اقتصاد “العودة”

الجنيه في مواجهة التغيير.. صدمة نقديّة أم طوق نجاة؟


تقرير: أمين محمد الأمين


​تتجه الأنظار نحو المنظومة النقدية في السودان عقب الإعلان الحكومي عن ترتيبات استبدال العملة الوطنية بالولايات الآمنة. وبينما تراها السلطات الرسمية مدخلاً ضرورياً لضبط السيولة ومكافحة التزييف، يرى محللون أن المعالجة النقدية تظل قاصرة ما لم تقترن بوقف النزاع واستعادة الإنتاج .

 

​حماية السيادة

ونقلت وسائل إعلامية أن اللجنة العليا لتغيير واستبدال العملة، عقدت اجتماعاً برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي، الفريق مهندس إبراهيم جابر إبراهيم، بحضور عدد من الوزراء ومحافظ بنك السودان المركزي وممثلي الأجهزة الصلة، لوضع خطة متكاملة لتنفيذ الترتيبات الخاصة باستبدال العملة الوطنية في الولايات الآمنة. وأفاد الناطق الرسمي باسم اللجنة، وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر، بأن الاجتماع يأتي تتويجاً لجهود استمرت أكثر من عام ونصف لدفع المواطنين نحو فتح الحسابات البنكية واستخدام التطبيقات المصرفية. وأوضح الإعيسر أن الخطة تستهدف تحصين الاقتصاد الوطني، ومكافحة تهريب الذهب، وتعزيز الربط الشبكي للإنفاق والتحصيل الإلكتروني، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية كالموسم الزراعي والثروة الحيوانية للحد من الآثار الناجمة عن التحديات الميدانية والإعلامية.

 

​تكرار الوعود

انتقد القيادي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، الأستاذ كمال كرار، الإعلان الحكومي المتجدد بشأن استبدال العملة الوطنية؛ مبيناً أن ذات التصريحات والوعود صَدَرَت عن اللجنة عينها في وقت سابق دون أن تحدث أي أثر ملموس. وأكد كرار أن الحصيلة العملية تمثلت في استمرار مسلسل التهاوي الاقتصادي حتى بلوغ مستويات حادة من التدهور؛ مشيراً إلى أن معضلة الاقتصاد المحلي لا تكمن في تجفيف السيولة أو تحجيم التعامل النقدي “الكاش”، كما أن محاصرة تهريب الذهب لن تتأتى بمجرد تغيير الفئات النقدية.

 

​جذور الأزمة

وشدد القيادي الحزبي على أن الجذر الحقيقي والأساسي للأزمة الاقتصادية الراهنة يكمن في استمرار الحرب، معتبراً أن السلطة القائمة تتفادى الاعتراف بهذه الحقيقة المباشرة. ورأى كرار أن الترويج لخطوة استبدال العملة وتصويرها كحل سحري يُعد نهجاً للهروب إلى الأمام وتغافلاً عن أصل المشكلة؛ لافتاً إلى أن المواجهات المسلحة تسببت في تدمير شريان القطاعات الإنتاجية، ونضوب الموارد المباشرة لتمويل الموازنة العامة للدولة.

 

​ضغوط التضخم

وأوضح كمال كرار أن طبيعة الإنفاق الراهن تعتمد بصورة مكثفة على التصاعد الضريبي والطباعة المفرطة للعملة، مما يشكل المحرك الأساسي لارتفاع معدلات التضخم، وتهاوي القيمة الشرائية للجنيه، واستمرار موجات الغلاء وارتفاع سعر الصرف. وأضاف أن طرح فئات نقدية جديدة للتداول سيفاقم حجم الكتلة النقدية المعروضة بدلاً من كبحها، مما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة على الأسواق، ويُعقّد أدوات السياسة النقدية التي لا يمكنها وحدها معالجة الاختلالات الشاملة.

 

​شرط الإنتاج

واختتم عضو اللجنة المركزية إفادته بالشد على أن التعافي الاقتصادي يتطلب تحولاً هيكلياً يعتمد على تحفيز الإنتاج الحقيقي، والانتقال بنمو الناتج المحلي من النطاق السالب إلى الموجب. وأكد أن استعادة النشاط الإنتاجي هي الكفيلة بتحقيق الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات لتوفير النقد الأجنبي، وخلق فرص العمل للشباب؛ مشدداً على أن المدخل المباشر والشرط الحاكم لتحقيق هذه الغايات يظل مرتبطاً بوقف الحرب وإعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي.

 

​تعديل الهيكل

في السياق ذاته، أكد المحلل الاقتصادي، الدكتور محمد الناير، أن قرار استبدال العملة يُعد خطوة إيجابية ومستحسنة، رغم تأخرها الزمني؛ حيث كان يتوجب اتخاذها منذ الأشهر الأولى لاندلاع الحرب. وأوضح الناير أن ما جرى سابقاً كان مجرد استبدال جزئي لا يلبي متطلبات المرحلة، مشدداً على حاجة الاقتصاد الشديدة إلى تبديل كامل وشامل للعملة الوطنية. وأشار إلى أن الفئات النقدية الصغيرة شهدت تلاشياً شبه كامل، لتصبح فئة 500 جنيه هي الحد الأدنى المتداول، وهو وضع غير مألوف في الأنظمة النقدية عالمياً، مما يفرض ضرورة إعادة تصحيح مسار التركيبة الفئوية للعملة بالتزامن مع عملية الاستبدال.

