الخبير القانوني والاستراتيجي والمحامي أمام الجنائية الدولية والمستشار أمام محكمة العدل الدولية مع «العودة»

دكتور: محمد الزين


تقرير “تقصي الحقائق” يوفر أساساً قانونياً لمقاضاة دول دعمت المليشيا


رفعنا دعاوى ومذكرات رسمية أمام “الجنائية الدولية” تطال محمد بن زايد وحفتر وآبي أحمد


توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان يستهدف الجيش الوطني وإضعاف الدولة


مصطلح “طرفي النزاع” يُحدث خللاً تكييفياً ويساوي بين الدولة ومليشيا متمردة


إنشاء لجنة وطنية مستقلة ضرورة لملاحقة الانتهاكات وتدارك قصور الأجهزة العدلية


تطويق شبكات التسليح يتطلب نقل المعركة القانونية من القرارات الأممية إلى المحاكم الدولية


ضعف التنسيق القانوني يحرم السودان من استثمار الأدلة المتاحة في ملاحقة داعمي الحرب


حوار: أفراح تاج الختم


قال رئيس المجلس السوداني الأوروبي والخبير القانوني والاستراتيجي، المحامي أمام المحكمة الجنائية الدولية والمستشار القانوني أمام محكمة العدل الدولية دكتور محمد الزين، إن تقرير لجنة تقصي الحقائق بشأن السودان تضمن في تقديره، بيانات يمكن الاستناد إليها في رفع دعاوى ضد دول وكيانات مرتبطة بدعم ميليشيا الدعم السريع، مشيراً إلى أن التقرير تناول شبكات عابرة للحدود ومسارات الدعم العسكري واللوجستي.

 

ورأى الزين، في حديثه لبرنامج «قراءة أخرى» على “منصة العودة” ، أن استمرار الحرب رغم العقوبات الأمريكية والأوروبية يعكس، بحسب تقديره، غياب الجدية والإرادة السياسية الدولية لتطبيق إجراءات أكثر تأثيراً على شبكات التمويل والتسليح.

 

كما رفض توسيع حظر السلاح الوارد في القرار “1591” ليشمل كامل السودان، معتبراً أن ذلك يستهدف الجيش الوطني ويقود إلى إضعاف الدولة، ودعا إلى تفعيل المسارات القضائية ومقاضاة الدول والكيانات والأفراد المتورطين، إلى جانب إنشاء آلية وطنية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات.

 

وفيما يلي نص الحوار:

 

بدايةً، كيف تقرأ تقرير لجنة تقصي الحقائق وما أورده بشأن الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع؟ وهل يوفر أساساً للمساءلة؟

 

التقرير تحدث باستفاضة عن انتهاكات جسيمة ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع، وربطها بشبكة عابرة للحدود تضم دولاً وكيانات. وفي تقديري، استوفى التقرير بيانات يمكن الاستناد إليها في رفع دعاوى دولية ضد هذه الجهات.

 

وتحدث بوضوح عن دور الإمارات في الدعم العسكري واللوجستي، سواء عبر سلطة الأمر الواقع في بنغازي أو بوصاصو في بونتلاند شمال شرقي الصومال، كما أشار إلى تشاد وإثيوبيا. لذلك أرى أن التقرير يمكن الاستفادة منه في المسارات القضائية ضد هذه الدول والكيانات.

 

أما في ما يتعلق بالجيش السوداني، التقرير لم يستوف، حتى لحظة إعداده، كل المعلومات المتعلقة به. لكنني أرى أن محاولة وضع الجيش وميليشيا الدعم السريع في إطار طرفين متساويين تمثل خللاً في التكييف القانوني لطبيعة ما حدث في 15 أبريل 2023.

 

التقرير تحدث أيضاً عن شبكات عابرة للحدود ومرتزقة من عدة دول. كيف يمكن ملاحقة هذه الشبكات؟

 

التقرير تناول شبكات تعمل في تجنيد المرتزقة من جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وليبيا، وركز كذلك على وجود آلاف من الكولومبيين. كما أثار مسألة انتقال السلاح، إذ تشتري الإمارات أسلحة من دول أوروبية وغيرها وفق ترتيبات تتعلق بـ«المستخدم الأخير»، ثم يمكن، بحسب ما ورد في حديثنا، أن تنتقل عبر مسارات أخرى إلى مناطق الحرب.

 

هناك إمكانية لرفع دعاوى قضائية في هذا الجانب. ونحن بدأنا بالفعل في مسارات قانونية؛ ففي 17 يناير 2024 رفعنا دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأتبعناها بمذكرات و شكاوي ضمن ملف تضمن أسماء محمد بن زايد وحفتر ومحمد كاكا وآبي أحمد، إلى جانب آخرين.

 

كما يمكن لحكومة السودان تطوير شكواها التي رفعتها في نوفمبر 2024 أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ضد تشاد، والاستفادة من التقرير في دعم حجيتها.

 

كذلك، أمام السودانيين في المهجر، وخاصة أسر ضحايا الحرب، فرص لرفع دعاوى أمام المحاكم في أوروبا وأمريكا وأستراليا، استناداً إلى القوانين التي تجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وهذا يدخل في إطار «التقاضي الاستراتيجي» الذي يمكن أن يقوده ضحايا الحرب ومنظمات المجتمع المدني.

 

رغم العقوبات الأمريكية والأوروبية، استمرت الحرب وتدفق السلاح والتمويل. أين تكمن المشكلة؟

 

في تقديري، المشكلة في الجدية والإرادة السياسية الدولية . هذه الدول لديها مصالح وعلاقات استثمارية واقتصادية كبيرة، ولذلك يصعب عليها اتخاذ إجراءات حقيقية ضد بعض الدول.

 

العقوبات التي تستهدف أشخاصاً بعينهم، مثل إدراج محمد حمدان دقلو في قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي، تخاطب في الأساس الأمريكيين والمقيمين والشركات الأمريكية وتمنعهم من التعامل معه. لكن إذا كانت هناك رغبة حقيقية في إيقاف الحرب، فيجب النظر إلى القنوات المالية وشبكات شراء السلاح والتمويل.

 

لذلك أرى أن العقوبات سياسية أكثر من كونها جنائية، والعبرة ليست بإصدار القرارات وإنما بمدى الاستعداد لتنفيذ إجراءات توقف التدفقات المالية والتسليحية.

 

بالانتقال إلى القرار 1591، كيف تقرأ استمرار حظر السلاح على دارفور، وما رأيك في المقترحات الداعية إلى توسيعه ليشمل كامل السودان؟

 

القرار 1591 يتعلق بحظر توريد السلاح إلى دارفور، وكان يتناول الحركات المسلحة والجنجويد في ذلك الوقت، ولم يكن موجهاً إلى حكومة السودان بصورة مباشرة.

 

أما الحديث عن توسيع الحظر ليشمل كل السودان، فأراه استهدافاً للجيش الوطني. وحظر السلاح على الجيش، في تقديري، يعني إضعاف الدولة وتفكيكها، ولذلك أرفض هذا التوجه.

 

هناك دول مثل روسيا والصين وباكستان، إلى جانب بعض الدول الأفريقية، تقف ضد توسيع الحظر. والخلاف القائم يفسر الوصول إلى تمديد محدود، في انتظار مشاورات بين الأطراف.

 

والسؤال الذي يجب طرحه هو: هل يريد المجتمع الدولي حل الأزمة بتقوية الدولة والجيش، أم إضعاف الجيش للوصول إلى تسوية سياسية مع الميليشيا باعتبارها لاعباً إقليمياً ودولياً؟

 

لكن حتى العقوبات القائمة وحظر السلاح لم يمنع استمرار تدفقات السلاح. هل المشكلة في نطاق القرارات أم في آليات التنفيذ؟

 

العبرة بالتنفيذ. إدراج مهربي السلاح وممولي الحرب في القرارات لن يكون كافياً إذا لم تنفذ القرارات بصورة حقيقية.

 

الجميع يعلم، بحسب ما نراه، أن السلاح يصل إلى الميليشيا عبر دول وكيانات وشركات. وإذا كانت هناك أسلحة مضبوطة تحمل أرقاماً تسلسلية، فالخطوة التالية ينبغي أن تكون تتبع مصدرها ومعاقبة الشركات والشبكات والدول التي تساعد في وصولها.

 

الإمارات، في تقديري، لا ترسل سلاحاً بصورة مباشرة تحمل ما يثبت وجهته النهائية، وإنما تستخدم شركات وكيانات ومسارات مختلفة، وهذه الجوانب أشار إليها التقرير. لذلك لا يكفي استهداف الشبكات وحدها، بل يجب النظر أيضاً إلى الدول التي تساعد هذه الشبكات.

 

الحكومة السودانية تتمسك بالتحقيق الوطني وتتحفظ على بعض الآليات الدولية. هل هذا الموقف مبرر؟

 

الموقف يرتبط بمسألة السيادة الوطنية، وبحق الدولة في إجراء تحقيقاتها. لكن المجتمع الدولي تطورت آلياته، وأصبحت هناك لجان لتقصي الحقائق والتحقيق في الانتهاكات.

 

أرى أن المشكلة في موقف الحكومة سياسية ودبلوماسية أكثر من كونها قانونية. الحكومة فقدت الثقة في المؤسسات الدولية، وترى أن بعض القوى الدولية تستغل هذه الآليات لتحقيق أهداف سياسية.

 

لكن في المقابل، لم يستخدم السودان المساحة المتاحة أمامه بالشكل الكافي. هناك قصور قديم في البنية التركيبية للأجهزة العدلية، ولذلك أرى ضرورة التفكير في إنشاء لجنة وطنية سودانية مستقلة تضم محامين وقضاة سابقين وأشخاصاً ذوي خبرة واستقلالية.

 

إذا أنشئت هذه اللجنة بقانون وعملت بصورة احترافية في رصد الانتهاكات والتحقيق وجمع الأدلة، يمكن أن تحظى بالقبول والاحترام على المستوى الدولي.

 

هل يمكن أن يسير التحقيق الوطني والمسار الدولي معاً؟

 

نعم، وهذا هو المطلوب. هناك ما يمكن تسميته «التقاضي الاستراتيجي» الذي تقوده منظمات المجتمع المدني وضحايا الحرب، عبر اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية أو اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وغيرها.

 

وفي المقابل، هناك مسار خاص بحكومة السودان، تختار من خلاله المؤسسات والمحاكم التي تلجأ إليها. المساران يمكن أن يكملا بعضهما بعضاً، بدلاً من أن يكون أحدهما بديلاً للآخر، لكن هذا التشبيك لا يزال في حاجة إلى مزيد من التنظيم والتنسيق.

 

كيف تنظر إلى الدور الأوروبي، خصوصاً في ظل العقوبات التي يصفها كثيرون بأنها لم تحقق أثراً ملموساً؟

 

المشكلة لا تتعلق بالاتحاد الأوروبي وحده، بل بأزمة في آليات تنفيذ القرارات داخل المجتمع الدولي عموماً.

 

دول الاتحاد الأوروبي لديها علاقات اقتصادية واستثمارات مع الإمارات، وفي تقديري لا توجد رغبة كافية لمحاسبة الدول الداعمة للميليشيا. لذلك تصدر قرارات تستهدف أفراداً، بينما يبقى التأثير الفعلي محدوداً.

 

الأولوية يجب أن تكون لملاحقة شركات السلاح وشركات تجنيد المرتزقة والشبكات المرتبطة بها. ومن هنا أرى أن أمام السودان فرصة لنقل المعركة من ميدان القرارات إلى ميدان المحاكم، ومقاضاة الدول والكيانات والأفراد المتورطين وفق المسارات القانونية المتاحة.

 

لكن ذلك يحتاج أيضاً إلى إعادة ترتيب البيت القانوني الداخلي، وتعزيز التنسيق بين وزارة العدل والنيابة العامة والجهات الأخرى، وتحديد الاختصاصات والمسؤولية عن تمثيل قضايا السودان خارجياً.

 

تستخدم جهات دولية وإعلامية مصطلح «طرفي الحرب» أو «طرفي النزاع». هل تراه توصيفاً قانونياً دقيقاً؟

 

لا أراه توصيفاً دقيقاً، لأنه يساوي بين الدولة والجيش من جهة، وميليشيا تمردت عليه من جهة أخرى.

 

في يناير 2023 جرت إعادة هيكلة للقوات المسلحة، وأصبحت قوات الدعم السريع وحدة تتبع مباشرة للقائد العام. وما حدث في 15 أبريل، في التوصيف البسيط، هو تمرد وحدة عسكرية على الجيش.

 

لذلك لا يمكن، في تقديري، مساواة هذه الوحدة بالمؤسسة العسكرية. الدولة هي الأصل والجيش هو محور التماسك القومي، ومصطلح «طرفين» يخلق خللاً في التكييف القانوني ويعيد الميليشيا إلى المشهد باعتبارها طرفاً مساوياً للدولة.

 

ومن حيث طبيعة النزاع، فإن وجود دعم من دول خارجية للميليشيا يمنحه أبعاداً دولية، رغم أن الجيوش الأجنبية لم تدخل بصورة مباشرة. ولذلك أصفه بأنه نزاع مسلح داخلي ذي أبعاد دولية.

 

وبالتالي يكون التكييف القانوني للنزاع المسلح دولي غير دولي بمعنى الدعم المتصل والمباشر لمليشيا الجنجويد جيش تأسيس بالسلاح والمرتزقة من الإمارات ودول العدوان من بعض دول الجوار الأفريقي

 

أخيراً، ما الخطوة الأكثر فاعلية التي ينبغي أن يقوم بها السودان لوقف تدفق السلاح ومحاسبة المتورطين؟

 

بالنسبة للدول، إذا كانت لدى حكومة السودان أدلة كافية، فعليها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. أما الكيانات والشركات والأفراد، فهناك مسارات قضائية أخرى في أوروبا والمحكمة الجنائية الدولية يمكن الاستفادة منها.

 

المسألة تحتاج إلى إرادة وجدية وتخطيط صحيح. كما أن على ضحايا الحرب فتح البلاغات الجنائية وتوثيق ما تعرضوا له من قتل واغتصاب وتهجير ونهب، لأن الإحصاءات والتوثيق لا يزالان، في تقديري، دون حجم الانتهاكات.

 

ولمنظمات المجتمع المدني دور أساسي في الرصد والتوثيق، والمطلوب بناء تشبيك استراتيجي بينها وبين مؤسسات الدولة.

 

أما السودانيون في المهجر، فلديهم فرص واسعة في التقاضي الدولي، ويمكنهم اللجوء إلى المحاكم المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى