الخبير المصرفي د. لؤي يفكك أبعاد عودة “المحول القومي” ورسم ملامح التعافي النقدي

المحول القومي بداية التعافي.. ونشر ماكينات الإيداع ينهي أزمة السيولة
”طباعة الكاش تُكلف الاقتصاد حتى 2% من الناتج المحلي.. والحل في الرقمنة”
”تنامي السحب النقدي ظاهرة غير صحية.. ونحتاج ثقافة ‘الدفع بالباركود’ عند بائعات الشاي”
”شركة EBS تمتلك الجاهزية التقنية لقيادة مشروع الحكومة الإلكترونية والتكامل المؤسسي”
حوار ــ أمين محمد الأمين
تكتسب عودة “المحول القومي” للخدمات المصرفية في السودان أبعاداً تتجاوز مجرد الصياغة التقنية لربط البنوك؛ إذ تفتح الباب واسعاً أمام أسئلة الكفاءة الاقتصادية، واستعادة الثقة الهيكلية في النظام المالي، وتخفيض كلفة تداول النقد التي ترهق الخزينة العامة. وللوقوف على الأبعاد العميقة لهذه الخطوة، وما تتطلبه مرحلة “ما بعد الإطلاق”، التقت “العودة” بالخبير المصرفي الدكتور لؤي عبد المنعم، الذي قدم قراءة تفكيكية ومجردة لخارطة طريق التعافي النقدي، محذراً من تحول الصرافات الآلية إلى أداة لـ “نزيف الكاش” بدلاً من إيداعه، ومستعرضاً بالأرقام والمؤشرات العالمية كلفة الاعتماد على الورق النقدي، وآفاق التحول الرقمي الشامل.

كيف تقرأ عودة العمل بالصرافات الآلية ونقاط البيع بعد تفعيل المحول القومي؟ هل هي خطوة كافية لكسر أزمة السيولة؟
تنامي السحب النقدي من البنوك يعد ظاهرة غير صحية؛ فالأصل الاقتصادي أن يتزاحم المواطنون على الإيداع لا على السحب، وأن تُدار المعاملات اليومية عبر الدفع الإلكتروني، بدءاً من سداد الفواتير والمواصلات العامة، وصولاً إلى المعاملات البسيطة لدى بائعات الشاي في الطرقات. ولتحقيق ذلك، ينبغي نشر أجهزة نقاط البيع (POS) على نطاق واسع يتجاوز المتاجر والبقالات ليشمل المطاعم والخدمات كافة، مع تعزيز ثقافة الدفع عبر “الباركود” كما هو معمول به في توثيق العقود والمكاتبات الرسمية.
إن إعادة تشغيل المحول القومي تُسهم مباشرة في كسر أزمة السيولة عبر تقليل الاعتماد على النقد الورقي وإعادة الكتلة النقدية إلى الدورة المصرفية الرسمية، مما يخفف من تكدسه خارج البنوك. بيد أن شرط النجاح الأساسي يكمن في نشر ماكينات الإيداع الحديثة على نطاق أوسع من ماكينات السحب لإعادة التوازن للدورة المصرفية، وجعل حمل “الكاش” مقتصراً على غرض الإيداع فقط.
ما الانعكاس المباشر لعودة الربط البيني على قطاع الأعمال والأنشطة التجارية؟
بالنسبة لقطاع الأعمال، تحقق عودة التحويلات الإلكترونية والربط البيني كفاءة أعلى وتخفيضاً ملموساً لتكلفة المعاملات المالية؛ إذ تسرع دورة رأس المال، وتقلل مخاطر نقل الأموال وحفظها، وتُعزز معايير الشفافية والمحاسبة عبر تسجيل كل العمليات إلكترونياً، وهو ما يُرسل رسائل تطمين حقيقية للمستثمرين المحليين والدوليين.
هل هناك أرقام أو تكاليف خفية يفرزها التعامل بالسيولة الورقية وتتغاضى عنها الأسواق؟
بالتأكيد، تشير بيانات البنك الدولي (World\ Bank) وتقارير المدفوعات العالمية لشركتي “كابجيميني وماكينزي” (Capgemini\ &\ McKinsey)، إضافة لتقارير بنك التسويات الدولية (BIS)، إلى أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة لإصدار النقد الورقي، ونقله، وحفظه، وإدارته تتراوح بين 1% و2% من الناتج المحلي الإجمالي للدول.
وتصل هذه التكلفة في قطاعات التجزئة إلى ما بين 1.3% و3% من قيمة المعاملات نتيجة الهدر، والسرقة، وتكاليف التأمين والنقل. في المقابل، توفر الأنظمة الرقمية الفورية كفاءة أعلى؛ حيث تفرض البنوك المركزية ومؤسسات الدفع تخفيضات دورية لسقف العمولات (مثل تسقيف رسوم الأداء الإلكتروني محلياً بين 0.15% و0.50% في بعض الاقتصاديات الناشئة لتشجيع التحول الرقمي). يضاف إلى ذلك التكاليف غير المباشرة المتمثلة في الأخطاء البشرية والوقت المستغرق في الإدارة اليدوية.
هل تعتقد أن البنية التحتية التقنية والأمنية للشبكة القومية جاهزة لاستدامة الخدمة دون انقطاعات؟
من الناحية التقنية والأمنية، تمتلك الشبكة القومية بنية تحتية محسنة بفضل الخبرة التراكمية لشركة (EBS)، مع اعتماد بروتوكولات تشفير ومعايير حماية عالمية، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال لمواجهة الأعطال، وقابلية التوسع لاستيعاب الضغط المتوقع مع انضمام بقية المصارف تدريجياً. هذه الجاهزية تُعطي مؤشراً قوياً على قدرة الشبكة على الاستدامة التشغيلية دون انقطاعات المؤثرة.
كيف تؤثر هذه الخطوة على إعادة رسم ثقة المؤسسات المالية والشركاء الدوليين في الاقتصاد السوداني؟
استعادة هذه الخدمة تحت إشراف بنك السودان المركزي تعيد رسم صورة الجهاز المصرفي السوداني كقطاع حيوي قادر على التعافي واللحاق بركب التحول الرقمي. إنها تُطمئن المتعاملين بأن النظام المصرفي يستعيد زمام المبادرة في إدارة النقد، وتشجع الشركاء الدوليين على التعامل عبر قنوات مالية حديثة وآمنة، مما يُرسخ مفهوم الشمول المالي كركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
أين يقف السودان من التوجهات العالمية الحديثة كـ “العملات الرقمية للبنوك المركزية”؟ وما هي آفاق التوسع المستقبلي؟
عالمياً، تتجه البنوك المركزية لتطوير عملات رقمية (CBDC)، وتدرس مبادرت أخرى ربط العملات الرقمية بأصول حقيقية كالذهب لكسر هيمنة الدولار وبديل لتكاليف طباعة النقود، وهو اتجاه تقوده الصين ودول أخرى. وفي هذا السياق، تُعد عودة الصرافات بداية تعافٍ حقيقي من أضرار الحرب شريطة التركيز على الإيداع.
وأؤكد أن شركة (EBS) تملك القدرة التقنية لإطلاق مشاريع أكبر ضمن مشروع “الحكومة الإلكترونية”، مثل التحول نحو التكامل المؤسسي بين البيانات المصرفية وملفات المواطنين في وزارات الداخلية، والضرائب، والعمل، والتجارة، والمالية، وفق بروتوكولات قانونية صارمة تكفل الخصوصية؛ مما يُعزز الرقابة والشفافية ويسمح بالتخطيط الاستراتيجي بناءً على مؤشرات واقعية.
كيف ينعكس التحول الرقمي المباشر على أسواق التجزئة والحياة اليومية للمواطن؟
القنوات الرقمية تتيح خفضاً المباشراً في تكاليف التشغيل ينعكس في أحيان كثيرة على أسعار البيع النهائية للمستهلك. هذه التخفيضات المدروسة ستعزز الإقبال على الدفع الإلكتروني، وتوفر الوقت، وتقلل العمالة المعاونة والمعاملات الورقية المجهدة. إن عودة الصرافات وتفعيل المحول القومي ليست مجرد استعادة لخدمة مصرفية عابرة، بل هي خطوة عملية واستراتيجية نحو استعادة الثقة في النظام المالي ككل، ودفع عجلة التعافي الاقتصادي في البلاد.




