حلاوة “العودة”

نصف قرن من الشعر والتدريس
سوركتي .. شاعر عبر من الفصل إلى الأغنية
تقرير: سراج الدين مصطفى
شاعر معلم:
يمثل محمد أحمد سوركتي نموذجا لافتا للشاعر المعلم الذي جمع بين التربية والإبداع وصنع لنفسه مكانا راسخا في الذاكرة السودانية فقد ولد عام 1944 في حي الدناقلة جنوب وبدأ تعليمه بمدرسة حلة حمد ثم مدرسة العزبة قبل أن يلتحق بكلية المعلمين بشندي ويتخرج منها عام 1961 ليبدأ رحلة حافلة بالعطاء.
مسيرة تعليم:
بدأ سوركتي حياته معلما بمدارس الدناقلة شمال ثم الختمية وحلة خوجلي قبل نقله إلى منطقة جبل أولياء ومنها إلى المدرسة الأمريكية النموذجية في الحتانة ثم عاد إلى مدرسة العزبة مواصلا رسالته التعليمية التي ظلت حاضرة في تجربته وشكلت خلفية مهمة لرؤيته الشعرية والإنسانية وفتحت أمامه مساحات واسعة للتأمل والمعرفة وخدمة الناس.
عمل رسمي:
بين عامي 1975 و1980 تولى سوركتي مهمة سكرتير مكتب أبو القاسم محمد إبراهيم أمين الاتحاد الاشتراكي والنائب الأول لرئيس الجمهورية ومحافظ الخرطوم وهي تجربة أضافت إلى مسيرته معرفة واسعة بالشأن العام ومكنته من الاقتراب من تفاصيل المجتمع والتحولات التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة ووسعت مداركه وخبراته الإنسانية والمهنية بصورة لافتة جدا.
تجربة يمنية:
انتقل سوركتي إلى اليمن معارا بين عامي 1980 و1985 رئيسا للبعثة التعليمية السودانية بمدينة الحديدة ليواصل رسالته خارج الوطن ويكتسب تجربة ثرية في العمل التربوي والإداري ثم عاد إلى السودان قبل أن ينزل إلى المعاش الاختياري عام 2005 وهو كبير الموجهين في تعليم بحري مرحلة الأساس بعد سنوات طويلة من العطاء التربوي.
بداية غنائية:
دخل سوركتي عالم الشعر الغنائي عام 1976 من بوابة أغنية (سلم بعيونك) التي وضع لحنها ناجي القدسي وغناها الفنان حمد الريح وكانت تلك البداية إيذانا بميلاد تجربة شعرية ستضيف إلى مكتبة الأغنية السودانية نصوصا متنوعة تجمع العاطفة واللغة البسيطة والصورة القريبة من وجدان المستمع وتؤكد موهبته الشعرية مبكرا وبقوة.
تعاون واسع:
اتسعت تجربة سوركتي عبر تعاونات عديدة مع الفنانين فقدم لشرحبيل أحمد (بتقول مشتاق) و(عشنا وشفنا كتير في الحب) ولـمحمد وردي (مقبلة وين) وليوسف الموصلي (على قدر الشوق) ولأحمد شاويش (عيونك كلموني) و(عادي جدا) مؤكدا تنوع تجربته وقدرته على مخاطبة أجيال مختلفة في مسيرة الأغنية السودانية بمفردات عاطفية قريبة.
أصوات مختلفة:
واصل سوركتي حضوره مع عبد المنعم الخالدي في (فكر كيف نعود الشوق) ومع عز الدين عبد الماجد في (شال في خاطرو) كما تعاون مع صلاح بن البادية في (شجون) و(ساقنا الهوى) ومع محمد ميرغني في (شمس الصيف) لتتسع خارطة تجربته الغنائية بأصوات وأساليب متعددة وتظل أعماله حاضرة في الوجدان السوداني.
محطة الحوت:
كان لمحمود عبد العزيز حضور بارز في تجربة سوركتي عبر أعمال (الله يكون في عونك) و(فرايحية) و(الشوق غلبنا) و(كده برضو تفوتنا وتنسانا) و(يا زول يا طيب) وهي أعمال كشفت عن قدرة الشاعر على كتابة النص العاطفي القادر على البقاء وتأكيد حضوره بين كبار شعراء الأغنية السودانية عبر أجيال متعاقبة.
/////////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
القصص الحبيبة فى أغاني الحقيبة .. كتاب مهم !!
جهد استثنائي:
توقفت كثيرا عند كتاب القصص الحبيبة في اغاني الحقيبة للاستاذ والفنان والباحث محمد الحسن الجقر لان الكتاب لا يقدم مادة عن اغاني الحقيبة فحسب بل يكشف عن جهد استثنائي في البحث والاستقصاء والتحليل ويضع القارئ امام تجربة توثيقية جادة تستحق التامل والاشادة بما قدمته للمكتبة السودانية بوضوح كبيرا.
قيمة معرفية:
قيمة الكتاب الحقيقية تنبع من كثافة المعلومات التي جمعها الجقر بعناية ومن قدرته على ربط الاغنيات بقصصها واصحابها وبيئتها الاجتماعية والثقافية فهو لا يكتفي بسرد الوقائع وانما يحاول الاقتراب من تفاصيل التجربة الفنية وهو ما يجعل الكتاب مصدرا معرفيا مهما لكل من يريد فهم اغنية الحقيبة بصورة اعمق.
ثقافة الفنان:
الجقر ليس باحثا طارئا على هذا المجال بل هو فنان مثقف ظل قريبا من الاغنية الشعبية ومن تفاصيلها الدقيقة ولذلك جاءت معرفته بالفن الغنائي الشعبي ممتدة من الممارسة الى القراءة ثم الى التوثيق وهذه ميزة نادرة تمنح كتاباته قدرة على الجمع بين حس الفنان ودقة الباحث ووعي المؤرخ.
ذاكرة حية:
واحدة من اهم مزايا الجقر انه عاش قريبا من اجيال كثيرة صنعت اغنية الحقيبة وعاصر رواياتها وتفاصيلها واستمع الى شهادات اهلها وهو ما منحه ذاكرة غنية لا تتوافر بسهولة للباحثين الجدد فالتوثيق عنده ليس نقلا باردا للمعلومات بل محاولة لاستعادة زمن كامل بما فيه من اصوات وحكايات وملامح.
دقة الرواية:
حين يتحدث الجقر عن الحقيبة نشعر اننا امام شخص يعرف تفاصيلها من الداخل ويمتلك قدرة على التمييز بين الرواية المتداولة والمعلومة التي تستند الى معرفة وتجربة وهذا ما يجعل شهاداته جديرة بالانتباه خصوصا في مجال كثرت فيه الحكايات وتداخلت الروايات واختلطت الوقائع بالاضافات التي صنعتها الذاكرة الشعبية المختلفة.
مرجع مهم:
لهذا السبب لا يمكن تجاوز الجقر بسهولة حين يكون الحديث عن اغنية ام درمان او اغنية الحقيبة فهو واحد من الاسماء التي راكمت معرفة بهذا الفن واشتغلت على حفظ تفاصيله وتقديمها للقراء وهذه المكانة لم تأت من الشهرة وحدها بل من سنوات طويلة امضاها في البحث والتوثيق والمتابعة.
مسؤولية التوثيق:
ما يقدمه الجقر يذكرنا بان التوثيق الفني ليس ترفا ثقافيا ولا عملا هامشيا بل مسؤولية تجاه ذاكرة امة كاملة فكل اغنية تحمل وراءها قصة وكل شاعر وفنان يمثل جزءا من تاريخ السودان وعندما تضيع التفاصيل تضيع معها مساحات من الذاكرة ولذلك تصبح جهود الموثقين ضرورة ملحة اليوم.
مصداقية مستحقة:
الكتاب في تقديري يثبت ان الجقر يمتلك ادوات التوثيق ومصداقية الرواية وقدرة الاستقصاء ولذلك يستحق ان تكون اعماله حاضرة في مكتبات الباحثين والمهتمين بالفن السوداني فالذين حفظوا الذاكرة الفنية مثل الجقر قدموا خدمة تتجاوز الكتاب نفسه لانهم يحمون تاريخا ثقافيا من النسيان ويمنحون الاجيال القادمة فرصة معرفته بوعي.
////////////////
نص كلمة
إسماعيل حسن .. شاعر لم يعش في ظل وردي !!
شاعر مستقل:
كثيرا ما يتم اختزال تجربة الشاعر اسماعيل حسن في كونه شاعر وردي وكأن قيمته الابداعية توقفت عند تلك الشراكة الذهبية بينما الحقيقة ان الرجل كان صاحب مشروع شعري مستقل امتلك لغته الخاصة ورؤيته للحب والوطن والحنين واستطاع ان يجعل المفردة السودانية البسيطة تحمل عمقا انسانيا كبيرا وتبقى حاضرة في الوجدان جيلا بعد جيل.
مفردة ساحرة:
قوة اسماعيل حسن لم تكن في الكلمات وحدها بل في قدرته على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها الى صور شعرية نابضة بالحياة فكان يكتب عن الانسان السوداني بملامحه وانفعالاته واحلامه وانكساراته ولذلك جاءت قصائده قريبة من الناس دون ان تفقد جمالها الفني او قدرتها على صناعة الدهشة والتأثير في المستمعين.
ظل وردي:
اما علاقته بمحمد وردي فهي واحدة من اهم صفحات تجربته لكنها لا ينبغي ان تتحول الى سجن نقدي يحجب بقية ابداعه فاسماعيل حسن شاعر يستحق ان يقرأ بعيدا عن صوت وردي وان تدرس تجربته باعتبارها تجربة شعرية قائمة بذاتها صنعت مكانتها في تاريخ الاغنية السودانية وما زالت جديرة بالاكتشاف.
///////////////
أسماء فى الذاكرة
بشير عباس:
لم يكن بشير عباس عازفا بارعا على العود فحسب بل كان صاحب رؤية موسيقية استطاعت ان تمنح الآلة حضورا مختلفا في الاغنية السودانية وقد امتلك حساسية خاصة في بناء الجملة الموسيقية وجعل من العود صوتا مستقلا يشارك المغني التعبير ويصنع مساحة جمالية لا تنسى في الذاكرة السودانية والعربية معا دائما.
السر قدور:
في تجربة السر قدور تتجاور مواهب متعددة جعلت منه شخصية فنية يصعب وضعها في خانة واحدة فهو الفنان والكاتب والباحث والموثق الذي ادرك مبكرا ان الغناء السوداني يحتاج الى من يحفظ ذاكرته ولذلك ظل مشغولا بجمع الحكايات والاسماء والتفاصيل التي كانت مهددة بالغياب والنسيان داخل الذاكرة الفنية السودانية العميقة.
بادي محمد الطيب:
كان بادي محمد الطيب اقرب الى مكتبة تمشي بين الناس يحمل في ذاكرته تفاصيل الحقيبة ورواياتها واصوات شعرائها ومغنيها وقد جاءت قيمته من قدرته على استعادة تلك الاغنيات بروحها القديمة بعيدا عن الزخرفة فصار صوته وسيلة لحماية جانب مهم من الذاكرة الغنائية السودانية ومنحها حياة جديدة امام الاجيال المتعاقبة.
عثمان مصطفى:
يمثل عثمان مصطفى واحدة من التجارب الصوتية التي تستحق اعادة النظر بعيدا عن مقاييس الشهرة وحدها فقد امتلك صوتا مميزا وحضورا هادئا واختيارات غنائية اكسبته خصوصية واضحة وربما حالت تحولات المشهد الفني دون ان ينال موقعه الكامل لذلك تبقى تجربته جديرة بالقراءة والانصاف من جديد داخل تاريخ الاغنية السودانية كله.
الطيب عبدالله:
استطاع الطيب عبدالله ان يصنع لنفسه مكانا خاصا داخل الاغنية العاطفية السودانية بصوت يحمل دفئا واضحا وباختيارات تلامس المشاعر دون افتعال وقد ارتبطت تجربته بذاكرة جيل كامل غير ان قيمته لا تختصر في نجاح بعض الاغنيات بل في قدرته على تحويل الاحساس الشخصي الى وجدان جماعي واسع ومتجدد عبر الزمن.