 

​حذف الأصفار

ودعا الخبير الاقتصادي إلى اتخاذ خطوة هيكلية حاسمة تتمثل في حذف ثلاثة أصفار من العملة الوطنية؛ وذلك لإعادة تفعيل التعامل بالفئات الصغرى كـ “الجنيه” و”الخمسين قرشاً”. وأوضح أن هذه المعالجة النقدية من شأنها معالجة الاختلالات الناجمة عن غياب الفئات الدنيا، وإعادة التوازن المفقود للتركيبة الفئوية للنقد. كما أكد أن الاستبدال الشامل سيعزز قدرة الدولة على مكافحة العملات المزيفة التي تستهدف ضرب الاقتصاد، فضلاً عن حصر وملاحقة الأموال المنهوبة وعائدات الكسب غير المشروع التي ظهرت مع بدايات الحرب.

 

​إنفاذ القوانين

ولفت الناير إلى أن القوانين واللوائح الوطنية والإقليمية والدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تمنح الجهاز المصرفي الغطاء القانوني والآليات اللازمة للتحري عن مصادر الأموال عند إيداعها وتبديلها. وتوقع أن تسهم عملية الاستبدال في كشف تلك التدفقات وتجفيف منابعها. وأضاف أن بنك السودان المركزي لن يكون بحاجة إلى طباعة كتلة نقدية ضخمة، نظراً لاعتماد المواطنين الواسع على التطبيقات المصرفية والدفع الإلكتروني، رغم بعض التعقيدات التقنية الطارئة التي شابت استخدامها مؤخراً.

 

​كبح التشوهات

واختتم الناير إفادته بالإشارة إلى أنه حال استقرار الخدمات الرقمية وعملها بكفاءة عالية، فإن الدولة ستكتفي بطباعة كتلة نقدية محدودة تغطي التعاملات الورقية الضرورية فقط، مما يقلل من تكاليف الطباعة ويحد من التضخم. وخلص إلى أن مشروع استبدال العملة يمثل خطوة ممتازة قادرة على معالجة العديد من التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الوطني، ويسهم—إلى جانب حزمة إجراءات متكاملة—في إعادة الاستقرار لسعر الصرف وحماية قيمة الجنيه خلال المرحلة القادمة.

========

حديث القلم ..بقلم أمين محمد 

 

اقتصاد “المواتر”

 

 

جاء قرار إلغاء حظر سير الدراجات النارية “المواتر” في توقيت مفصلي يُراعي أبعاد الواقع الاقتصادي المعقد؛ إذ مثّل هذا القرار طوق نجاة لشرائح واسعة من المواطنين في ظل تفاقم الأزمات المعيشية وارتفاع تكاليف وسائل المواصلات العامة إلى مستويات غير مسبوقة.

​إن التعاطي مع قضية “المواتر” من زاوية أمنية ضيقة يغفل قيمتها الهيكلية كشبكة أمان اجتماعي واقتصادي؛ فهي تشكل المصدر الرئيس لرزق آلاف الأسر، وتدعم قطاعات تجارية وخدمية عريضة، بدءاً من منافذ قطع الغيار ورش الصيانة، وصولاً إلى خدمات التوصيل السريع واختصار الوقت والزمن للأنشطة التجارية والدعومات اللوجستية الخفيفة.

​وفي مقابل الأصوات الداعية إلى إعادة فرض الحظر، ينبغي عدم الاقتصار على النظر إلى النصف الفارغ من الكوب؛ فالجرائم والتجاوزات الأمنية لا ترتبط بأداة التنقل ذاتها، إذ تُرتكب أحياناً باستخدام السيارات أو حتى سيراً على الأقدام. وبالتالي، فإن اختزال الأزمة في الوسيلة يلحق الضرر بمصالح عشرات الألاف من المواطنين والدخل المباشر لقطاعات غير رسمية تُسهم في امتصاص امتصام حدة البطالة.

​إن التوازن المطلوب يتطلب تنظيم هذا القطاع بحزمة إجراءات ضبط مرورية وأمنية صارمة، دون اللجوء إلى قرارات المنع الكلي التي تُربك حركة سوق العمل المحلي وتُجهز على شريان اقتصادي حيوي يُسهم في تخفيف حدة الضغوط المعيشية عن المواطنين في هذه الظروف الاستثنائية.

 

========

 

عين على السوق

​حملات مكثفة بسنار تحظر تداول سلع فاسدة

​سنار: العودة 

​سجلت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بولاية سنار حصاداً رقابياً جديداً عقب حملات تفتيشية ميدانية استمرت نحو عشرة أيام متواصلة، وشملت زهاء 70 موقعاً تجارياً تضمنت المغالق، والمتاجر، ومنافذ تداول السلع بمدينة سنار.

​وأسفرت الحملات الميدانية عن ضبط ومصادرة كميات من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية غير الصالحة للاستخدام البشري لانتهاء صلاحيتها، من بينها منتجات ألبان، ومواد سكرية، ومستلزمات طلاء؛ حيث تم سحب الكشوفات والمضبوطات وإبعادها فوراً عن منافذ العرض، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية المتبعة حيال المخالفين.

​وأوضحت الهيئة أن المواد الغذائية تصدرت قائمة المخالفات الرقابية المرصودة، مؤكدة أن تداول السلع المنتهية يشكل تهديداً مباشراً لسلامة المستهلك، مما يتطلب تشديد قبضة الرقابة على الأسواق، وتكثيف عمليات المعاينة والتفتيش الدوريات لضمان جودة السلع المطروحة قبل وصولها إلى منافذ البيع النهائي.

 

​وشدد فرع الهيئة بكرامة ولاية سنار على مواصلة الحملات الرقابية لحماية الأسواق، وتحصين المواطنين من المنتجات الفاسدة أو غير المطابقة للمواصفات، مع حزم الإجراءات القانونية ضد أي تجاوزات تمس صحة البيئة والأنظمة المعتمدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى