مشروع فضائية النيل الأبيض: رهان التأسيس بين التحديات التقنية والرؤية الاستراتيجية

تقرير: صديق السيد البشير

تستند ولاية النيل الأبيض على موارد بشرية وطبيعية راسخة تاريخاً وجغرافيا، ما يشكل ركيزة أساسية في تأسيس مشروع إعلامي صادق، وصناعة صورة تلامس الأسماع وتعانق الأبصار وتداعب العقول. وفي هذا السياق، يأتي القرار الولائي رقم (74) القاضي بتكوين لجنة تأسيسية لقناة النيل الأبيض، استكمالاً لرسالة الولاية الإعلامية التي انطلقت عبر تلفزيونها المحلي أيام بثه الأرضي، بجانب إذاعتها العريقة، سعياً لعودة الحضور المؤثر في الشاشات والموجات والمنصات الرقمية.

 

بين عراقة البث المحلي وتحديات الذكاء الاصطناعي

 

“قبل عام تقريباً تم تشكيل لجنة برئاسة الوالي لمشروع الفضائية، تمخّضت عنها لجنة فنية دون أن نعرف ما الذي أنجزته اللجنة العليا”، هكذا يتساءل دكتور عبدالله، مدير مركز سودان المستقبل، خبير التخطيط الاستراتيجي، مبدياً تخوفه من انبثاق اللجنة الفنية إلى لجان فرعية بمنطق “كان وأخواتها”. ويمضي في حديثه موضحاً أن الفضائية في عصر النانو تكنولوجيا واستثمار الذكاء الاصطناعي تحولت من مبنى إلى معنى، ومن جيش موظفين إلى شبكة أجهزة حاسوب ونبض تواصل وقبس تقاني قادر على إعادة تشكيل الصور الذهنية وتحويل اتجاهات الرأي العام.

 

دعوات لرأب الصدع وتجاوز الخلافات الإدارية

 

يصف الأستاذ سراج الدين مصطفى، عضو اللجنة الفنية المكونة حديثاً، الخطوة بالمهمة للغاية، مشيراً إلى أن التحديات لا تقتصر على الجوانب الفنية، بل تشمل البعد عن الصراعات و يدعو إلى ضرورة السعي لرأب الصدع بين مكونات الإعلام أفراداً ومؤسسات، وبث روح المحبة والاحترام والثقة المتبادلة، متجاوزاً الخلافات الشخصية حتى لا تتحول إلى عائق أمام مشروع ينتظره الجميع.

 

إرادة التمويل واستدامة النماذج الاقتصادية

 

في نظرة فاحصة على نص القرار، يتوقف الكاتب الصحافي الأستاذ حمدي عبدالرحيم طويلاً عند جملة “تأمين مصادر التمويل”، معتبرًا إياها مفتاح القرار؛ إذ إن المشروع بحاجة لالتقاء إرادة السلطة وإرادة أبناء الولاية في الداخل والمهجر، لكون موازنة الولاية وحدها لا تحمل تكلفة التأسيس.

من جانبه، يدعو الكاتب الصحافي الأستاذ عثمان شيخ الدين عكرة إلى قراءة متأنية لمشكلات القنوات الفضائية السودانية التي توقفت سابقاً، مؤكداً أن الأزمة تكمن في غياب النموذج الاقتصادي والإداري والإنتاجي القادر على ضمان الاستمرارية، متسائلاً عن آليات تدبير التمويل بعد الأشهر الأولى، وكيفية صناعة محتوى ينافس المنصات الرقمية الكبرى.

 

مسارات النجاح وبناء الهوية البصرية

 

بقراءات سريعة لتاريخ تأسيس الفضائيات الولائية، يتضح أن نجاح القناة رهين بالمضي في ثلاثة مسارات رئيسية:

*المسار الفني: الأجهزة، الاستديوهات، البث، وتزويد القناة بأحدث التقنيات العالمية.

*المسار المالي والإداري: وضع الهيكل الإداري الناجز وتأمين مصادر التمويل المستدام.

*المسار التدريبي: تأهيل الأطر البشرية وإنتاج باقة حديثة من القوالب البرامجية كالـ (البودكاست).

 

عودة لشاشة توقفت

 

يصف مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون بولاية النيل الأبيض، الأستاذ محمد مهدي عبدالقادر، في حوار سابق أجراه معه الأستاذ سراج الدين مصطفى لصالح صحيفة (العودة)، مشروع تأسيس فضائية الولاية بأنه: *”ليس مجرد عودة لشاشة توقفت، بل امتداد لتاريخ إعلامي بدأ من كوستي والجبلين وتطور إلى تلفزيون للولاية ويتجه اليوم إلى الفضاء الرقمي والفضائي. نريد فضائية حديثة تجمع الخبرة المهنية، والكوادر الشابة، والتكنولوجيا، لتكون صوتاً للنيل الأبيض، ومنبراً لقضاياها، ومساحة لتوثيق تاريخها والوصول إلى جمهور أوسع داخل السودان وخارجه”.

 

نحو أفق إعلامي مستدام

 

إن حلم إطلاق فضائية النيل الأبيض يتجاوز حدود القرار الإداري إلى معركة بناء وعي واستدامة تتطلب تضافر كافة الجهود الرسمية والشعبية. ولضمان ألا تضاف هذه التجربة إلى سجل القنوات المتعثرة، يتعين على اللجنة التأسيسية صياغة نموذج اقتصادي مرن، والنأي بالعمل الإعلامي عن التقاطعات الإدارية، وتبني هوية بصرية وبرامجية تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. وحين يلتقي إخلاص الكفاءات الإعلامية مع الإرادة السياسية والمجتمعية، ستغدو الشاشة الولائية مرآة حقيقية تنقل نبض الإنسان وتصنع فارقاً مستداماً في وجدان ووعي المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى