الأمين العام لغرفة مصدري ومستوردي الصمغ العربي بولاية شمال كردفان.. يوسف محمد أحمد حبيبي ل_”للعودة”

إنتاج الصمغ العربي تراجع بنسبة 50٪ إلى 60%
ارتفعت الجبايات أربعة أضعاف منذ بدء الحرب
تم نهب 10 آلاف طن من الهشاب بمنطقة النهود وتحويل مسارات التصدير إلى دول الجوار
مكانة الصمغ السوداني “مهددة” عالميًا
تهريب الصمغ عبر تشاد وجنوب السودان يستنزف عائدات السودان من النقد الأجنبي
هوامش أرباح المصدّرين أصبحت شبه معدومة وتدخل السماسرة يضاعف تكلفة المحصول
إيقاف التعبئة البلاستيكية وإنشاء بورصة إلكترونية أولويتان عاجلتان لإنقاذ القطاع
كشف الأمين العام لغرفة المصدرين والمستوردين للصمغ العربي بولاية شمال كردفان، يوسف محمد أحمد حبيبي، عن تراجع إنتاج الصمغ العربي بنسبة تتراوح بين 50% إلى 60% منذ اندلاع الحرب، مؤكداً أن نهب المخزونات وتضاعف رسوم الجباية 4 أضعاف، إلى جانب سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق الإنتاج وتحويل مسارات التصدير عبر دول جوار كـتشاد وجنوب السودان، فرضت واقعاً مأساوياً يهدد هيمنة وصدارة السودان لسوق الصمغ العربي في الأسواق العالمية.
حوار: أفراح تاج الختم

كيف تقيّمون واقع إنتاج وتجارة الصمغ العربي في شمال كردفان منذ اندلاع الحرب، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية وتعطل طرق الإمداد والأسواق؟
أعتقد أن الحرب ألقت بظلال سلبية جدًا على الإنتاج في ولاية شمال كردفان، خاصة المحاصيل التي تتميز بها الولاية، ومن بينها الصمغ العربي. الأبيض حاضرة الولاية، تقع في منطقة وجود الجيش السوداني، بينما تقع مناطق الإنتاج خارجها. ويأتي أغلب إنتاج الصمغ العربي من مدينة النهود، التي كانت منطقة تجمع رئيسية للصمغ قبل نقله إلى أسواق الأبيض لعمليات التسويق والمعالجة والتنظيف والتجهيز للصادر، ثم التصدير عبر طريق الصادرات إلى بورتسودان.
_ماتأثير وجود مليشسا الدعم السريع على حركة المحاصيل؟
وجود قوات الدعم السريع في المناطق الغربية أثّر بصورة مباشرة على دخول الموارد، ومنها الصمغ العربي والفول والكركديه وحب البطيخ والسمسم إلى الولاية، باستثناء كميات قليلة تدخل عبر بعض المنافذ بصورة غير رسمية. وأدى ذلك إلى ضعف الوارد من المحاصيل وزيادة الطلب عليها. حيث أصبحت أغلب المحاصيل، خاصة الفول والصمغ العربي، تتجه إلى أسواق أخرى عبر موانئ بديلة من خلال تشاد أو ليبيا، بعيدًا عن مناطق سيطرة الجيش، ما أضعف الوارد إلى أسواق شمال كردفان. كما أن المنتجين لا يتمتعون بالأمان الكافي الذي يمكنهم من «طق الصمغ» وزيادة الإنتاجية، بسبب ظروف الحرب. وتشتهر شمال كردفان بإنتاج صمغ الهشاب الجيد والمطلوب عالميًا، خاصة المنتج في المناطق الرملية، أو ما يُعرف بـ«الكردفاني تايب». وفي المقابل، تتميز ولايات أخرى بكميات كبيرة من صمغ الطلح، مثل غرب كردفان، إلا أن وصوله إلى شمال كردفان توقف بسبب الحرب، وأصبح جزء منه يدخل إلى جنوب السودان أو يُهرّب ويُصدّر عبر الجنوب.
كم بلغ إجمالي خسائر قطاع الصمغ العربي في شمال كردفان منذ اندلاع الحرب؟ وإلى أي نسبة تراجع الإنتاج والتصدير مقارنة بما قبل الحرب؟
لا تقتصر خسائر قطاع الصمغ العربي على المنتجين، وإنما تشمل أيضًا إيرادات الحكومة من الرسوم والعوائد، فضلًا عن خسائر السودان من النقد الأجنبي.
في سنوات الاستقرار، كان السودان ينتج بين 120 ألفًا و150 ألف طن سنويًا، بواقع نحو 60% طلح و40% هشاب. أما اليوم، فلا يتجاوز الإنتاج 40% إلى 50% من مستوياته السابقة.
ويمكن تقدير خسائر النقد الأجنبي من خلال حجم الفاقد الإنتاجي من الصنفين، وفق متوسط سعر يبلغ نحو 4 آلاف دولار للطن من الهشاب و1000 دولار للطن من الطلح، خلال السنوات الثلاث الماضية. كما فقدت الحكومة إيرادات الرسوم المفروضة على الكميات التي تراجع إنتاجها، والتي كانت تبلغ ما لا يقل عن 30 ألف جنيه للقنطار، فيما خسر المنتجون قيمة الكميات المفقودة وفق متوسط سعر يبلغ نحو 200 ألف جنيه للقنطار خلال السنوات الثلاث.

ماهي نسبة الرسوم والإتاوات غير القانونية المفروضة حاليًا على شاحنة الصمغ من الأبيض إلى بورتسودان، مقارنة بما قبل الحرب؟
كانت الرسوم المفروضة على القنطار قبل الحرب لا تتجاوز 20 ألف جنيه، بينما ارتفعت حاليًا إلى ما لا يقل عن 80 ألف جنيه للقنطار.
هل تتوفر احصاءات دقيقة لحجم المخزون الاستراتيجي للصمغ العربي الذي تعرض للنهب أو التلف في مخازن النهود منذ اندلاع الحرب؟
وقعت عمليات النهب في شهر أبريل، الذي يمثل ذروة المخزونات، ويُعتقد أن الكمية المنهوبة لا تقل عن 10 آلاف طن من الهشاب من منطقة الانتاج في النهود .
ماهي تقديرات خسائر المزارعين في شمال كردفان نتيجة ترك مناطق الإنتاج وتلف الأشجار وتضرر الأصول والبنية التحتية للقطاع؟
تشمل الخسائر حرق الأشجار، وتلف الآبار، وتضرر مخازن التخزين وعربات النقل، وتُقدّر بمئات المليارات من الجنيهات السودانية. ونظرًا لصعوبة الوصول إلى مناطق الإنتاج والأسواق، لا يمكن حاليًا تحديد رقم دقيق لإجمالي الخسائر. كما امتدت الأضرار إلى البيئة، إذ أدى القطع الجائر للغابات إلى استنزاف الغطاء الغابي في مناطق الإنتاج، نتيجة زيادة الطلب على الفحم خلال الحرب في ظل نقص غاز الطهي، على غرار ما حدث في غابة السنط بشارع الغابة في الخرطوم.

مع توقف التمويل والشراء الرسمي، هل تعمل الغرفة على إنشاء صندوق حماية أو آليات شراء مباشر لدعم المنتجين ومنع انهيار المجتمعات المنتجة؟
دعم المنتجين يمثل أولوية لنهضة القطاع، باعتبارهم الحلقة الأولى في سلسلة الإمداد. وفي إطار المسؤولية الاجتماعية، قدمت شعبة مصدري الصمغ العربي 110 ملايين جنيه لدعم المنتجين والجمعيات الإنتاجية في الولايات المنتجة، خاصة الآمنة منها، إلى جانب دعم الاستزراع والبحوث والتطوير. كما تعمل الشعبة بالتنسيق مع الحكومة والمستوردين في الخارج على بلورة آليات إضافية لدعم المنتجين. وعلى المستوى الدولي، السودان عضو في المنظمة العالمية للأصماغ (AISG).
ماهي تأثيرات أزمة السيولة وشح التمويل المصرفي على قدرة التجار والمصدرين على شراء المحصول من المنتجين؟ وهل أسهمت في زيادة دور الوسطاء؟
هناك تحديات كبيرة في التمويل المصرفي، باعتبار أن البنوك تطالب بضمانات قوية مثل الرهن العقاري، إلا أن هذه الضمانات لم تعد كافية بالنسبة للبنوك في ظل كون المناطق الحالية مناطق حرب، مما أثّر سلبًا على التمويل. أما الوسطاء والسماسرة، فقد أضرّوا كثيرًا بمصالح المنتجين والمصدرين، وظهر ذلك بصورة حادة خلال الحرب. فعندما دخلت قوات الدعم السريع إلى منطقة النهود، حيث كانت توجد كميات كبيرة من المحاصيل، تعرضت للنهب والسرقة، وأصبحت تُصدّر عبر موانئ أخرى في غرب السودان.
وكانت النهود أكبر سوق لتجمع المحاصيل، لكن أغلب الوكلاء والتجار انتقلوا إلى سوق محاصيل الأبيض، ويمارسون نشاطهم بعد نقل السوق إلى الولاية.
تدخل الوسطاء والسماسرة أثّر بصورة كبيرة على الأسعار، لعدم وجود مزاد مباشر بين المنتج والتاجر أو المصدر داخل البورصة.
وأصبح الصمغ يدخل إلى الأسواق الفرعية في «تكاتك» صغيرة وشوالات بلاستيكية، مثل سوق الدكونة وسوق كريمة، لتغذية السوق الرئيسي أو سد جزء من الطلب. وكثرة السماسرة تجعل كل دلال أو سمسار يضيف عمولته إلى سعر السلعة، مما يضاعف تكلفتها. بينما كان الوكيل في السابق معروفًا وله مهام محددة، مقابل عمولة معلومة لشخص واحد.
كيف أثرت الحرب وارتفاع تكاليف النقل على صادرات الصمغ العربي السوداني وتنافسيته عالميًا، وما مدى تأثير تغيير مسارات التصدير على الأسواق السودانية؟
ارتفعت تكاليف النقل بصورة كبيرة في ظل ظروف الحرب. فطريق بارا ـ الصادرات كان مغلقًا لفترة طويلة جدًا، ويمكن الآن أن يكون الجيش السوداني قد فرض سيطرته عليه، لكن طوال فترة الحرب كان نقل البضائع يتم عبر طريق الأبيض ـ كوستي ـ بورتسودان، وهو طريق طويل، كما أثرت أزمة الوقود في تكلفة الترحيل. وبسبب الحرب، ظهرت أسواق وموانئ أخرى نافست السودان. فعلى سبيل المثال، بالنسبة إلى دولة جنوب السودان، أصبحت البضائع والمحاصيل الموجودة في غرب كردفان تذهب إلى جنوب السودان، وتُصدّر من هناك إلى كينيا عبر ميناء مومباسا، وتتجه في أغلبها إلى فرنسا، كما كنا نصدر سابقًا. وهذا الأمر أثّر بصورة كبيرة على صادرات السودان المباشرة بسبب الحرب.
أدى اضطراب سلاسل الإمداد بسبب الحرب إلى تغيير مسارات تجارة الصمغ العربي، مع بروز فرنسا كأكبر مستورد عالميًا تليها بريطنيا واتجهت كميات من الصمغ السوداني عبر تشاد إلى ميناء دوالا الكاميروني، ثم إلى الأسواق العالمية، ما أدى إلى استنزاف المخزون وهدد مكانة السودان التاريخية في سوق الصمغ العربي عالميًا. أما هوامش ربح المصدر، فأصبحت ضعيفة جدًا وتعتمد بصورة كبيرة على سعر الصرف.
وحاليًا، يتراوح سعر صمغ الطلح عالميًا بين 1000 و1200 دولار للطن «FOB»، فيما يتراوح سعر صمغ الهشاب بين 5000 و5100 أو 5200 دولار للطن «FOB».
وفي المقابل، فإن التكاليف الكلية، من الإنتاج وحتى التصدير، لا تقل عن 4900 دولار للهشاب، ولا تقل عن 950 إلى 1000 دولار للطلح.
وبناءً على ذلك، أصبحت هوامش الأرباح ضعيفة جدًا في مقابل الضرائب والرسوم الولائية والمصروفات غير المنظورة.
والمؤشر الحقيقي الذي يحدد الأسعار هو سعر الصرف، أي سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية أو تحويلات حصائل الصادر. ومع الحرب، لا بد من تدخل وضوابط من الدولة للحد من تقلبات سعر الصرف.
