القيادي في الكتلة الديمقراطية ورئيس تحالف المجتمع المدني لـ«العودة»: 

نرفض الإقصاء السياسي وشرعنة الأجسام الموازية.. والعدالة ليست ثمناً للتسوية


المبادرات الدولية للتيسير والضمانات لا لفرض مستقبل السودان


الحوار السوداني يجب أن يعالج جذور الأزمة ويقود إلى حكم مدني وانتخابات حرة


تنفيذ مخرجات الحوار يتطلب ترتيبات ملزمة وضمانات وطنية ودولية


حوار – عماد النظيف


أكد القيادي في الكتلة الديمقراطية ورئيس تحالف المجتمع المدني، صلاح دار مسا، أن نجاح الحوار السوداني–السوداني يتطلب الاتفاق على قواعد العملية السياسية قبل الخوض في الخلافات المتعلقة بالأطراف والتفاصيل، مشدداً على ضرورة أن يكون الحوار سوداني القيادة والملكية والقرار، ويحافظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسسات الدولة.

وقال دار مسا، في حوار مع «العودة»، إن الحوار ينبغي أن يكون شاملاً للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية، بما في ذلك النساء والشباب والنازحون واللاجئون والمجتمعات المتضررة من الحرب، مؤكداً أن عدم الإقصاء السياسي لا يعني الإفلات من المساءلة الجنائية. وميّز بين الخلاف السياسي والجرائم الجسيمة، داعياً إلى معالجة قضايا العدالة والمساءلة ضمن مسار وطني متكامل.

وأوضح أن الكتلة لا ترفض الدور الإقليمي والدولي، لكنها تفرق بين التيسير والوصاية، وتدعم مسارين متوازيين؛ أولهما أمني وعسكري يستند إلى إعلان جدة، والآخر سياسي سوداني يعالج جذور الأزمة وشكل الدولة والحكم والانتقال السياسي. كما شدد على أهمية توسيع التوافق بين القوى السودانية، والوصول إلى حكم مدني ديمقراطي ينتهي بانتخابات حرة ونزيهة، مع وضع ضمانات واضحة لتنفيذ مخرجات الحوار وتحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر.


*ما الشروط الأساسية لنجاح الحوار السوداني–السوداني؟


ترى الكتلة الديمقراطية أن نجاح أي حوار يبدأ أولاً من الاتفاق على قواعد العملية السياسية، قبل الدخول في الخلاف حول الأطراف والتفاصيل. وأهم هذه القواعد أن يكون الحوار سوداني القيادة والملكية والقرار، وأن يحافظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسسات الدولة، وألا يكون مدخلاً لشرعنة أي سلطة أو كيان موازٍ.

كما تشترط الكتلة أن يكون الحوار شاملاً من حيث القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، ومن حيث التمثيل الجغرافي والفئوي والنوعي، بما يشمل النساء والشباب والنازحين واللاجئين والقطاعات والمجتمعات المتضررة من الحرب، وأن تتولى التحضير له آلية وطنية متفق عليها. ويتطابق ذلك مع ما ورد في بيان الهيئة القيادية في 8 سبتمبر، بشأن الملكية السودانية والشمول ووحدة السودان ورفض شرعنة الأجسام الموازية.

 

والحوار، بالنسبة للكتلة، ليس مؤتمراً لتوزيع السلطة أو إعادة تقاسم المواقع، وإنما عملية سياسية لمعالجة جذور الأزمة السودانية وقضايا بناء الدولة والحكم والعدالة والسلام والانتقال الديمقراطي، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة تؤسس لشرعية سياسية مستقرة.


*من يشارك في الحوار، ومن ينبغي استبعاده؟


الأصل عند الكتلة هو عدم الإقصاء السياسي؛ فلا يمكن بناء تسوية وطنية مستقرة إذا جرى تقسيم السودانيين مسبقاً إلى قوى مسموح لها بالمشاركة وأخرى تُقصى بسبب خلاف سياسي معها. وقد أكدت الكتلة مؤخراً أن الحوار يجب أن يكون بعيداً عن الإقصاء وفرض الرؤية الأحادية.

لكن عدم الإقصاء السياسي لا يعني الإفلات من المساءلة الجنائية. فقد دعا الموقف المعلن للكتلة في مارس 2026 إلى شمول القوى السودانية، مع استثناء المتورطين في جرائم الحرب والإبادة والتطهير العرقي.

وبالتالي، يجب التفريق بين الخلاف السياسي والجريمة. فالاختلاف في الرأي أو الموقع السياسي لا ينبغي، وحده، أن يكون سبباً للإقصاء، أما من تثبت مسؤوليته عن جرائم جسيمة، فهذه قضية عدالة ومساءلة وليست مجرد خلاف سياسي.

وفيما يتعلق بالقوى المرتبطة بميليشيا الدعم السريع أو بأي مشروع لسلطة موازية، فإن المشكلة لا تكمن في الاسم السياسي وحده، وإنما في العلاقة بالمشروع العسكري والسلطة الموازية. وتؤكد الكتلة رفضها شرعنة ميليشيا الدعم السريع أو أي أجسام موازية عبر العملية السياسية، مع ضرورة إخضاع المسؤولين عن الانتهاكات للمساءلة وفق القانون.


* ما موقف الكتلة من منبر جدة والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية؟


الكتلة لا ترفض الدور الإقليمي والدولي، لكنها تفرق بين التيسير والوصاية. فالمطلوب هو الاستفادة من الدعم الخارجي دون أن يتحول إلى تدخل يحدد مستقبل السودان أو يفرض على السودانيين صيغة جاهزة للحكم والانتقال السياسي.

 

ونطرح عملياً مسارين متوازيين؛ مساراً أمنياً وعسكرياً يستند إلى إعلان جدة لمعالجة وقف الحرب والقضايا العسكرية والأمنية، ومساراً سياسياً سودانياً يعالج جذور الأزمة وشكل الدولة والحكم والانتقال السياسي. وقد أكد الناطق باسم الكتلة هذا التقسيم بصورة واضحة في سبتمبر.

 

أما الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية وإيغاد والاتحاد الأوروبي والدول ذات التأثير، فدورها المقبول يتمثل في التيسير والمساعدة وتوفير الضمانات والدعم، وليس تحديد من يحكم السودان أو فرض تصميم جاهز للعملية السياسية.

 

ولهذا، فإن موقف الكتلة لا يقوم على رفض المبادرات الدولية، وإنما على ضرورة توحيدها أو تنسيقها بما يخدم عملية سودانية واحدة، بدلاً من تعدد المنابر وتحول السودان إلى مجموعة من المسارات المتنافسة. وقد رحبت الكتلة علناً بالدور الدولي، شريطة ألا يتعارض مع الملكية السودانية والسيادة الوطنية.


*كيف تنظرون إلى العلاقة مع القوى الأخرى، مثل صمود وتقدم وقوى الحراك الوطني؟


الكتلة لا ترى أن المطلوب هو ذوبان القوى المختلفة في تحالف سياسي واحد قبل بدء الحوار. المطلوب هو الوصول إلى حد أدنى وطني مشترك يسمح بإدارة الاختلاف داخل العملية السياسية، بدلاً من تحويله إلى صراع خارجها.

وهناك سابقة عملية مهمة؛ ففي يونيو 2026، جرت مشاورات في أديس أبابا شاركت فيها الكتلة الديمقراطية وتحالف صمود وقوى أخرى، وظهرت مساحات للتوافق حول إطلاق مسار للسلام وحوار سياسي شامل.

وفي الوقت نفسه، تعمل الكتلة داخلياً على توحيد مواقف مكوناتها. وقد دعا نائب رئيسها جبريل إبراهيم في سبتمبر إلى توحيد مواقف مكونات الكتلة وبناء جبهة داخلية متماسكة، وصولاً إلى خارطة طريق للمرحلة الانتقالية.

إذن، الهدف ليس تكوين جبهة لإقصاء جبهة أخرى، وإنما توسيع مساحة التوافق الوطني حول المبادئ الأساسية، مع بقاء الاختلاف السياسي مشروعاً، شريطة إدارته عبر الحوار والوسائل السلمية.


* كيف تتصور الكتلة شكل الحكم والعلاقة بين المدنيين والعسكريين خلال المرحلة الانتقالية؟


المبدأ العام الذي طرحته الكتلة هو الوصول إلى حكم مدني ديمقراطي وانتقال سياسي ينتهي بانتخابات حرة ونزيهة.

