الحدود السودانية التشادية.. رسائل بالنار وسط تصاعد التوتر

واشنطن تحذر من تمدد الحرب خارج الحدود

الخرطوم تطالب بتحقيق مستقل

خبير عسكري: رفع تشاد التأهب إجراء تحوطي ولا أستبعد عملاً عدائياً محدوداً

خطوط إمداد الدعم السريع من ليبيا وتشاد تحت ضغط الضربات الجوية

عبدالغني عبدالفراج: الدعم الخارجي أبقى المليشيا في ساحة القتال

العودة – الخرطوم

 

تدخل الحدود السودانية التشادية مرحلة جديدة من التوتر، مع تصاعد الاتهامات بشأن ضربات جوية داخل الأراضي التشادية، بالتزامن مع تطورات ميدانية في دارفور وضغوط متزايدة على خطوط إمداد مليشيا الدعم السريع القادمة من ليبيا وتشاد. وبينما تحذر واشنطن من تمدد الحرب خارج الحدود، تنفي الخرطوم مسؤولية الجيش عن استهداف الأراضي التشادية، في وقت ترفع فيه نجامينا درجة الاستعداد على حدودها مع السودان، وسط مخاوف من تحول التوتر الحدودي إلى جبهة جديدة في الحرب.

 

تصعيد حدودي

 

بدأ التصعيد الأخير عقب اتهامات تشادية للجيش السوداني بتنفيذ ضربات جوية استهدفت قافلة مركبات داخل إقليم إنيدي الشرقي، على بعد أكثر من 100 كيلومتر من الحدود السودانية. ونفت وزارة الخارجية السودانية مسؤولية القوات المسلحة عن الهجمات، مطالبة بإجراء تحقيق مهني ومستقل لتحديد الجهة المسؤولة.

 

ودخلت واشنطن على خط الأزمة، إذ نددت بالضربات ودعت إلى وقف العنف ومنع امتداد الحرب السودانية إلى دول الجوار، كما شددت على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وطالبت بوقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.

 

وأكدت الخارجية السودانية احترام الخرطوم لسيادة تشاد ووحدة أراضيها وسلامة حدودها، وانتقدت ما وصفته بإطلاق اتهامات وتحميل القوات المسلحة المسؤولية قبل إجراء تحقيق مستقل، مؤكدة أن الجيش يؤدي واجبه في الدفاع عن البلاد مع الالتزام بعدم استهداف أراضي دول الجوار.

 

وفي تطور متصل، اتهمت الخارجية السودانية إثيوبيا بالسماح بشن هجمات بطائرات مسيّرة على الأراضي السودانية، وقالت إن لديها «إثباتات وأدلة قاطعة» على تلك الاعتداءات، في مؤشر على اتساع دائرة الاتهامات الإقليمية المرتبطة بالحرب.

 

حسابات تشاد

 

في خضم هذا التصعيد، يرى الخبير العسكري اللواء الركن المتقاعد عبدالغني عبدالفراج أن رفع تشاد درجة الاستعداد القصوى على الحدود لا يعني بالضرورة قراراً بالدخول في حرب، وإنما يمثل في الأساس إجراءً تحوطياً تتخذه الدول لحماية حدودها والاستعداد لمختلف الاحتمالات.

 

وقال عبدالفراج لـ«العودة» إن الحروب بين الدول عادة ما تأتي بعد استنفاد الحلول الدبلوماسية، مشيراً إلى أن تشاد لم تدخل الحرب السودانية بقوات عسكرية مباشرة، لكنها تحولت، بحسب تقديره، إلى ممر للدعم اللوجستي المقدم إلى مليشيا الدعم السريع.

 

ولفت إلى أن القوات التشادية دخلت في اشتباكات عدة مع مجموعات تابعة للمليشيا، ما يعني أن نجامينا تواجه بدورها تهديدات أمنية على حدودها، لكنها تجد نفسها أمام حسابات وضغوط إقليمية معقدة.

 

ويرى عبدالفراج أن أي مواجهة مباشرة بين تشاد والسودان ستكون محفوفة بالمخاطر، خصوصاً مع وجود قبائل مشتركة على جانبي الحدود، فضلاً عن هشاشة الأوضاع الأمنية داخل تشاد ووجود معارضة مسلحة تمثل تحدياً للحكومة.

 

كما أشار إلى أن تشاد دولة مغلقة لا تمتلك منفذاً بحرياً، وكانت تعتمد في السابق على ميناء بورتسودان في جانب من وارداتها، بينما تمر طرقها البديلة حالياً عبر ليبيا وغرب أفريقيا، الأمر الذي يجعل علاقتها بالسودان ذات أهمية استراتيجية.

 

إمداد مستهدف

 

ولا يستبعد الخبير العسكري أن يكون تحريك القوات التشادية باتجاه الحدود جزءاً من ترتيبات تهدف إلى «شد الأطراف» وإشغال الجيش السوداني بأعمال حدودية بعيداً عن مواقع القتال الرئيسية، معتبراً أن الهدف، بحسب تقديره، هو تخفيف الضغط عن الدعم السريع في مرحلة تواجه فيها المليشيا تحديات متزايدة.

 

وتأتي هذه القراءة في وقت أصبحت فيه خطوط إمداد الدعم السريع، خصوصاً القادمة من ليبيا عبر الصحراء، أكثر عرضة للاستهداف الجوي، وفق عبدالفراج، الذي يرى أن تدمير الإمدادات قبل وصولها إلى وجهاتها أحدث ارتباكاً في قيادة المليشيا وأضعف قدرتها على توفير احتياجاتها القتالية.

 

ويضيف أن المليشيا تواجه ضغوطاً أخرى، من بينها عزوف الشباب عن التجنيد، ورفض إدارات أهلية عمليات التجنيد، وصعوبات علاج الجرحى والمصابين، فضلاً عن النزوح من المناطق التي كانت تعتمد عليها في توفير عناصر بشرية جديدة.

 

ويقول عبدالفراج إن هذه العوامل انعكست سلباً على الأداء العسكري للمليشيا، معتبراً أن الدعم الخارجي هو العامل الرئيسي الذي أبقاها قادرة على الاستمرار في القتال، وأن تراجع خطوط الإمداد قد يفاقم أزمتها الميدانية.

 

تدخل إقليمي

 

ولا يحصر عبدالفراج المشهد في الحدود التشادية، إذ يشير إلى تحركات إقليمية أخرى يرى أنها تؤثر في مسار الحرب، بينها ما يصفه بتدخل إثيوبي في النيل الأزرق، وتحركات مرتبطة بجنوب السودان في أبيي، إلى جانب خطوط الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد.

 

وبحسب تقديره، فإن تزامن هذه التحركات يضغط على الجيش السوداني من أكثر من اتجاه، ويهدف إلى تشتيت جهوده ومنع استثمار تقدمه الميداني، خصوصاً بعد التطورات التي شهدتها جبهات دارفور.

 

ويحذر الخبير من أن فتح جبهة جديدة على الحدود الغربية قد لا يبقى محصوراً في إطار المواجهة مع السودان، مشيراً إلى أن أي تدخل عسكري تشادي داخل الأراضي السودانية قد يمنح المعارضة التشادية فرصة للتحرك ويضع الحكومة في مواجهة ضغوط داخلية إضافية.

 

ويرى عبدالفراج أن القيادة التشادية تدرك أن استقرار السودان واستعادة الدولة لعافيتها قد ينعكسان على مستقبلها السياسي والأمني، ولذلك تتعامل، بحسب تقديره، بحذر مع الملف الحدودي، رغم الضغوط التي تواجهها.

 

وبينما تتبادل الخرطوم ونجامينا الاتهامات بشأن الضربات داخل الأراضي التشادية، تبدو الحدود الغربية مرشحة لتكون واحدة من أكثر ملفات الحرب السودانية حساسية خلال المرحلة المقبلة. فكلما ازداد الضغط على خطوط الإمداد، واتسعت دائرة التدخلات الإقليمية، ارتفعت مخاطر انتقال المواجهة من حرب داخلية إلى صراع عابر للحدود.

 

وفي ظل غياب تحقيق مستقل يحسم المسؤولية عن الضربات الأخيرة، يبقى التصعيد الحدودي محكوماً بحسابات دقيقة؛ ففتح جبهة جديدة قد يربك الحسابات العسكرية والسياسية لجميع الأطراف، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية يصعب احتواؤها داخل حدود السودان وتشاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى