المهندس النجومي الطيب بشرى المدير العام لمنظمة (إعمار) لـ(العودة):(٢_٢)

الدولة مهما كانت إمكاناتها في ظل الحرب لا تستطيع أن تواجه كل الاحتياجات
نعمل وفق الأولويات التي تفرضها حاجة الناس على الأرض
البيئة التعليمية جزء أساسي من جودة التعليم لذلك طرقنا هذا المجال
العمل الإنساني مدخل لإعادة بناء قدرة المجتمع على الاعتماد على نفسه
الحرب أضعفت قدرة الناس على توفير أبسط احتياجات الحياة
حوار: سراج الدين مصطفى
المهندس النجومي الطيب بشري لم تكن كوستي مجرد مدينة تركها خلفه حين هاجر إلى الولايات المتحدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بل ظلت حاضرة في ذاكرته ووجدانه حتى عاد إليها محملا بخبرة سنوات طويلة ورغبة في رد الجميل. من هنا بدأ الحنين يتحول إلى فعل والعمل الطوعي إلى مشروع يتجاوز الإغاثة نحو التنمية والإعمار. بدأت الحكاية بمبادرات بسيطة في التعليم ثم اتسعت لتشمل دعم النازحين والأسر المتضررة ومشروعات تمس الصحة وتمكين الأسر وبناء القدرات. ومع تأسيس منظمة إعمار برز حلم أكبر يتمثل في إنشاء مستشفى تعليمي في كوستي ومشروعات مستدامة تؤكد أن إعادة بناء السودان مسؤولية مشتركة بين الداخل والمهجر وأن التنمية يمكن أن تبدأ بخطوة صغيرة لكنها قادرة على صناعة أثر كبير.
1. كيف تعمل منظمة إعمار في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان حاليًا؟
تعمل منظمة إعمار في هذه الظروف وفق مبدأ أساسي، وهو أن العمل الإنساني لا يحتمل الانتظار، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى التخطيط والتنظيم حتى يكون أثره مستداماً.
نحن نعمل وفق الأولويات التي تفرضها حاجة الناس على الأرض، ونحاول أن نكون قريبين من المجتمعات المستفيدة، وأن نحدد الاحتياجات بصورة مباشرة قبل تصميم أي مشروع.
كما نعتمد قدر الإمكان على الشراكات مع المبادرات والمنظمات المحلية، لأن أبناء المنطقة هم الأقدر على معرفة احتياجات مجتمعهم.
وفي ظل صعوبة الظروف الأمنية والاقتصادية، نحرص على أن تكون مشروعاتنا واقعية وقابلة للتنفيذ، وأن تصل المساعدات إلى مستحقيها بأكبر قدر ممكن من الشفافية والفاعلية.
ونحن لا ننظر إلى العمل الإنساني باعتباره توزيعاً للمساعدات فقط؛ بل نراه مدخلاً لإعادة بناء قدرة المجتمع على الاعتماد على نفسه، ولذلك نعمل على أن تكون مشروعاتنا خطوة في طريق التعافي والإعمار.
—
2. ما أبرز المشروعات التي نفذتها المنظمة منذ تأسيسها في مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية؟
منذ انطلاق العمل المؤسسي، ركزنا على ثلاثة مسارات رئيسية: التعليم، والصحة، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة.
في مجال التعليم، كانت من أوائل تجاربنا المساهمة في تحسين البيئة المدرسية، من خلال إنشاء دورات مياه، وترميم الفصول والأسوار، وتوفير بعض المستلزمات الأساسية.
وقد تعلمنا من هذه التجربة أن البيئة التعليمية جزء أساسي من جودة التعليم، وأن توفير الاحتياجات البسيطة يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً في حياة الطلاب.
وفي الجانب الإنساني، كان لنا دور في دعم المطابخ المركزية والتكايا التي تقدم الطعام للنازحين والأسر المتضررة من الحرب، إضافة إلى دعم بعض الفئات التي واجهت ظروفًا استثنائية نتيجة الحرب.
كما نفذنا مشروع الأضاحي في الخرطوم وولاية النيل الأبيض، ووصلنا من خلاله إلى عدد من الأسر الأكثر احتياجاً.
أما في مجال الصحة، فإن رؤيتنا تتجاوز تقديم المساعدات العلاجية المؤقتة إلى المساهمة في بناء مؤسسات صحية مستدامة. ولذلك يظل حلم إنشاء مستشفى تعليمي في كوستي أحد أهم الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها، متى ما توفرت الظروف والشراكات والموارد اللازمة.
—
3. في مشروع توزيع لحوم الأضاحي أخيراً، كيف حددتم المستفيدين؟ وهل رسمت الأضاحي البسمة على وجوههم؟
حاولنا أن يكون اختيار المستفيدين قائماً على الحاجة الفعلية، وليس على المعرفة الشخصية أو العلاقات. اعتمدنا على المعلومات التي توفرها لنا الجهات والمبادرات المحلية، وعلى معرفة المتطوعين الموجودين في الميدان بالأسر الأكثر احتياجاً.
كنا نبحث عن الأسر التي فقدت مصادر دخلها، والأسر النازحة، والأرامل والأيتام، والأسر التي تعيش في ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.
أما عن البسمة، فهي ربما كانت أكبر عائد حصلنا عليه من المشروع.
في ظل الحرب، أصبح الحصول على وجبة تحتوي على اللحوم بالنسبة لبعض الأسر أمراً صعباً جداً. ولذلك لم تكن الأضحية بالنسبة لنا مجرد كمية من اللحم توزع على الأسر؛ كانت رسالة تقول لهم: «أنتم لستم وحدكم، وهناك من يفكر فيكم ويقف إلى جانبكم».
ورأينا بالفعل الفرح في وجوه الناس، وهذا بالنسبة لنا كان دافعاً للاستمرار.
—
4. ما الذي وجدتموه على أرض الواقع من احتياجات المواطنين في المناطق التي تعملون فيها بين الخرطوم وكوستي؟
ما رأيناه على الأرض أكبر بكثير من مجرد نقص في الغذاء أو الدواء. الحرب أضعفت قدرة الناس على توفير أبسط احتياجات الحياة، وأثرت على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي وفرص العمل.
وجدنا أُسراً نزحت أكثر من مرة، وأطفالًا انقطعت عنهم الدراسة، ومرضى يجدون صعوبة في الوصول إلى العلاج، وأُسراً فقدت مصدر دخلها بالكامل.
لكن الشيء الذي لفت انتباهنا أكثر هو أن المجتمع نفسه لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على الصمود والتكافل. في كثير من الأماكن وجدنا متطوعين يعملون بإمكانات محدودة جداً، ولكن بإرادة كبيرة.
وهذا جعلنا نؤمن بأن دور المنظمات ليس أن تحل محل المجتمع، وإنما أن تدعم قدرته الموجودة أصلاً، وأن توفر له الموارد والأدوات التي تمكنه من القيام بدوره بصورة أفضل.
—
5. هل ترى أن المبادرات الطوعية قادرة على سد الفجوات التي خلفتها الحرب في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية؟
لا أعتقد أن العمل الطوعي وحده يستطيع أن يسد كل الفجوات التي خلفتها الحرب، فحجم الاحتياجات أكبر من قدرة أي منظمة أو مبادرة منفردة.
لكنني أؤمن بشدة بأن المبادرات الطوعية تستطيع أن تكون جزءاً أساسياً من الحل.
الميزة الكبيرة للعمل الطوعي أنه قريب من الناس، وسريع الحركة، ويستطيع الوصول إلى أماكن قد يصعب على المؤسسات الكبيرة الوصول إليها. كما أن أبناء المجتمع أنفسهم يعرفون احتياجات مناطقهم بصورة دقيقة.
لكن المطلوب هو الانتقال من المبادرات الفردية المتفرقة إلى العمل المؤسسي المنظم، ومن الاستجابة المؤقتة إلى مشروعات طويلة الأجل.
والأهم من ذلك هو أن تتكامل جهود الدولة، والمنظمات الوطنية، والمنظمات الدولية، ورجال الأعمال، وأبناء السودان في المهجر. إذا اجتمعت هذه الجهود، يمكن أن نصنع أثراً أكبر بكثير من أي جهة تعمل منفردة.
—
6. ما أبرز المرافق الطبية والمدارس التي ساهمت منظمة إعمار في تأهيلها، وما الذي تحتاجه هذه المؤسسات اليوم؟
بدأ اهتمامنا بهذا المجال من المدارس، وكانت تجربتنا الأولى في تحسين البيئة المدرسية من خلال إنشاء دورات مياه وترميم الفصول والأسوار وتوفير بعض المستلزمات.
وقد علمتنا هذه التجربة أن احتياجات المؤسسات التعليمية والصحية ليست دائماً مشروعات ضخمة؛ أحياناً يكون التدخل البسيط، إذا جاء في المكان الصحيح، ذا أثر كبير.
أما المؤسسات الصحية، فنحن ننظر إليها من زاوية أوسع. السودان اليوم يحتاج إلى إعادة تأهيل المرافق التي تضررت، لكنه يحتاج أيضاً إلى كوادر ومعدات وأدوية وأنظمة تشغيل تضمن إستمرار الخدمة.
ولهذا فإن رؤيتنا المستقبلية لا تقتصر على ترميم المبنى، وإنما تشمل توفير البيئة التي تجعل المؤسسة قادرة على تقديم خدمة حقيقية ومستدامة.
ومن هنا يأتي حلمنا بإنشاء مستشفى تعليمي في كوستي، ليكون مشروعاً يجمع بين تقديم الخدمة الصحية، وتدريب الكوادر، وبناء مؤسسة يمكن أن تخدم كوستي والمناطق المحيطة بها.
—
7. ما المشروعات التي تستعد منظمة إعمار لتنفيذها خلال المرحلة المقبلة، وما الأولويات التي تضعونها أمامكم؟
أولويتنا في المرحلة المقبلة هي الانتقال تدريجياً من الاستجابة الطارئة إلى الإعمار والتنمية.
لدينا اهتمام بمواصلة دعم التعليم وتحسين البيئة المدرسية، ودعم المبادرات الصحية، والاستمرار في مساعدة الأسر الأكثر احتياجاً والنازحين، ولكننا نريد أن تكون هذه المشروعات أكثر تنظيمًا واستدامة،
لدينا مشروع للكفالة المجتمعية و مشروع لكفالة الايتام و مشاريع مدرة للدخل للاسر الضعيفة و المتعففة و مشروع بناء القدرات للشركاء و الجهات ذات الصلة بالاضافة للمشاريع الصديقة للبيئة
كما نعمل على تطوير فكرة المشروعات الصحية، وصولاً إلى مشروعنا الأكبر المتمثل في إنشاء مستشفى تعليمي في كوستي.
ونحن نؤمن بأن هذا المشروع لا يمكن أن يكون مشروع شخص أو منظمة واحدة؛ بل يجب أن يكون مشروع أبناء كوستي والسودان في الداخل والمهجر.
لدينا أبناء وبنات كوستي في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج وأستراليا وغيرها، ولدينا رجال أعمال وأطباء ومهندسون ومختصون يمكن أن يسهموا بخبراتهم أو مواردهم.
لذلك نريد أن نبني شبكة من الشراكات تجعل كل شخص قادراً على المساهمة يجد مكاناً له في هذا المشروع.
—
8. بعد كل هذه التجربة، ماذا تقول للسودانيين في الداخل والخارج عن مسؤولية الفرد تجاه وطنه في زمن الحرب؟
رسالتي للسودانيين في الداخل والخارج بسيطة: الوطن مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية الحكومة وحدها أو المنظمات وحدها.
الحرب كشفت لنا أن الدولة مهما كانت إمكاناتها لا تستطيع أن تواجه كل الاحتياجات وحدها، وأن المجتمع عندما يتكاتف يستطيع أن يصنع فارقاً حقيقياً.
السوداني الموجود في الداخل يستطيع أن يخدم وطنه بعمله وتطوعه وحفاظه على مجتمعه، والسوداني في الخارج يستطيع أن يساهم بخبرته وماله وعلاقاته ووقته.
وليس مطلوبًا من كل إنسان أن يفعل شيئاً عظيماً؛ المهم أن يفعل شيئاً نافعاً.
أنا شخصيًا عشت سنوات طويلة خارج السودان، وعندما عدت وجدت أن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يرد بعض الجميل لوطن أعطاه الكثير.
وأقول لأبناء السودان في المهجر: لا تجعلوا المسافة بينكم وبين الوطن تتحول إلى قطيعة. يمكنكم أن تكونوا بعيدين جغرافيًا، ولكنكم تستطيعون أن تكونوا قريبين بالعمل والعطاء.
وأقول لأبناء السودان في الداخل: أنتم خط الدفاع الأول عن المجتمع، وأنتم الأقدر على معرفة احتياجاته، فلا تستسلموا لليأس.
أما رسالتي للجميع فهي أن السودان لن يُبنى بالشكوى وحدها، ولن يُبنى أيضاً بجهد فرد واحد. السودان سيُبنى عندما يقرر كل واحد منا أن يسأل نفسه:
ماذا أستطيع أن أفعل؟
ومن هنا جاءت «إعمار»؛ لأننا نؤمن أن الإعمار يبدأ بالإنسان، وبالأمل، وبخطوة صغيرة يضعها كل شخص في الاتجاه الصحيح.




