لجنة الحوار الدولة ترعى ولا تُملي..حواراً وليس تفاوضاً..

ما وراء الخبر / علم الدين عمر 

عقدت مؤتمراً صحفياً لم تجب فيه علي الأسئلة المهمة..

رعاية الدولة واختبار إستقلالية الحوار..أسماء تتغير.. لكن القضية أكبر من اللجنة..

 

هناك تفصيل في المؤتمر الصحفي للجنة تهيئة المناخ للحوار السوداني–السوداني يستحق التوقف عنده قبل الدخول في تفاصيل المبادرة وموجهاتها..إذ أن هذه اللجنة لم تأتِ من العدم..ولم تنشأ خارج سياق الدولة.. الدولة هي التي شكلتها..ووفرت لها البيئة الأمنية والإجرائية وأتاحت لها العمل من داخل السودان..بل وتعهدت باعتماد وتنفيذ مخرجات الحوار..

هذه الحقيقة لا ينبغي إخفاؤها خلف الحديث عن استقلال المبادرة.. كما لا ينبغي في المقابل تحويلها إلى مدخل للطعن في استقلالها..

المعادلة الصحيحة هي رعاية الدولة للحوار دون وصاية عليه..

فالدولة..في عملية وطنية بهذا الحجم لا يمكن أن تكون غائبة..فهي المعنية بتوفير الأمن وحماية المشاركين وضمان حرية الإجتماع وتهيئة البيئة التي تسمح للسودانيين بالجلوس إلى بعضهم بعضاً..لكن الرعاية شيء.. والوصاية شيء آخر..فالرعاية تعني توفير المناخ والضمانات..بينما الوصاية تمضي لتحديد الأجندة والمشاركين والنتائج..

وهنا يبدأ الإختبار الحقيقي للجنة..

 

العنوان الأول: اللجنة التي لم تأتِ من العدم.. رعاية الدولة واختبار استقلال الحوار..

 

حديث قاسم بدري عن استقلال المبادرة عن الوصاية الحكومية أو الخارجية يضع أساساً مهماً..لكنه يفرض في الوقت ذاته تعريفاً عملياً لمعنى هذا الإستقلال..

لأنه ببساطة لا يعني أن تكون اللجنة في مواجهة مع الدولة التي شكلتها..كما لا يعني قطع الصلة بالمؤسسات الرسمية..وإنما يعني أن تكون لها مساحة مستقلة في إدارة الحوار وصياغة أجندته ومخرجاته..

بالمقابل فإن الدولة ليست مطالبة بالتخلي عن دورها.. بل المطلوب أن تكون الضامن والراعي وليس الملقن..والمستفيد من المخرجات بدل أن تصنعها..

هذا التمييز بالغ الأهمية.. خصوصاً في بلد عانى طويلاً من نقل مركز صناعة الحلول إلى الخارج..فكلما أصبح السودانيون مجرد منفذين لأجندات صاغها الآخرون.. تراجعت فرص الوصول إلى تسوية قابلة للحياة..

لذلك ينبغي أن تتحول استقلالية اللجنة من إعلان سياسي إلى قواعد عملية واضحة.. شفافية في التمويل..معايير معلنة للمشاركة.. آليات لإتخاذ القرار.. قواعد لإدارة الجلسات.. وضمانات تمنع أي طرف..داخلياً كان أو خارجياً من احتكار أجندة الحوار أو توجيه نتائجه..

أما الأسماء..فلا ينبغي أن تتحول إلى قضية مركزية..

فاللجنة الحالية يمكن تطويرها وتوسيعها..ويمكن إضافة شخصيات وخبرات وممثلين لمكونات لم تشملها التشكيلة الأولى.. المهم ألا يتحول النقاش من سؤال ماذا نريد من الحوار؟ إلى من يجلس علي طاولاته؟

 

العنوان الثاني: اللجنة تتحاور ولا تتفاوض..

 

وهذا فصل مهم جداً للمسارات يحمي الحوار والدولة معاً

هنا ربما توجد أهم نقطة تحتاج إلى حسم منذ البداية.. الحوار الوطني ليس تفاوضاً..

التفاوض عملية سياسية محددة بين أطراف محددة.. لها ملفات وشروط والتزامات وموازين قوى..أما الحوار الوطني فهو عملية أوسع.. تستهدف إعادة بناء التوافق حول الدولة والمجتمع ومستقبل السودان..

ولهذا فإن خلط ملفات التفاوض العسكري والسياسي المباشر بعمل لجنة الحوار يمكن أن يربك مهمتها.. ويحولها من منصة وطنية جامعة إلى طرف غير معلن في عملية تفاوضية..

الدولة تتفاوض، وفق مؤسساتها واختصاصاتها مع من يحمل السلاح ضدها أو يواجهها عسكرياً..وفق ما تقتضيه مصالحها الوطنية وسيادتها وأمنها القومي..

أما الحوار السوداني–السوداني فينبغي أن يتجه إلى الأسئلة الأكبر والأبعد من الحرب.. كيف يعاد بناء الدولة؟ كيف تستعاد الثقة؟ كيف تعالج آثار الحرب؟ كيف يعود النازحون واللاجئون؟ كيف تعالج المظالم؟ كيف يعاد بناء الإقتصاد والمؤسسات؟.. وكيف يصبح السلاح وسيلة مستحيلة للوصول إلى السلطة أو فرض المطالب السياسية؟..الفصل بين المسارين ليس تفصيلاً إجرائياً..الفصل ضرورة لحماية الحوار من أن يتحول إلى امتداد سياسي للمواجهة العسكرية..

بل إن الحوار الوطني الحقيقي ينبغي أن يبدأ من نقطة أبعد..كيف نبني السودان الذي لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يجلس أبناؤه إلى طاولة واحدة؟.

 

العنوان الثالث: حوار لا يستثني أحداً.. ولا يسمح لأحد باختطافه..

 

إذا كانت اللجنة تريد أن تمنح مبادرتها قيمة وطنية حقيقية..فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون الإنتقال من مجرد تهيئة المناخ إلى وضع موجهات وآليات للحوار السوداني الشامل..

السودان يحتاج إلى حوار يتجاوز النخب السياسية التقليدية ليشمل الأحزاب والحركات.. والإدارات الأهلية.. والنقابات والمهن.. والجامعات، والشباب والمرأة.. والمجتمع المدني.. ورجال الأعمال.. والمثقفين والإعلاميين.. والنازحين واللاجئين.. وكل المكونات التي تملك مصلحة حقيقية في مستقبل البلاد..

لكن لا استثناء لأحد لا تعني غياب المعايير..

فالشمول لا يعني أن يمتلك كل طرف حق تعطيل الحوار.. ولا يعني مساواة من يمارس العمل السياسي بمن يستخدم السلاح.. ولا يعني السماح بتحويل الطاولة إلى ساحة أخرى للصراع..

المطلوب..حوار لا يستثني السودانيين..لكنه لا يسمح لأحد باختطافه..

ويمكن للجنة أن تنتقل إلى مرحلة أكثر نضجاً عبر مشاورات واسعة.. وجلسات استماع داخل الولايات والمناطق الآمنة.. ومنصات متخصصة للشباب والمرأة والمجتمع المدني والمهنيين والإدارات الأهلية..ثم مؤتمر تأسيسي يضع الإطار العام للحوار.. يعقبه حوار قطاعي ومجتمعي..وصولاً إلى مؤتمر وطني جامع..

وبذلك تصبح اللجنة جهة لهندسة المسار وليس مجرد جهة لتنظيم جلسات..

 

من تهيئة المناخ إلى هندسة الطريق..

 

المطلوب الآن وثيقة تأسيسية واضحة تحدد المبادئ والموجهات.. ومعايير المشاركة.. وقواعد إدارة الحوار.. وآليات اتخاذ القرار..وكيفية اعتماد المخرجات.. ثم الجهة أو الجهات التي تتولى متابعة تنفيذها..

يمكن أن يسير المسار في مراحل واضحة..

تهيئة ومشاورات أولية → مؤتمر تأسيسي → حوارات قطاعية ومجتمعية → مؤتمر وطني جامع → وثيقة مخرجات → آلية تنفيذ ومتابعة..

وبذلك تصبح مسؤولية الدولة موازية لمسؤولية اللجنة في أن توفر الأمن والضمانات.. وأن تحمي حق المشاركين في التعبير..وأن تلتزم بما يترتب عليها من مخرجات.. لكن دون أن تتحول الرعاية إلى وصاية..

في المقابل..على اللجنة أن تثبت إستقلالها بالممارسة العملية والنفاذ المباشر للعمل والترتيب والمبادرة والمبادأة..

فالخرطوم ليست مجرد مكان لانعقاد المؤتمر..لأن انعقاد الحوار داخل السودان.. تحت حماية الدولة..يمكن أن يحمل رسالة سياسية مهمة في أن السودانيين قادرون على إدارة نقاشهم الوطني في وطنهم..وأن الخارج يمكن أن يكون داعماً لذلك لكنه ليس صاحب قرار بأي حال..

 

الإختبار الحقيقي.. ماذا سيبقى بعد انتهاء المؤتمر؟

 

واضح جداً..في ظل الغبار الكثيف الذي ثار بين يدي الإعلان عن اللجنة نفسها.. وقبل أن تبدأ عملها أن الإختبار الحقيقي هو.. هل تستطيع أن تحول الحوار من حدث إحتفائ إلى مسار إستراتيجي..وإلى مخرجات..ومن مخرجات إلى واقع؟

ينبغي ألا نضيع البوصلة في معركة الأسماء..

الأشخاص يتغيرون.. واللجان تتوسع..والهياكل قابلة للمراجعة..لكن الحاجة إلى حوار وطني حقيقي أكبر من أي تشكيل وأبعد من أي اسم..

السودان لا يحتاج وقد لا يحتمل مبادرة أخرى تنتهي إلى بيان جديد..

السودان يحتاج إلى مسار سوداني يملك السودانيون مفاتيحه..تحدد الدولة فيه موقعها كراعٍ وضامن.. وتحدد اللجنة موقعها كمنظم مستقل للحوار.. وتُفصل فيه بوضوح ملفات الحوار الوطني عن تفاوض الدولة مع المتمردين.. ويجد فيه الجميع مساحة للمشاركة دون أن يجد أحد مساحة لاختطاف المسار..

إن نجحت اللجنة في ذلك يمكن أن تتحول من مجرد جسم أُعلن عنه في مؤتمر صحفي إلى نقطة انطلاق لحوار يؤسس لما بعد الحرب..ويعيد بناء الثقة..ويستعيد الدولة..ويمنح السودانيين فرصة أخيرة لصناعة مستقبلهم بأيديهم..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى