باحثة سودانية تحلق بالهوية المحلية إلى فضاءات الاستدامة

منال جعفر.. امرأة جعلت من التراث بوابةً للتنمية

الرياض: محمد يوسف عبد الرحمن ” ميدي” 

 

منال جعفر.. هي امرأة اختارت أن تزرع المستقبل في تربة الماضي، وأن تجعل من الدخن، والهوية، والمعرفة، جسورًا تعبر بها من السودان إلى غدٍ أكثر استدامة.. فليست كل الحكايات التي تبدأ من المائدة تنتهي عندها. بعضها يغادر المطبخ ليصل إلى المختبر، ومنه إلى منصات التكريم العالمية. هكذا تبدو رحلة الباحثة وسيدة الأعمال السودانية منال جعفر شيخ إدريس؛ رحلة امرأة لم تنظر إلى المنتجات المحلية باعتبارها موروثًا من الماضي، بل رأت فيها بذورًا لمستقبل أكثر صحة واستدامة.

في مسيرتها، تتقاطع المعرفة مع ريادة الأعمال، وتلتقي الهوية السودانية بقضايا البيئة والغذاء، بينما تتحول تفاصيل تبدو بسيطة في الحياة اليومية إلى أفكار قابلة للتطوير والتسويق والتأثير.

ولعل اختيارها ضمن قائمة «أبطال الغد» (Heroes of Tomorrow) وتتويجها بلقب قائدة في الاستدامة (Sustainability Leader)، في الإعلان المؤرخ بـ20 يونيو 2026، يمثل إحدى أبرز المحطات في هذه الرحلة؛ إذ منح تجربتها بعدًا يتجاوز حدود المبادرات الفردية، ويضعها في سياق عالمي يهتم بالحلول المستدامة ومستقبل المجتمعات.

لقب يضع السودان على منصة الاستدامة

 

جاء التكريم ليضيء جانبًا من تجربة منال في العمل التنموي، ويمنح جهودها مساحة على منصة دولية مرتبطة بقضايا الاستدامة وأهداف التنمية.

ويكتسب التتويج رمزيته من ارتباطه بشعارات وجهات دولية ومؤسسات معنية بالتنمية وتمكين المرأة، من بينها حملة العمل لأهداف التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب المؤسسة الدولية للمرأة العربية، بما يعكس حضور قضايا الاستدامة والمرأة والتنمية في التجربة التي تقدمها منال.

لكن القيمة الأهم في هذا التتويج لا تكمن في اللقب وحده، وإنما في الفكرة التي تقف خلفه: أن الحلول التنموية يمكن أن تولد من داخل المجتمعات، ومن مواردها المحلية، ومن ثقافاتها المتوارثة، متى ما وجدت من يعيد قراءتها بعين مختلفة.

الدخن.. حكاية سودانية بوجه جديد

 

ومن بين أكثر الملفات التي ارتبط بها اسم منال جعفر، مشروعها للتعريف بالدخن والترويج لاستخداماته الغذائية والصحية.

بالنسبة لمنال، الدخن ليس مجرد محصول غذائي تقليدي، ولا مجرد طبق تستعيده الذاكرة السودانية كلما اشتاقت إلى طعم الأمس. إنه محصول استراتيجي يمتلك مقومات اقتصادية وغذائية وبيئية يمكن البناء عليها.

فالدخن من المحاصيل المهمة في السودان، خصوصًا في دارفور وكردفان، حيث عرفته المجتمعات المحلية منذ عقود، واستفادت منه بوصفه مصدرًا أساسيًا للغذاء والطاقة، فضلًا عن قدرته على التكيف مع الظروف البيئية.

ومن هنا بدأت منال في البحث عن طريقة لإخراج الدخن من دائرة الاستخدام التقليدي المحدود إلى فضاء أوسع، يقوم على الابتكار وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة.

 

«الدخن.. وصفات وصحة»

 

آخر فصول هذه الرحلة كان إنجاز كتيبها «الدخن.. وصفات وصحة»، الذي فرغت من طباعته أخيرًا، ليكون امتدادًا لفكرتها في تقديم الدخن بصورة مختلفة.

الكتيب لا يتوقف عند الحديث عن فوائد الدخن، بل يقدم وصفات حديثة تحاول أن تمنح هذا المنتج المحلي فرصة جديدة على المائدة.

وتقول منال إن هدفها هو إعادة الدخن إلى المائدة السودانية «بوجه حديث»، بحيث لا يبقى حضوره محصورًا في وصفات بعينها، وإنما يتحول إلى مادة يمكن توظيفها في وصفات متنوعة تناسب ذائقة المستهلك المعاصر.

وفي رؤيتها، لا يتعلق الأمر بالغذاء وحده، وإنما بإعادة اكتشاف موارد السودان المحلية، وتشجيع استهلاكها وإنتاجها، وربطها بمفاهيم الصحة والاستدامة وريادة الأعمال.

 

من «المديدة» إلى الوصفات العصرية

 

يحضر الدخن في المطبخ السوداني بأشكال عديدة، من بينها «مديدة الدخن» التي ارتبطت تقليديًا بغذاء المرضعات والأطفال، فضلًا عن «البليلة» وغيرها من الاستخدامات.

لكن منال تريد أن تتجاوز هذه الصورة التقليدية.

إنها تحاول أن تنقل الدخن من وصفة محفوظة في الذاكرة إلى منتج مفتوح على الابتكار، ومن طعام محلي إلى فرصة اقتصادية يمكن أن تخاطب أسواقًا أوسع.

وترى أن القيمة الغذائية للدخن تمنحه فرصة كبيرة في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالغذاء الصحي والبدائل الغذائية، وتشير إلى احتوائه على البروتين والعناصر الغذائية المهمة، فضلًا عن كونه خاليًا طبيعيًا من الجلوتين.

وتستند رؤيتها كذلك إلى أهمية الخيارات الغذائية التي تساعد على تنظيم مستويات السكر في الدم، وتعزيز صحة الجهاز الهضمي، مع التأكيد على أن الفوائد الصحية لأي غذاء ينبغي النظر إليها ضمن نظام غذائي متوازن، وليس باعتبارها بديلًا عن العلاج الطبي.

حين تصبح الهوية مشروعًا

 

ولا تقف تجربة منال عند الدخن.

ففي مشروعها تتكرر فكرة واحدة بأشكال متعددة: أن التراث يمكن أن يكون مادة للمستقبل، وأن الهوية ليست شيئًا نحتفظ به في الذاكرة فقط، بل يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية وثقافية وبيئية.

حتى الثوب السوداني، الذي يمثل أحد أبرز رموز الهوية المحلية، وجد طريقه إلى رؤيتها ومشروعاتها، باعتباره مساحة يمكن من خلالها التعبير عن الثقافة السودانية، وربطها بمفاهيم الإبداع والاستدامة والمسؤولية المجتمعية.

وهنا تصبح التفاصيل الصغيرة جزءًا من صورة أكبر؛ صورة السودان الذي يمتلك موارده، وثقافته، ومعرفته الشعبية، لكنه يحتاج إلى إعادة اكتشاف هذه الكنوز وتقديمها بلغة العصر.

 

امرأة سودانية في «أبطال الغد»

 

في صورة التكريم، تظهر منال بالزي السوداني التقليدي، محاطة برموز أهداف التنمية المستدامة، بينما يحضر علم السودان إلى جوار اسمها.

الصورة، في حد ذاتها، تحمل دلالة تتجاوز الاحتفاء بشخص واحد.

إنها تقدم نموذجًا لامرأة سودانية تحمل هويتها إلى منصة عالمية، دون أن تتخلى عن جذورها، وتتعامل مع قضايا المستقبل من واقع مجتمعها وثقافته واحتياجاته.

وهذا تحديدًا ما يمنح تجربة منال خصوصيتها؛ فهي لا تتحدث عن الاستدامة باعتبارها مفهومًا نظريًا مجردًا، بل تحاول أن تجد لها تطبيقات في الغذاء والمنتجات المحلية والمرأة والهوية والمجتمع.

من السودان.. إلى الرياض

ولم يتوقف حضور الدخن عند حدود الكتاب.

فقد شاركت منال بكتابها ومنتجات الدخن في مهرجان «التذوق» بالعاصمة السعودية الرياض، في خطوة فتحت نافذة جديدة للتعريف بالمنتج السوداني خارج حدوده التقليدية.

وكانت المشاركة فرصة لعرض الدخن السوداني أمام جمهور جديد، وتقديمه بصورة مختلفة؛ ليس باعتباره طعامًا شعبيًا فحسب، وإنما منتجًا يحمل قيمة غذائية وثقافية، ويمكن أن يدخل في صناعة غذائية حديثة.

وفي هذه الرحلة، يصبح الكتاب أكثر من مجرد كتيب وصفات، ويصبح الدخن أكثر من مجرد محصول.

كلاهما جزء من مشروع أكبر تسعى منال من خلاله إلى إعادة تعريف العلاقة بين السوداني وموارده المحلية.

 

الغد يبدأ من هنا

 

ربما تكمن خصوصية تجربة منال جعفر في أنها لا تنظر إلى المستقبل باعتباره قطيعة مع الماضي.

على العكس، تحاول أن تصنع منه امتدادًا ذكيًا له؛ تستدعي محصولًا من ذاكرة المائدة، وتعيد تقديمه بلغة الصحة، وتضعه في سياق ريادة الأعمال والاستدامة، ثم تحمله إلى منصة عربية وعالمية.

من «مديدة الدخن» إلى كتاب «الدخن.. وصفات وصحة»، ومن الثوب السوداني إلى منصة «أبطال الغد»، تتشكل حكاية واحدة عنوانها: أن ما نملكه في الداخل قد يكون هو بالضبط ما يحتاجه العالم في الخارج.

وهكذا، لا يبدو تتويج منال جعفر مجرد محطة في مسيرتها، بقدر ما يبدو شهادة على فكرة آمنت بها طويلًا: أن المرأة السودانية قادرة على تحويل المعرفة إلى أثر، والتراث إلى ابتكار، والموارد المحلية إلى مشاريع تحمل اسم السودان إلى العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى