9 موجهات تعيد تعريف مسؤولية الدولة..

المشهد الآن / علم الدين عمر 

الضمانات تسبق الطاولة..وزير العدل يضع النقاط فوق الحروف..

هندسة الضمانات القانونية والتنفيذية..

مولانا درف: لا ملاحقة بسبب الرأي..

 الحوار السوداني–السوداني يدخل مرحلة الترتيبات.. 

في إنتقال مباشر وقوي..وضعت تصريحات وزير العدل د. عبدالله درف بشأن الحوار السوداني–السوداني قضية نقل الحوار من مربع الدعوة السياسية والرغبة العامة إلى مربع أكثر حساسية ودقة..وأجابت عملياً علي سؤال الضمانات التي تحمي من سيجلسون حول الطاولة.. ومن يضمن ألا يتحول إبداء الرأي إلى سبب للملاحقة؟ وما الذي ستفعله الدولة حتى يصبح الحوار ممكناً بالفعل؟ أهمية حديث وزير العدل من هذه الزاوية تحديداً تبدو أكثر وضوحاً فالوزارة..وكعادتها في الملفات ذات الطبيعة القانونية.. لم تكتفِ بالعبارات السياسية الفضفاضة..ونفذت مباشرة لوضع النقاط فوق الحروف بشأن المترتبات القانونية على المشاركة..وما ينبغي أن توفره الدولة من ضمانات وتسهيلات..

القول إن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وافق على شطب البلاغات بحق المشاركين..وتوفير ضمانات مكتوبة لهم..وإتاحة مناخ عام للحريات..لا ينبغي قراءته كمجرد إجراء إداري لإقامة الحجة علي المستهدفين..بل هو رسالة قانونية وسياسية متكاملة بأن المشاركة في الحوار لا ينبغي أن تكون مغامرة شخصية أو مقامرة بالأمن القانوني للمشاركين..

 

أولاً: من «فكرة الحوار» إلى «بيئة الحوار»..

 

القيمة الأساسية في تصريحات وزير العدل أنها تؤسس للفصل بين أمرين كثيراً ما اختلطا في التجارب السياسية السودانية..رعاية الدولة للحوار.. ووصاية الدولة عليه..

الدولة..وفق التصور الذي تعكسه التصريحات.. مسؤولة عن تهيئة البيئة..وتأمين المشاركين..وتوفير الضمانات..وتنظيم الإجراءات..ورفع الكوابح القانونية والإدارية أمام المشاركة..لكنها ليست الجهة التي ينبغي أن تكتب مسبقاً ما سيقال على الطاولة أو ما ستنتهي إليه المداولات..

هذا هو المعنى الأهم في توفير «مناخ عام للحريات» يسمح للمشاركين بالتعبير عن آرائهم بحرية..

لأن الحوار الذي تبدأ فيه الدولة بتحديد النتائج قبل بدايته يتحول ببساطة إلى إجراء شكلي..بينما الحوار الذي توفر له الدولة الحماية والحرية والإنضباط الإجرائي يصبح أقرب إلى حوار وطني حقيقي..

عليه يمكن إستخلاص الموجهات التسعة التالية من خلال موجهات الدولة وتصريحات وزير العدل..

 

الموجه الأول: ضمان قانوني واضح..وموثق..

 

ينبغي أن تكون الضمانات المعلنة للمشاركين واضحة ومكتوبة وقابلة للتنفيذ..بحيث لا تظل المشاركة رهينة للتقديرات الفردية أو الإجتهادات الإدارية المتغيرة..

 

الموجه الثاني: حماية حرية الرأي داخل الحوار..

 

القاعدة الأساسية يجب أن تكون أن ما يطرح على طاولة الحوار من آراء ورؤى ومقترحات لا يتحول بذاته إلى سبب للملاحقة الجنائية.. طالما ظل في إطار الحوار السياسي السلمي..

 

الموجه الثالث: معالجة البلاغات السابقة..

 

إنفاذ توجيه شطب البلاغات ذات الصلة بالمشاركين بالحوار يمثل خطوة جوهرية في إزالة الخوف المتراكم.. ويمنح الدعوة للحوار مصداقية عملية تتجاوز البيانات والتصريحات..

 

الموجه الرابع: ترتيبات دخول المشاركين وخروجهم..

 

إعلان شمول القادمين إلى البلاد بغرض المشاركة بالضمانات المقررة يقتضي ترتيبات إدارية واضحة ومسبقة..حتى لا تتحول إجراءات الدخول والإقامة والتنقل إلى عوائق غير مقصودة أمام الحوار..

 

الموجه الخامس: تحديد الإختصاصات..

 

ينبغي أن تكون الحدود بين الدولة واللجنة التمهيدية واضحة..حيث توفر الدولة البيئة القانونية والأمنية والإدارية..بينما تدير اللجنة العملية الحوارية ومداولاتها..

 

الموجه السادس: إستقلالية المداولات..

 

الرعاية الحكومية لا تعني التدخل في تفاصيل النقاش.. فاللجنة تحتاج إلى مساحة مهنية مستقلة تمكنها من إدارة جلساتها وترتيب أولوياتها واستقبال الآراء المختلفة دون إملاءات مسبقة..

 

الموجه السابع: التنسيق المؤسسي..

 

نجاح الضمانات يحتاج إلى غرفة تنسيق واضحة بين الجهات العدلية والأمنية والإدارية واللجنة التمهيدية.. حتى لا تتعارض الإجراءات أو تتعدد مراكز القرار أمام المشاركين..

 

الموجه الثامن: وضوح التمويل والإنفاق..

 

أي عملية حوار واسعة تحتاج إلى موارد..ولذلك فإن الجانب التمويلي ينبغي أن يكون واضحاً وشفافاً ومنضبطاً..بما يحفظ استقلال اللجنة ويمنع في الوقت ذاته فتح الباب أمام تمويلات مشروطة أو أجندات خارجية..

 

الموجه التاسع: التشاور وعدم إختطاف الحوار..

 

الحوار السوداني–السوداني ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام التيارات والقوى والمكونات المؤهلة للمشاركة..وألا يتحول إلى منصة مغلقة أو أداة لإقصاء طرف أو تكريس رأي طرف آخر..الحوار الشامل هو الضمانة الأولى لعدم اختطافه..

 

ثانياً: وزير العدل.. حديث قانوني في لحظة سياسية..

 

ما يميز تصريحات ومواقف وزير العدل د. عبدالله درف أن حديثه دائماً يأتي من موقع المؤسسة العدلية المسؤولة عن ترجمة الإرادة السياسية إلى قواعد وإجراءات قانونية..لا يكثر من ذكر المصطلحات السياسية ويتحرك مباشرة في المساحة الفنية للوزارة وتشريعاتها ورؤيتها وضبطها..

وهذه نقطة مهمة.. لأن الحوار لا يمكن أن ينجح بالنوايا وحدها..هناك مشاركون داخل البلاد وخارجها.. وهناك ملفات وبلاغات ومواقف سابقة..وهناك مخاوف حقيقية لدى بعض الأطراف من أن تتحول العودة إلى الخرطوم أو المشاركة العلنية إلى عبء قانوني..

لهذا فإن تدخل وزارة العدل بهذا الوضوح يزيل مساحة واسعة من الإلتباس..

الأهم أن الوزير لم يقدم الضمانات كمنحة سياسية لأشخاص بعينهم.. وتحدث عن مبدأ عام مرتبط بالمشاركة في الحوار..هذه الصياغة أكثر اتساقاً مع طبيعة الحوار الوطني الشامل.. لأنها تنقل الضمان من مستوى الأشخاص إلى مستوى العملية نفسها..

 

ثالثاً: رعاية الدولة ليست تفاوض نيابة عن المتحاورين..

 

هنا تتضح المعادلة التي ينبغي الحفاظ عليها منذ اللحظة الأولى..

الدولة ترعى الحوار ولا تملي مخرجاته أو مداولاته..بينما اللجنة تتحاور ولا تتفاوض نيابة عن الدولة..والمشاركون يطرحون رؤاهم دون خوف أو إكراه..

هذا الفصل ضروري جداً حتى لا يقع الحوار في أحد المتاهتين الخطرتين: إما أن يتحول إلى مؤتمر حكومي تتحكم السلطة في أجندته ومخرجاته.. أو يتحول إلى مساحة سائبة تتجاوز مؤسسات الدولة وتتعامل مع الحوار وكأنه بديل عن الدولة نفسها..

المطلوب هو منطقة وسطى أكثر نضجاً.. تكون فيها الدولة قوية بما يكفي لحماية الحوار.. ومهنية بما يكفي لعدم مصادرته..

 

رابعاً: الضمانات ليست تفصيلاً..إنها إختبار الجدية..

 

في نهاية الأمر.. لن يحكم علي جدية الحوار السوداني–السوداني بالصوت العالي للثرثرة السياسية التي أنتظمت هوامش طاولاته قبل أن تمتد..سيكون المحك هو قدرته على إزالة الأسباب التي تجعل بعض السودانيين مترددين في المشاركة..

لذلك فإن تصريحات وزير العدل يمكن النظر إليها باعتبارها اختباراً مبكراً لجدية الدولة في إنجاح العملية..

الضمان المكتوب أقوى من التعهد الشفهي.. والإجراء التنفيذي أقوى من الإعلان السياسي.. والتنسيق المؤسسي أقوى من الإجتهاد الفردي..هذه حقائق جوهرية لابد من إستصحابها..

وإذا تمكنت اللجنة التمهيدية من العمل في ظل هذه البيئة دون كوابح..ودون تدخل في مداولاتها.. ودون عراقيل إدارية أو قانونية..فإن الدولة تكون قد أدت وظيفتها الأساسية في فتح الطريق أمام السودانيين ليجلسوا إلى بعضهم البعض..

أما بعد ذلك.. فالمسؤولية تنتقل إلى المتحاورين أنفسهم..

قيمة تصريحات وزير العدل ليست في الإعلان عن أن الدولة تريد الحوار فحسب..بل إنه بدأ في تحديد كيف يمكن للدولة أن تجعل الحوار ممكناً وآمناً وقابلاً للحياة..

والفارق كبير بين أن تقول الدولة «نحن مع الحوار»..وبين أن تزيل من أمامه البلاغات.. وتمنح المشاركين ضمانات واضحة..موثقة..وتوفر حرية التعبير.. وتيسر الدخول والمشاركة..وتنسق مؤسساتها لحماية العملية..

الأولى موقف سياسي..

أما الثانية فهي رعاية دولة..

أهم ما يحتاجه الحوار في بدايته ليس الاتفاق على الإجابات..أهم ما يحتاجه في هذه المرحلة هو توفير الشجاعة القانونية والسياسية لطرح الأسئلة دون خوف..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى