانية السابقة في تصميم الحوار الحالي؟

 

السودان لديه تاريخ طويل في المصالحات، وهذه ثروة يجب أن نستفيد منها.

 

لكن أهم درس بالنسبة لي هو أن أي مصالحة مفروضة من فوق ولا تحظى بقبول حقيقي وسط الناس عمرها قصير.

 

يجب أن تكون المصالحة مرتبطة بالواقع، وتستمع إلى الضحايا، وتراعي خصوصية كل مجتمع. ولا ينبغي أن ننسخ تجربة قديمة ونطبقها كما هي؛ يجب أن نتعلم منها ونطورها بما يتناسب مع ظروف الحرب الحالية.

 

هناك مخاوف من أن يتحول الحوار إلى تفاهم بين النخب السياسية بعيداً عن المجتمع.. كيف يمكن منع ذلك؟

 

بكل وضوح: يجب أن يكون المجتمع شريكاً، لا متفرجاً.

 

ليس لدي مشكلة مع دور النخب السياسية، بل على العكس، لديها مسؤولية كبيرة. لكن المشكلة عندما يكون الحوار مغلقاً على النخب.

 

يجب أن تكون هناك مشاورات حقيقية مع المجتمعات، وأن تعود المخرجات إلى الناس وتُشرح لهم، والأهم أن يرى الناس أثرها في حياتهم.

 

* ما الضمانات المطلوبة حتى تتحول مخرجات الحوار السياسي إلى إجراءات حقيقية تعيد الثقة؟

 

أول ضمان هو الإرادة السياسية.

 

وبعدها يجب أن تكون هناك آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة والمحاسبة، وألا نترك الاتفاق مجرد وثيقة جميلة معلقة على الحائط.

 

الثقة لا تعود بالكلام؛ تعود عندما يرى المواطن أن الطريق فُتح، والمدرسة عادت للعمل، والخدمات عادت، والنازح استطاع العودة بأمان، والناس أصبحوا قادرين على العيش من دون خوف.

 

* كيف يمكن بناء مشروع وطني جديد يتجاوز الانقسامات التي أفرزتها الحرب ويعيد ترميم النسيج الاجتماعي؟

 

المشروع الوطني الجديد يجب أن يبدأ من سؤال بسيط: نحن نريد السودان أن يكون ماذا؟

 

أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتفق على أشياء أساسية: أن السودان لكل السودانيين، وأن التنوع مصدر قوة وليس سبباً للحرب، وأن الاختلاف السياسي لا يعطي الحق لأي شخص في إلغاء الآخر.

 

ونحتاج إلى مشروع يبني المواطنة والعدالة والتنمية والتعليم، ويحترم التنوع الديني والثقافي والاجتماعي.

 

* في ظل تعدد المبادرات الداخلية والخارجية، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلس السلم الاجتماعي في تقريب وجهات النظر وبناء جسور الثقة؟

 

دور المجلس بالنسبة لي هو أن يكون مساحة تجمع، لا مساحة استقطاب.

 

نحن لا نأتي لمنافسة المبادرات الأخرى، بل نؤمن بأن السودان يحتاج إلى كل الجهود الصادقة. دورنا أن نقرّب بين الناس، وندعم المصالحات، ونفتح مساحات للحوار المجتمعي، ونربط بين المجتمع والمؤسسات والجهات الوطنية والدولية المهتمة بالسلام.

 

وأنا دائماً أقول: نحن لا نستطيع أن نبني السلام وحدنا. السلام مسؤولية جماعية.

 

* هل تعتقدون أن إنهاء الحرب وحده كافٍ لتحقيق السلام، أم أن السلام الاجتماعي يحتاج إلى عملية أطول لإعادة بناء الثقة؟

 

إنهاء الحرب بداية السلام، وليس نهاية السلام.

 

يمكن أن يسكت السلاح، لكن الجرح يظل موجوداً. ويمكن أن يعود الناس إلى بيوتهم، لكن الثقة لا تكون قد عادت.

 

لذلك السلام الاجتماعي عملية طويلة، فيها مصالحة وعدالة وإعادة إعمار وعودة للنازحين ومعالجة لآثار الحرب، وتعليم جيل جديد أن الخلاف لا يجب أن ينتهي بالعنف.

 

نحن محتاجون إلى أن نبني سلاماً يعيش، وليس مجرد سلام يوقف الحرب.

 

* ما رسالتكم للقوى السياسية والمجتمعية المشاركة في الحوار بشأن أولوية السلم الاجتماعي على المكاسب السياسية؟

 

رسالتي بسيطة: السودان أكبر من أي حزب، وأكبر من أي منصب، وأكبر من أي مكسب سياسي.

 

الناس تعبت، والأسر فقدت أحبابها، والبلد انقسمت نفسياً واجتماعياً.

 

لذلك أتمنى أن يسأل كل شخص يدخل الحوار نفسه: ماذا سأترك للسودان بعدي؟ هل سأترك منصباً أم سأترك وطناً؟

 

علينا أن نتنازل عن جزء من مصالحنا حتى تكسب البلاد كلها. لأنه في النهاية، لا السلطة ولا السياسة لها معنى إذا لم يستطع السوداني أن يعيش آمناً ومحترماً في بلده وبين أهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى