السودان يستعيد ثقة الأشقاء الكوايتة

جوانب مهمة من رحلة الثلاثة أيام
فتح آفاق التعاون المصرفي ودعم العلاقات التجارية والاستثمارية
وزير الخارجية: نتطلع لشراكات جديدة في الأمن الغذائي والطيران
طرح إمكانية إقامة شراكة بين «سودانير» و»الخطوط الكويتية» أو شركة طيران الجزيرة
تقرير: العودة
على الرغم من أن زيارة الوفد الوزاري الرسمي إلى دولة الكويت الشقيقة لم تحظ بالاهتمام الإعلامي المطلوب، الا ان ذلك لن يقلل من قيمتها كخطوة مهمة في إطار تطبيع العلاقات الأخوية مع الأشقاء في دولة الكويت وبالتالي احياء سياسات تبادل المنافع وفتح آفاق التعاون بين البلدية في مجالات حياتية عديدة تبدأ وتنتهي بالاقتصاد والاستثمارات المنتظرة على اكثر من بارقة أمل تلوح في الأفق.
الاربعاء الماضي هبط طائرة الوفد الوزاري الرفيع بمطار الدولة الخليجية الشقيقة، وسط حفاوة كبيرة من الجانب الكويتي، حيث سلّم وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، رسالة خطية من رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى أمير الكويت مشعل الأحمد.. ووصل سالم مع وفده إلى الكويت في زيارة رسمية استغرقت ثلاثة أيام، ضم وزير المالية جبريل إبراهيم ومحافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني، بغرض إجراء مباحثات اقتصادية غابت طويلا ما بين الدولتين بسبب عوامل سياسية ومتأرجحة أحدثت الكثير من التباعد الذي الذي وصل في أحيان كثيرة إلى مرحلة التباغض خصوصا إبان أحداث حرب الخليج الأولى والثانية ومواقف الحكومة السودانية السابقة غير المبررة تجاه الأشقاء في الكويت.
المصالح المشتركة
ومن جانبها قالت وزارة الخارجية الكويتية، في بيان لها أثناء زيارة الوفد السوداني، إن “مشعل الأحمد الجابر الصباح تسلّم رسالة خطية من رئيس مجلس السيادة، تتعلق بالعلاقات الأخوية الثنائية التي تجمع البلدين الشقيقين وسبل تعزيزها وتنميتها في مختلف المجالات”.
وأشارت إلى أن الرسالة تسلّمها ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح من وزير الخارجية السوداني، وأفادت بأن وزير الخارجية الكويتي عبد الله علي اليحيا عقد لقاءً مع نظيره السوداني، حيث بحثا العلاقات الأخوية التي تربط البلدين والشعبين الشقيقين وسبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات بما يحقق المصالح المشتركة.
وذكرت أن اللقاء ناقش عدداً من القضايا محل الاهتمام المشترك، إضافة إلى استعراض آخر التطورات الإقليمية والجهود المبذولة بشأنها، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة.
وتبادل البلدان خلال العقد الأخير الدعم الدبلوماسي باستمرار، حيث ظلت الخرطوم تتضامن مع الكويت في حماية أمنها وسيادتها ضد أي تهديدات خارجية، فيما دعمت الكويت وحدة السودان واستقراره السياسي.
ومن جانبها ردت وزارة الخارجية السودانية التحية في بيان لها ايضا، وقالت إن زيارة وزيري الخارجية والمالية ومحافظ بنك السودان المركزي إلى الكويت تتناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب بحث التطورات الإقليمية، ومناصرة ومؤازرة الكويت في ظل ما تتعرض له من عدوان.
وأوضحت أن الزيارة تشمل مباحثات اقتصادية ومالية، حيث يلتقي وزير المالية نظيره الكويتي وعدداً من مسؤولي الصناديق ومؤسسات التمويل الكويتية والعربية.
توسيع التعاون المصرفي
اما محافظ بنك السودان المركزي السيدة آمنة ميرغني فقد عقدت لقاءات مع نظيرتها الكويتية وعدد من مسؤولي المؤسسات المالية والمصرفية، وبحثت فرص توسيع التعاون المصرفي ودعم العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
حشد الدعم
ويسعى السودان إلى حشد الدعم الاقتصادي لإعادة إعمار البلاد ومعالجة التداعيات الاقتصادية للحرب المستمرة منذ أبريل 2023، في ظل تضرر القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية وتراجع النشاط المصرفي والاستثماري.
تعزيز الاستثمار والشراكة الاقتصادية
من جانبه بحث وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم، رفقة محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني، مع العضو المنتدب للهيئة العامة للاستثمار بدولة الكويت الشيخ سعود سالم عبد العزيز الصباح، سبل تعزيز التعاون الاقتصادي وآليات جذب رؤوس الأموال الكويتية؛ وذلك بحضور سفير السودان لدى دولة الكويت السفير عوض الكريم الريح.
واستعرض اللقاء حزمة من الملفات الاستثمارية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب مناقشة الترتيبات العملية لتحويل العلاقات التاريخية والروابط الأخوية بين البلدين إلى مشروعات تنموية وشراكات إنتاجية ملموسة.
وجدد وزير المالية التزام الحكومة بتهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وإزالة العقبات الإدارية واللوجستية أمام حركة التجارة والتدفقات المالية؛ بما يتيح للمستثمرين الكويتيين الاستفادة من الفرص الواعدة. كما قدم طرحًا مفصلاً للموارد والإمكانات الوطنية، مستعرضًا المشروعات ذات الأولوية في قطاعات الزراعة، والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والتعدين والذهب، فضلاً عن تطوير الموانئ والبنية التحتية.
من جانبها، سلطت محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني الضوء على الجوانب المالية والمصرفية الداعمة للنشاط التجاري والاستثماري؛ حيث أكدت أهمية رفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المصرفية في البلدين، وتسهيل إجراءات المعاملات والتحويلات المالية، إلى جانب ابتكار صيغ تمويلية للمشروعات الاستراتيجية تعزز ثقة المستثمرين وتدعم الاستثمارات طويلة الأجل.
وفي السياق ذاته، أبدى الجانب الكويتي اهتمامًا صريحًا بتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي مع الخرطوم، واستكشاف الفرص المتاحة لا سيما في مجالات الأمن الغذائي والمعادن والقطاعات ذات الميزة النسبية.
واتفق الطرفان في ختام المباحثات على إحالة المشروعات والملفات المطروحة إلى اللجان الفنية المختصة لدى الجانبين؛ لتقييمها واستكمال دراسات الجدوى اللازمة، تمهيدًا لدخولها مرحلة التنفيذ الفعلي خلال الفترة المقبلة، ضمن مساعي السودان لتوسيع شراكاته الإقليمية ودعم جهود التعافي الاقتصادي.
وزيرا مالية البلدين
وعلى ذات الصعيد، استقبل وزير المالية أ.د.يعقوب الرفاعي، نظيره وزير المالية والتخطيط الاقتصادي في جمهورية السودان د.جبريل إبراهيم، وذلك بحضور عدد من المسؤولين في وزارة المالية ووزارة الخارجية وممثلين عن سفارة جمهورية السودان لدى دولة الكويت.
حيث تم خلال اللقاء التطرق إلى العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع البلدين الشقيقين والخطط الكفيلة لتنميتها خلال الفترة المقبلة، كما تم تبادل الآراء حول عدد من المواضيع المالية والاقتصادية التي تجمع البلدين والحرص على التعاون المستقبلي في عدد من المجالات ذات الأولوية.
يأتي هذا اللقاء في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها وزير المالية والتخطيط الاقتصادي ضمن وفد حكومي من جمهورية السودان الشقيقة إلى الكويت.
جبريل إبراهيم: تفاؤل باستعادة السيطرة
ومن ضمن الأنشطة المصاحبة لبرنامج وفد السودان بدولة الكويت الشقيقة وختام الزيارة التي استغرقت ثلاثة ايام، نظمت الجالية السودانية هناك لقاء مثمرا بالسيد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، جبريل إبراهيم، الذي قال إن هناك تفاؤلًا باستعادة الجيش السوداني والقوات والمجموعات المساندة السيطرة على جميع مناطق البلاد بنهاية العام الجاري.
وأوضح جبريل، خلال كلمة أمام الجالية السودانية في الكويت، أن أعدادًا كبيرة من عناصر مليشيا الدعم السريع استسلمت، مشيرًا إلى أن بعض حالات الاستسلام معلنة وأخرى غير معلنة.
وأقر الوزير بارتفاع التكلفة المالية للحرب، قائلًا إن «الحرب تحرق المال صباحًا ومساءً»، وإن توقف الإنتاج في أجزاء واسعة من البلاد جعل الوضع الاقتصادي «غير مريح».
وأشار إلى أن السودانيين في الخارج تحملوا جانبًا كبيرًا من أعباء الحرب، عبر تحويلات مالية بمليارات الدولارات إلى أسرهم ومجتمعاتهم داخل السودان، وإلى اللاجئين في مصر وأوغندا ودول أخرى، لافتًا إلى تآكل قيمة الجنيه السوداني.
وقال جبريل إن الحكومة كانت تتوقع تدهورًا اقتصاديًا أكبر، معتبرًا أن الوضع الحالي ليس استثنائيًا في ظل الحروب، وأضاف أن الشعب السوداني «يعاني حاليًا بلا شك»، لكنه متفهم لحقائق المرحلة.
وأكد أن التكافل الاجتماعي بين السودانيين أسهم بصورة كبيرة في امتصاص آثار الحرب، مشيرًا إلى أن الأسر ذات الموارد المحدودة استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين واللاجئين، دون الاعتماد على إنشاء معسكرات إيواء واسعة أو انتظار المساعدات الغذائية.
وأضاف أن الحكومة بدأت تدريجيًا استعادة التعافي الاقتصادي، مدفوعةً بنشاط قطاع التعدين وعودة المزارعين والعمال إلى الإنتاج.
وزير الخارجية: الكويت أكبر داعم لبلادنا… ويصعب أن نوفيها حقها
وفي ذات الصعيد أكد وزير الخارجية والتعاون الدولي، محيي الدين سالم، عمق العلاقات التاريخية التي تجمع السودان والكويت، مشيداً بالدور الكويتي الكبير في دعم بلاده سياسياً واقتصادياً وإنسانياً. وأكد أن الكويت «كانت ولا تزال من أكبر الداعمين للسودان».
وقال سالم، خلال مؤتمر صحافي في ختام زيارته للكويت، إن الزيارة جاءت في إطار الحرص على فتح أبواب جديدة للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، مؤكداً أن المسؤولين الكويتيين أبدوا استعداداً للمساعدة، وهو ما حظي بتقدير بالغ من الجانب السوداني.
وشدد على أن بلاده تنظر إلى الكويت باعتبارها شريكاً تاريخياً ومهماً، مؤكداً أن الخرطوم تتطلع إلى الاستفادة من الخبرة الكويتية في مجالات الاستثمار والتنمية، والعمل على تطوير العلاقات الثنائية بما يحقق مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.
وأشاد سالم بالحضور الكويتي التاريخي في السودان، مستعرضاً عدداً من المشاريع والاستثمارات الكويتية التي قال إنها تمثّل «شواهد حية» على عمق الدعم الكويتي للسودان، ولافتاً إلى أن هذه المشاريع وغيرها جعلت الكويت «أكبر داعم للسودان»، مؤكداً أن الدعم الكويتي لم يتوقف حتى في أصعب الظروف.
وأوضح أن الكويت ظلت تستجيب لاحتياجات السودان في قطاعات المياه والكهرباء والصحة وغيرها، حتى في حالات تعثُّر السودان عن سداد بعض الأقساط.
وأضاف: «لا نستطيع أن نوفي الكويت حكومة ورجال أعمال وخيرين حقها»، مؤكدا أن ما يقوله ليس مجاملة، وإنما نابع من تجربة شخصية عاشها خلال فترة عمله سفيراً للسودان لدى الكويت.
وقال: «أنا الآن وزير، وهناك واجب عليّ وحق للكويت في رقبتي»، في إشارة إلى تقديره للدور الذي أدته الكويت تجاه السودان، مؤكداً أن بلاده تتطلع إلى البناء على العلاقات التاريخية بين البلدين.
وأشار إلى أن الكويت يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في دعم الاستقرار والتعاون الإقليمي، لافتاً إلى أن الكويت «في قلب هذه الترتيبات»، سواء من خلال عضويتها في مجلس التعاون الخليجي أو ارتباطها الاستراتيجي بالسعودية.
الأمن الغذائي
وفي مجال الأمن الغذائي، طرح وزير الخارجية السوداني فكرة إحياء مبادرات ومشروعات مشتركة بين الشباب الكويتيين والسودانيين، تقوم على استثمار الأراضي والمياه والثروة الزراعية والحيوانية التي يمتلكها السودان لإنتاج غذاء صحي ونوعي للسوق الكويتية.
وكشف عن إمكانية التعاون بين السودان والكويت في مجال الطيران، مشيراً إلى أن شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) تمتلك خبرة تاريخية وكفاءات كبيرة، رغم الظروف الصعبة التي مرّت بها خلال السنوات الماضية.
وطرح إمكانية إقامة شراكة بين «سودانير» و»الخطوط الكويتية» أو شركة طيران الجزيرة، بما يتيح الاستفادة من حقوق الطيران السودانية والوصول إلى أسواق في إفريقيا وأوروبا لا تصل إليها شركات الطيران الكويتية حالياً.
وقال إن تمويل وتحديث أسطول «سودانير» وإقامة شراكة مع شركات كويتية يمكن أن يفتحا آفاقاً كبيرة أمام الشركتين، واصفاً ذلك بأنه «أحد الأفكار التي يأمل أن ترى النور».
الكويت حُفرت في القلب بمداد من ذهب
عبّر الوزير سالم عن مشاعره تجاه الكويت، مستذكراً فترة عمله سفيراً لبلاده لدى البلاد، وما تركته تلك المرحلة من علاقات وصداقات راسخة.
وقال: «الكويت حُفرت في القلب والخاطر بمداد من ذهب»، مؤكدا أن الروابط التي تجمعه بالكويت تتجاوز العلاقات الرسمية إلى علاقات إنسانية وشخصية عميقة.