هل تسهم الرسوم والضرائب والسياسات الحكومية الحالية في دعم تصدير الصمغ العربي، أم تزيد من تكلفته وتضعف تنافسيته؟
الرسوم والجباية والضرائب من أكبر المشكلات التي تواجه قطاع الصمغ العربي، بل كل المحاصيل، باعتبار أن الجباية والضرائب باهظة جدًا.
وبالنسبة إلى الصمغ العربي، تشمل الرسوم المفروضة على القنطار 15 ألف جنيه رسوم غابات، و6700 جنيه رسوم خدمات، بينما كانت الزكاة 40 ألف جنيه وأصبحت الآن 65 ألف جنيه. بالإضافة إلى ذلك، هناك ضرائب أرباح الأعمال، كما تأثر كثير من الشركات والمصدرين بالحرب، ومنهم من فقدوا رؤوس أموالهم ومصانعهم، مما يؤثر على رأس المال والتكلفة.
ونتمنى أن يجلس اتحاد أصحاب العمل والجهات المعنية بالجباية مع ديوان الضرائب ومتخذي القرار في الخرطوم للنظر في هذه المسألة والعمل على تخفيض الرسوم.

هل يواجه الصمغ العربي السوداني خطر فقدان أسواقه لصالح منتجين أفارقة وبدائل صناعية جديدة، أم أن خصائصه الطبيعية تمنحه ميزة يصعب استبدالها؟
أدى التهريب إلى زيادة كميات الصمغ العربي المصدرة من الدول المجاورة، لكن لا توجد للصمغ العربي بدائل طبيعية تؤدي وظيفته، فيما تظل البدائل الصناعية أكثر تكلفة وتثير مخاوف تتعلق بسلامة الغذاء. وأعتقد أن توقف الحرب والتهريب سيعيدان للصمغ العربي السوداني قدرته التنافسية في الأسواق.
والقطاع يمثل سلسلة قيمة متكاملة؛ فوقف الحرب سيتيح للمنتج استعادة الاستقرار والإنتاج، وللتاجر الشراء والتسويق، وللمصدر استئناف التصدير، فيما يستفيد المستهلك النهائي. وبالتالي فإن أي اضطراب في هذه السلسلة ينعكس سلبًا على جميع أطرافها.
“تؤكد أحدث البحوث أن الصمغ العربي (الهشاب والطلح) ينطوي على مستقبل واعد عالمياً، بعد الانتقال من تصنيفه كمادة مضافة (E414) إلى اعتباره مغذياً للبكتيريا النافعة (Prebiotic) ومُعززاً للمناعة.
هذا التحول يعزز قيمته الغذائية ويرفع الطلب العالمي عليه، مما يضع السودان ودول ’حزام الصمغ العربي‘ أمام تحدٍ لزيادة الإنتاج، بالتوازي مع جهود اعتماده رسمياً وفق مواصفات هيئة دستور الأغذية (Codex).”
إذا أُتيح للسلطات اتخاذ ثلاثة قرارات عاجلة لإنقاذ قطاع الصمغ العربي في شمال كردفان ودعم الإنتاج والتصدير، فما أولوياتكم؟
هناك ثلاثة أمور رئيسية:
الأول: الجودة. يجب إيقاف تعبئة الصمغ في شوالات وأكياس بلاستيكية، واتخاذ قرارات قانونية ملزمة للمنتجين في هذا الجانب.
ثانيًا: الاهتمام بالغابات والشتول الجيدة وإجراء بحوث علمية جديدة، خاصة أن شمال كردفان تضم جامعة كردفان ومركز أبحاث الصمغ العربي. ولا بد من إيجاد بدائل لعملية «طق» الصمغ تكون أسرع، باعتبار أن الاعتماد الكلي على الحصاد وطق الصمغ يمثل أساس الإنتاج، بينما أصبح المنتج يبحث عن مصادر أخرى أكثر فائدة، مثل الذهب.
ثالثًا: إنشاء بورصة إلكترونية وكنا نسير في هذا الاتجاه بصورة جيدة قبل الحرب، وشُكّلت لجان لهذا الغرض، كما وُجد تمويل من بنك التنمية الأفريقي. ويمكن للبورصة الإلكترونية أن تحل كثيرًا من مشكلات الصمغ العربي في الإنتاج والتسويق.




