الفريق مهندس بحري مستشار إبراهيم جابر عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام لـ«العودة»: (3)

حديث صريح حول ملفات الراهن وتفاصيل تهيئة الخرطوم لمرحلة ما بعد التحرير
عملية تغيير العملة كانت من التحديات الكبرى في ظل ظروف الحرب
أبواب الحوار مفتوحة أمام القوى السياسية والمجتمعية وأصحاب الرأي وكل من لديه إسهام يخدم السودان
هدفنا من الحوار هو الوصول إلى توافق واسع لبناء دولة قادرة على استيعاب الجميع
أهل الفن لهم تأثير كبير على المجتمع وإنهاء ثقافة الإثنية وخطاب الكراهية
نحتاج الى إعلام مهني يلتزم بالدقة ولايسمح بتحويل الشائعات الى حقائق
الفن والثقافة لهما دور أساسي في معالجة آثار الحرب
حاوره بالخرطوم: عبود عبدالرحيم

في حوار اتسم بالصراحة والوضوح، فتحت صحيفة (العودة) مع عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة، الفريق مهندس مستشار إبراهيم جابر، عدداً من الملفات والقضايا التي تشغل الرأي العام السوداني، ووضعت أمامه أسئلة المرحلة الراهنة واستحقاقات ما بعد الحرب، دون مواربة أو مجاملة.
ومن داخل مكتبه بالقيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، تحدث الفريق إبراهيم جابر عن جهود الدولة في إعادة ترتيب مؤسساتها واستعادة عافية العاصمة، كاشفاً تفاصيل مهمة حول أنجاز مشروع منصة بلدنا الإلكترونية والرقمية وعمل لجنة تهيئة الخرطوم وخططها لإعادة تأهيل الخدمات والمرافق وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين واستئناف الحياة الطبيعية.
وأجاب عضو مجلس السيادة بصراحة عن أسئلة «العودة» بشأن عدد من الملفات السياسية والتنفيذية والخدمية، مقدماً إفادات وتوضيحات حول ما تم إنجازه، وما تبقى من تحديات، ورؤية الدولة للمرحلة المقبلة، في ظل تطورات متسارعة تفرض أسئلة كبيرة حول مستقبل السودان.
هذا الحوار يأتي في توقيت بالغ الأهمية، ويحمل رسائل وإجابات مباشرة حول قضايا تمس حياة المواطن ومستقبل العاصمة والدولة، ويقدم قراءة من موقع المسؤولية لما يجري خلف الكواليس وفي ميدان العمل التنفيذي.
*لجنة الخدمات*
*إلى جانب لجنة ضبط الأمن، قمتم بتكوين لجنة للخدمات وأشرفتم عليها بصورة مباشرة. ماذا حققت هذه اللجنة؟
ركزت لجنة الخدمات على إعادة تشغيل وتأهيل المرافق الحيوية التي تمثل أساساً لعودة الحياة إلى ولاية الخرطوم. وشملت الأعمال إعادة تشغيل وصيانة محطات المياه والكهرباء، ومعالجة أوضاع النظافة وإصحاح البيئة، وصيانة الطرق وتأهيلها، إلى جانب إنشاء طرق جديدة في عدد من المناطق.
كما عملت اللجنة على إنارة عدد من الشوارع الرئيسية بالطاقة الشمسية، باعتبارها أحد الحلول العملية والمستدامة في ظل تحديات قطاع الكهرباء.
وامتدت جهود اللجنة إلى مطار الخرطوم، حيث جرى العمل على تهيئة الصالات والممرات، وتأهيل أنظمة السلامة، واستكمال المتطلبات الفنية اللازمة لتهيئة المطار للعودة إلى العمل.
كذلك شملت الجهود صيانة وتأهيل عدد من الجامعات والداخليات، بما يساعد على استئناف العملية التعليمية وتهيئة البيئة المناسبة لعودة الطلاب.
*ملف الوجود الاجنبي*
*كان ملف الوجود الأجنبي أحد الملفات المهمة ضمن منظومة ضبط الأمن. ماذا فعلت اللجنة في هذا الجانب؟
عملت اللجنة على ضبط وتنظيم الوجود الأجنبي داخل البلاد، ومراجعة أوضاع الأجانب وتقنين وجودهم وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة للوجود الأجنبي في السودان.
وشملت الإجراءات حصر الوجود الأجنبي، ومراجعة المستندات والأوضاع القانونية، واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه المخالفين، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
كما ارتبط هذا الملف بضبط المعابر وحركة الدخول والخروج، بما يعزز الأمن ويضمن تطبيق القوانين المنظمة لحركة الأجانب داخل البلاد.
*مشروع منصة بلدنا*
*في يوليو 2024 قمتم بإنشاء مشروع “منصة بلدنا”، وأشرفتم بصورة مباشرة على هذا المشروع الاستراتيجي. حدثنا عن فكرة المشروع ومراحل تنفيذه حتى التدشين؟
جاءت فكرة “منصة بلدنا” في إطار توجه الدولة نحو التحول الرقمي، وتطوير الخدمات الحكومية، وتسهيل حصول المواطن على الخدمات إلكترونياً، إلى جانب تطوير منظومة التحصيل والسداد الإلكتروني.
بدأ العمل في المشروع في يوليو 2024، واستمر العمل على تطوير وتجهيز المنصة حتى تم تدشينها في ديسمبر 2024، وبدأت نتائجها في الظهور بصورة عملية اعتباراً من يناير 2025.
والمنصة تمثل خطوة مهمة في الانتقال من التعاملات الورقية والنقدية إلى التعاملات الرقمية، بما يقلل من استخدام النقود الورقية ويحد من مخاطر التزوير والتلف، ويخفض كذلك تكلفة طباعة وتداول العملة.
*ما هي أبرز النتائج التي حققتها “منصة بلدنا” منذ بدء العمل بها؟
أسهمت المنصة في تطوير منظومة السداد والتحصيل الإلكتروني، وربط المعاملات بالمنظومة المصرفية، بما يتيح تنفيذ التحويلات والمدفوعات بصورة أكثر سرعة وأماناً.
كما توفر المنظومة أدوات للمتابعة والرقابة الآلية على حركة التحصيل والمدفوعات، بما يساعد بنك السودان والجهات المالية المختصة على متابعة العمليات بصورة أكثر دقة، ويمكّن وزارة المالية من تحصيل إيراداتها ومتابعتها بكفاءة أعلى.
والهدف في النهاية هو بناء منظومة حكومية رقمية متكاملة، تنتقل بالدولة تدريجياً من الاعتماد على النقد والمعاملات الورقية إلى الخدمات والمدفوعات الإلكترونية، بما يحقق سهولة أكبر للمواطن وكفاءة أعلى في إدارة موارد الدول.
*مراجعة قوانين الاستثمار*
*هل تحتاج الدولة إلى مراجعة قوانين الاستثمار استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب؟
بالتأكيد، مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى بيئة استثمارية أكثر مرونة وجاذبية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الدولة والمستثمر والمواطن.
السودان يمتلك موارد وإمكانات كبيرة، لكن الموارد وحدها لا تكفي. نحتاج إلى قوانين واضحة وإجراءات مبسطة وضمانات حقيقية للمستثمر، إلى جانب محاربة البيروقراطية والفساد وتوفير البنية التحتية.
نحن نرحب بالاستثمار الوطني والأجنبي، وخصوصاً الاستثمارات التي تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، وتوفر فرص عمل وتنقل التكنولوجيا والخبرات إلى السودان.
*خطة بسط الأمن*
*ما خطة مجلس الأمن والدفاع لبسط الأمن واستعادة هيبة الدولة؟
الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه كل عملية إعادة إعمار أو عودة للحياة الطبيعية. ولذلك فإن الدولة تعمل على استكمال بسط سيطرتها على المناطق المختلفة، وتأمين المدن والطرق والمنشآت الحيوية.
وفي مرحلة ما بعد العمليات العسكرية، هناك تحديات أخرى مثل مخلفات الحرب والألغام والأسلحة غير المنضبطة والجريمة المنظمة، وهذه ملفات تحتاج إلى عمل أمني مستمر.
الهدف هو أن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة وقادرة على حمايته، وأن القانون هو المرجعية، وأن مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية.
*مخلفات الحرب من المركبات*
*ما خطة الدولة لجمع حطام السيارات والمركبات الموجودة في الشوارع بسبب الحرب؟
بعد تحرير المناطق كان أمامنا ملف معقد يتمثل في وجود آلاف المركبات القتالية والدبابات والآليات المنتشرة في الشوارع والأحياء، خاصة في أم درمان، وكانت تعيق حركة المواطنين وتشكل خطراً على العائدين.
كما كانت هناك ألغام ومخلفات حرب، وكان التعامل معها من الأولويات، لأن عودة المواطن إلى منزله لا يمكن أن تتم بصورة آمنة إذا كانت المنطقة المحيطة به مهددة بمخلفات الحرب.
هذه الملفات تولتها القوات المسلحة والجهات المختصة، وتم العمل على إزالة المخاطر وتأمين المناطق.
بعد ذلك انتقلنا إلى مركبات المواطنين، وكان عددها كبيراً جداً. اتجهنا إلى نقلها إلى ميادين ومواقع محددة، مع تسجيل أرقام الشاسيهات والبيانات اللازمة، حتى يستطيع المواطن التعرف على مركبته واستكمال إجراءاته لدى الجهات الرسمية، بما يسهل عليه تحريكها وعبورها الارتكازات بصورة قانونية.
*توثيق دمار الحرب*
*هل جرى توثيق ما دمرته الحرب حتى تعرف الأجيال القادمة صورة الخرطوم قبل الحرب وما تعرضت له؟
نعم، التوثيق موجود، وهو أمر مهم جداً بالنسبة لنا. لدينا مواد ووثائق وصور لدى إعلام مجلس السيادة، وكذلك لدى أجهزة الاستخبارات ووزارة الإعلام والجهات الأخرى ذات الصلة.
التوثيق بالنسبة لنا ليس فقط لإثبات حجم الدمار، وإنما لحفظ ذاكرة الوطن. الأجيال القادمة يجب أن تعرف ماذا حدث، وكيف كانت الخرطوم، وما الذي تعرضت له، وكيف بدأ السودانيون في إعادة بناء مدينتهم ودولتهم.
نحن نحتاج إلى توثيق شامل ومهني، بعيداً عن المبالغة، لأن التاريخ يجب أن يُكتب بالوثيقة والصورة والشهادة.
*إعادة الحياة الطبيعية للخرطوم*
حدثنا عن جهود إعادة فتح الأسواق وعودة النشاط التجاري إلى الخرطوم؟
كان من أهم أهدافنا أن يشعر المواطن بأن الحياة بدأت تعود إلى الخرطوم. لذلك اتجهنا إلى الأسواق باعتبارها واحدة من أهم مؤشرات عودة النشاط الطبيعي.
بدأنا بالسوق المحلي باعتباره من الجهات التي تغذي عدداً من الأسواق الأخرى. في البداية كان هناك تردد من التجار بسبب المخاوف الأمنية، وتمكنا من إقناع ثلاثة تجار بفتح محلاتهم، وطالبوا بتوفير التأمين، فعملنا على فتح مواقع للشرطة.
وعندما أُقيم الاحتفال بفتح السوق، فوجئنا بحضور أكثر من مائة تاجر، وكان ذلك مؤشراً إيجابياً جداً.
بعدها انتقلنا إلى سوق أم درمان وسوق ليبيا والسوق المركزي، وبدأت الأسواق تستعيد نشاطها تدريجياً.
عودة الأسواق مهمة لأنها تعني عودة التجارة، وتوفير السلع، وخلق فرص العمل، وكسر حالة الخوف والشائعات التي كانت مسيطرة على المواطن.
كما شهدت أم درمان عودة تدريجية للمواصلات بمختلف أنواعها، بعد أن كانت محدودة في نطاق ضيق، وهذا ساعد بصورة مباشرة في تسهيل حركة المواطنين وعودة النشاط التجاري.
*إعادة البناء والإعمار*
*ما بعد الحرب تبدأ عملية البناء والإعمار. هل تتفقون على أنها ستكون المرحلة الأصعب؟ وإلى أي مدى يمكن للشركات الوطنية والأجنبية الدخول في عملية الإعمار؟
مرحلة الإعمار بلا شك ستكون كبيرة وصعبة، لكنها في الوقت نفسه فرصة تاريخية لإعادة بناء السودان بصورة أفضل.
نحن لا نعادي أي جهة، والسودان مفتوح أمام كل دولة أو شركة أو مستثمر يريد أن يساهم بصورة إيجابية في إعادة البناء، وفق القوانين السودانية والأسس والمعايير الاستثمارية المعروفة.
ونحن نستفيد من تجارب الدول التي مرت بالحروب واستطاعت أن تنهض من تحت الركام.
وفي مقدمة رهاناتنا العنصر البشري السوداني. السودانيون لديهم الخبرات والقدرات، ولذلك نريد أن يكونوا في قلب عملية الإعمار.
كما أن المستثمر السوداني بدأ بالفعل في العودة. هناك عدد كبير من أصحاب الأعمال الذين أعادوا تشغيل مصانعهم ومشروعاتهم، وهذا مهم جداً، لأن كل مصنع يعود للعمل وكل خدمة تقدم للمواطن تعني فرص عمل جديدة وتحريكاً للاقتصاد.
*دور الرياضة والفن في إعادة الحياة*
*ماذا قدمتم للرياضة والفن خلال عملكم في لجنة تأهيل الخرطوم؟
نحن ننظر إلى الرياضة والفن باعتبارهما جزءاً من عودة الحياة وليس مجرد نشاطين منفصلين عن عملية الإعمار.
بعد الحرب يحتاج المواطن إلى استعادة حياته الطبيعية، ويحتاج الشباب بصورة خاصة إلى مساحات للرياضة والثقافة والإبداع.
لذلك حرصنا على أن تكون عملية التأهيل شاملة، وأن تشمل المرافق التي تساعد المجتمع على استعادة نشاطه، لأن الخرطوم لا يمكن أن تعود فقط بالكهرباء والمياه والطرق، وإنما تعود أيضاً بالمدرسة والملعب والمسرح والمراكز الثقافية.
*رسالتي للصحافة والإعلام*
*ما هي رسالتكم للصحافة والإعلام السوداني في هذه المرحلة؟
رسالتي للإعلاميين أن السودان يمر بمرحلة دقيقة، والإعلام فيها مسؤولية وطنية كبيرة.
نحن لا نطلب من الصحافة أن تتخلى عن دورها النقدي، بل نحتاج إلى إعلام مهني يسأل ويحقق وينتقد، لكن في الوقت نفسه يلتزم بالدقة ولا يسمح بتحويل الشائعة إلى حقيقة أو خطاب الكراهية إلى مادة إعلامية.
الإعلام يستطيع أن يكون جزءاً من إعادة بناء السودان، من خلال توحيد الوجدان الوطني، وكشف الحقائق، وتشجيع العودة والإنتاج والإعمار، وإعطاء المواطن صورة حقيقية عما يحدث.
واقول لهم اجعلوا السودان أولاً، والحقيقة فوق كل اعتبار.