أما في هندسة العملية السياسية نفسها، فهناك فصل وظيفي مهم؛ إذ يناقش المدنيون والقوى السياسية قضايا الحكم والدستور والانتقال وبناء الدولة، بينما تُعالج المؤسسة العسكرية القضايا العسكرية والأمنية ضمن المسار المخصص لها. وقد ورد هذا الفصل بصورة صريحة في رؤية الكتلة المقدمة إلى الآلية الخماسية في مارس.

لكن التفاصيل الدقيقة لهيكل الفترة الانتقالية، بما في ذلك تشكيل رأس الدولة والحكومة والمجلس التشريعي، ومدة الانتقال ونسب المشاركة، لا تتوافر في المصادر العلنية الحديثة بما يكفي لنسب نموذج تفصيلي نهائي فيها إلى الكتلة.

والأدق أن تكون هذه القضايا من مخرجات الحوار والتوافق الوطني، لا شروطاً تفرضها كتلة منفردة قبل انطلاق العملية السياسية. فشكل الحكم وترتيبات المرحلة الانتقالية ينبغي أن يستندا إلى توافق واسع، يراعي طبيعة الأزمة السودانية ومتطلبات بناء دولة مستقرة وديمقراطية.


* ما الضمانات المطلوبة لتنفيذ مخرجات الحوار السوداني–السوداني؟


هذه من أهم القضايا؛ لأن السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد لا يجد طريقه إلى التنفيذ. والتحدي لا يكمن فقط في الوصول إلى تفاهمات سياسية، وإنما في تحويلها إلى التزامات عملية قابلة للمتابعة والمساءلة.

ويمكن بناء موقف الكتلة على عدة مستويات؛ أولها وجود وثيقة أو ميثاق مبادئ واضح، ثم تحويل مخرجات الحوار إلى ترتيبات دستورية وقانونية ملزمة، مع إنشاء آلية وطنية لمتابعة التنفيذ، ووضع جدول زمني ومسؤوليات محددة، إلى جانب ضمانات إقليمية ودولية مساندة للتنفيذ، لا بديلة عن الإرادة السودانية.

والأهم أن تكون الأطراف التي ستنفذ الاتفاق مشاركة في صناعته؛ لأن الاتفاق الذي يُفرض على قوى أساسية، ثم يُطلب منها تنفيذه لاحقاً، يحمل في داخله أسباب تعثره أو انهياره.

وقد وضعت ورشة الكتلة الأخيرة مخرجات الحوار والضمانات وآليات التنفيذ ضمن المسائل الأساسية التي يجب حسمها عند تصميم العملية السياسية. وهذا يتطلب تحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، وآليات المراقبة، وكيفية التعامل مع حالات الإخلال بالاتفاق، بما يضمن الانتقال من التفاهمات السياسية إلى إجراءات ملموسة على الأرض.


* كيف تنظرون إلى العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وجبر الضرر؟


 

العدالة لا ينبغي أن تكون ثمناً للتسوية السياسية. ويمكن التمييز هنا بين المصالحة السياسية والعدالة الجنائية؛ إذ يستطيع السودانيون أن يتصالحوا سياسياً وأن يتفقوا على إدارة الدولة، لكن الجرائم الجسيمة وحقوق الضحايا لا تُمحى بمجرد توقيع اتفاق سياسي.

وموقف الكتلة المعلن بشأن استثناء المتورطين في جرائم الحرب والإبادة والتطهير العرقي من العملية السياسية يؤكد أن ملف المساءلة حاضر في رؤيتها، وأن التسوية السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء للإفلات من العقاب.

ولذلك، ينبغي أن تشمل العملية الوطنية منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية، تتناول كشف الحقيقة والمساءلة وفق القانون وجبر الضرر والتعويض وإنصاف الضحايا، إلى جانب عودة النازحين واللاجئين واسترداد الحقوق والممتلكات وضمان عدم الإفلات من العقاب.

كما يجب أن تراعي العدالة الانتقالية خصوصية المجتمعات المتضررة من الحرب، وأن تتيح للضحايا المشاركة في صياغة الحلول المتعلقة بحقوقهم، بما يضمن ألا تقتصر العملية على التفاهمات بين النخب السياسية، وإنما تمتد إلى معالجة الآثار الاجتماعية والإنسانية والقانونية للنزاع.

الحوار السوداني–السوداني ينبغي أن يكون مدخلاً لإعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون، لا مجرد ترتيب سياسي مؤقت يعيد إنتاج أسباب الأزمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى