السودان.. مقعدٌ إقليمي لا يُمنح بالمجاملة

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

في السياسة الإقليمية، بعض المقاعد لا تُقرأ من خشب المنصة ولا من ترتيب الأسماء في جدول الاجتماعات؛ تُقرأ من حجم الثقة التي صنعتها الدول قبل أن يصل صاحب المقعد إليها.

 

ولهذا فإن تولي السودان رئاسة قوة شرق أفريقيا الاحتياطية «إيساف» لعام 2027، بقرارٍ صدر بالإجماع، ليس خبراً بروتوكولياً عابراً، ولا مناسبة تصلح لزينة البيانات الرسمية. وراء القرار دلالة أكبر من المنصب نفسه؛ فالدول العشر الأعضاء في القوة وضعت السودان في موقع القيادة، ووافقت على أن يستضيف اجتماعات المنظمة، في مؤسسة تقوم أصلاً على الأمن الجماعي والاستعداد للتعامل مع الأزمات والتهديدات التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة.

 

واللافت في المشهد أن الإجماع جاء من فضاء إقليمي شديد التعقيد، يجلس السودان فيه إلى جوار دول ذات ثقل سياسي وعسكري معتبر، من بينها إثيوبيا وأوغندا وكينيا ورواندا والصومال. ليست هذه جغرافيا عادية؛ إنها واحدة من أكثر خرائط القارة حساسية، حيث تتقاطع المصالح الأمنية، وتتحرك الأزمات عبر الحدود، وتصبح الدولة القوية ضرورة لاستقرار الإقليم لا ترفاً سياسياً.

 

ومن هنا تكتسب الرئاسة معناها الحقيقي.

 

السودان لم يدخل إلى «إيساف» من بوابة الشفقة، ولم يُدفع إلى المقعد دفعاً.

 

الإجماع ذاته يحمل رسالة.

 

رسالة تقول إن السودان، رغم الحرب وما خلفته من كلفة إنسانية وأمنية وسياسية، ما زال حاضراً في معادلات الإقليم، وما زالت مؤسساته قادرة على حمل أدوار تتصل بالأمن والسلام والاستجابة للأزمات.

 

والأهم من ذلك أن المجلس أشاد باستعداد السودان لتوفير قدرات الدعم الجوي والإمكانات اللازمة لعمليات المساعدة الإنسانية في الإقليم. وهذه نقطة تستحق أن تُقرأ بعناية؛ لأن الحديث هنا لا يدور عن دولة تنتظر المساعدة فقط، وإنما عن دولة يُنظر إليها أيضاً باعتبارها قادرة على تقديم قدرات وخبرات وإمكانات في منظومة أمنية إقليمية.

 

ذلك فارق كبير.

 

فالحرب قد تُضعف الاقتصاد، وقد تستنزف الموارد، وقد تُثقل الدولة بالملفات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمحو موقع دولة تمتلك الجغرافيا، والتاريخ، والمؤسسات العسكرية، والخبرة الطويلة في التعامل مع أزمات الإقليم.

 

السودان، في هذه المساحة تحديداً، ليس رقماً على الخريطة.

 

إنه قلب جغرافي يصل ويفصل، وممر استراتيجي تتجاور عند حدوده دوائر القرن الأفريقي والبحر الأحمر ووسط أفريقيا وشمالها. ومن يقرأ الأمن الأفريقي بعيداً عن السودان يقرأ نصف الصورة ويترك نصفها الآخر في الظل.

 

ولهذا تبدو رئاسة «إيساف» أبعد من مجرد تداول إداري للرئاسة.

 

إنها فرصة لإعادة تعريف الحضور السوداني في محيطه الإقليمي بلغة المصالح المشتركة، لا بلغة الأزمات وحدها.

 

فالسياسة الخارجية لا تُبنى بالشكوى من عزلةٍ مفترضة، وإنما بصناعة الحضور.

 

والسودان اليوم أمام فرصة لصناعة هذا الحضور من موقع مختلف: موقع الدولة التي تعرف معنى الأمن، وتعرف كلفة انهياره، وتدرك أن استقرار الإقليم يبدأ من احترام سيادة دوله وعدم تحويل أراضيها إلى ساحات مفتوحة للصراع بالوكالة.

 

ولعل اجتماع كمبالا حمل في طياته معنى آخر بالغ الأهمية.

 

السودان نفسه تحدث داخل الاجتماع عن استمرار دعم بعض الدول للميليشيا المتمردة، محذراً من أن مثل هذا السلوك يتناقض مع المبادئ التي قامت عليها المنظمة، وفي مقدمتها تعزيز السلام والأمن وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.

 

وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً.

 

الدولة التي تطالب باحترام سيادتها داخل مؤسسة إقليمية، هي نفسها الدولة التي ستتولى قيادة مؤسسة مهمتها الأساسية حماية الأمن الجماعي.

 

وهذه ليست مفارقة.

 

إنها مسؤولية.

 

رئاسة «إيساف» تمنح السودان منصة دبلوماسية وأمنية يمكن أن تتحول إلى مساحة واسعة لتثبيت مبدأ ظل السودان يردده: الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على التدخل في شؤون الدول، ولا على تسليح الفاعلين من خارج مؤسساتها، ولا على تحويل النزاعات الداخلية إلى مشاريع نفوذ إقليمي.

 

ومن هنا يمكن للسودان أن يتحدث بثقة، لا بعصبية.

 

أن يشرح موقفه دون أن يرفع صوته.

 

أن يجعل التجربة السودانية درساً إقليمياً في معنى أن تتحول الحدود المفتوحة إلى ممرات للسلاح، وأن تتحول الأزمات الداخلية إلى أدوات لتفكيك الدول.

 

وفي هذا السياق، فإن وجود إثيوبيا وأوغندا وسائر الدول الأعضاء في منظومة واحدة مع السودان يمنح الرئاسة القادمة أهمية إضافية؛ لأن المطلوب لن يكون إدارة اجتماعات فحسب، بل بناء مساحات تفاهم حول ملفات الأمن الحدودي، والإنذار المبكر، ومكافحة الجرائم العابرة للحدود، والاستجابة الإنسانية، والقدرة على التحرك الجماعي أمام الأزمات. والمنظمة نفسها تعمل ضمن منظومة القوة الأفريقية الاحتياطية، وتضم مكونات عسكرية وشرطية ومدنية.

 

وهنا ينبغي ألا يذهب السودان إلى الرئاسة بعقلية الاحتفال.

 

الرئاسة مسؤولية قبل أن تكون وجاهة.

 

ومطلوب من الخرطوم أن تجعل من هذا الموقع أداة لبناء المصالح، لا مجرد عنوان جديد في الأخبار.

 

مطلوب دبلوماسية هادئة، وعمل مؤسسي، وحضور عسكري مهني، وخطاب سياسي يعرف الفرق بين الحزم والتصعيد، وبين الدفاع عن السيادة والانغلاق، وبين المصالح الوطنية والحسابات الصغيرة.

 

السودان يستطيع أن يفعل ذلك.

 

لأن السودان ليس طارئاً على ملفات الأمن والسلام في القارة.

 

ولأن القوات المسلحة السودانية تحمل تاريخاً طويلاً من المشاركة في قضايا الأمن الإقليمي، ولأن البلاد نفسها عرفت معنى الحرب والسلام والوساطة والنزاعات الحدودية، فإن التجربة السودانية يمكن أن تتحول من جرحٍ مفتوح إلى معرفة سياسية وأمنية تستفيد منها المنطقة.

 

ولعل الرسالة الأهم في الإجماع الأفريقي أن الدول لا تتعامل مع السودان باعتباره ملفاً إنسانياً فقط.

 

هناك السودان الدولة.

 

هناك السودان الجغرافيا.

 

هناك السودان المؤسسة.

 

وهناك السودان الذي، رغم العاصفة، ما زال يمتلك القدرة على الجلوس إلى طاولة الإقليم في موقع القيادة.

 

هذه وحدها دلالة تستحق التوقف.

 

ففي عالم السياسة، أحياناً يكون المقعد نفسه رسالة.

 

ورسالة مقعد السودان في «إيساف» تقول إن الخرطوم لا تزال قادرة على العودة إلى دوائر الفعل الإقليمي من باب الأمن والسلام، لا من باب انتظار التعاطف.

 

ويبقى الامتحان الحقيقي في عام الرئاسة القادمة: هل يستطيع السودان تحويل الإجماع الذي حصل عليه إلى مشروع إقليمي أكثر قوة، وإلى صوت أفريقي واضح في مواجهة التدخلات الخارجية، وإلى مؤسسة أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات؟

 

ذلك هو السؤال.

 

أما الإجابة، فلن تكون في البيانات.

 

ستكون في الفعل.

 

هوامش السيادة

 

السيادة ليست كلمة تُكتب في مقدمة البيانات، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات. السيادة موقف، ومؤسسة، وقدرة على الحضور في المكان الذي تُصنع فيه القرارات.

 

والسودان، وهو يتقدم إلى رئاسة «إيساف» بإجماع الدول الأعضاء، لا يستلم مقعداً فقط؛ بل يستلم اختباراً جديداً لقدرته على تحويل موقعه الجغرافي، وثقله التاريخي، وخبرته الأمنية، إلى نفوذ دبلوماسي يخدم استقرار الإقليم ويحمي مصالح السودان.

 

فالسيادة التي لا تُترجم إلى حضور، تبقى شعاراً؛ أما السيادة التي تجلس إلى طاولة القرار، فتتحول إلى قوة.

 

وهذه واحدة من هوامش السيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى