منى أبوزيد تكتب : من يعارض من..!

هناك فرق

 

“في السياسة، يمكن أن تسقط حكومة، ويمكن أن تسقط معارضة، لكن سقوط الوطن لا يترك لنا منتصراً ليروي الحكاية”.. الكاتبة..!

 

ليست كل معارضة فضيلة، وليس كل اعتراض على الحاكم موقفاً وطنياً بالضرورة. فالمعارضة التي تفقد قدرتها على التمييز بين إسقاط النظام وإسقاط الوطن، قد تتحول من أداةٍ لمقاومة الظلم إلى أداةٍ لإنتاج ظلمٍ آخر، أكثر قسوةً لأنه يرتدي ثوب الخلاص..!

 

المعارضة السودانية في الخارج صنعت، في مراحل سابقة، جزءاً من مأساة العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على السودان في التسعينيات. ويومها لم يكن الحصار يستهدف جيوب المسؤولين، بل كان يحاصر أرواح البسطاء، مرضى يموتون لغياب الدواء، وطلاب يعجزون عن شراء الكتاب، وأمهات يقفن ساعات في صفوف الخبز. ومع ذلك ظل بعض المعارضين يتباهون بأنهم ساهموا في تلك العقوبات، وكأنهم انتصروا على خصومهم، بينما الحقيقة أنهم كانوا يهزمون شعبهم..!

 

وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى: حين يصبح إيذاء الناس دليلاً على نجاح المعارضة، يصبح الوطن نفسه رهينةً للصراع السياسي. فالعقوبة التي تُفرض على بلد لا تعرف كيف تفرّق بين الحاكم والمحكوم، لا تدخل القصر وحده، بل تدخل المستشفى والمدرسة والمخبز، وتصل إلى القرية التي لا يعرف أهلها اسم الوزير الذي عاقبه العالم، ولا يعرفون لماذا صار الدواء حلماً والخبز طابوراً..!

 

الذين تعلموا من خصومهم أسوأ دروس السياسة، الكيد، والتلفيق، والتحريض، والاستثمار في الخوف، صاروا يعارضون الحكومة بالطريقة التي كانت الحكومة تعارض بها خصومها. يختصرون الوطن في معسكر، والمجتمع في خصومة، والإنسان في رقم داخل معادلة السلطة. وحين تتقدم الرغبة في الانتصار على الرغبة في إنقاذ الناس، يصبح الفرق بين المعارض والحاكم أقل مما يتخيل كلاهما..!

 

المعارضة الحقة ليست تلك التي تتمنى أن يسقط السقف فوق رأس الخصم، ولو كان الساكن تحته شعباً بأكمله. المعارضة الحقة هي التي تقف مع الناس لا عليهم، وترفع صوتها بصدق لا ببهتان، وتدفع ثمن موقفها من جلدها لا من بطون الفقراء. وهي التي تعرف أن إسقاط نظام سياسي لا يستحق أن يكون ثمناً له إسقاط دولة، وأن كراهية الحاكم لا تمنح أحداً رخصة لكراهية الوطن..!

 

ولذلك تصبح “معارضة المعارضة” واجبة حين يتحول المعارض إلى صورةٍ مقلوبة من الحاكم الذي يعترض عليه، يكرّس للكراهية في الداخل، ويحرض المجتمع الدولي في الخارج، ثم يتعامل مع خراب البلاد باعتباره مجرد فاتورة جانبية لمعركته السياسية..!

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في وطنٍ مأزوم هو أن تتحول السياسة إلى سوق للمزايدة على آلام الناس. عندها يصبح الفقر مادة للدعاية، والحصار ورقةً للتفاوض، والدم وقوداً للخطاب، والمواطن مجرد شاهد صامت على صراع لا يملك فيه حتى حق الانسحاب..!

 

السياسة التي لا تضع قيمة الإنسان في أولوياتها ليست سياسة، بل تجارة خسيسة في سوق طلب السلطة. والعدو الأكبر للشعب ليس دائماً الحكومة؛ فقد يكون أحياناً معارضةً منافقة، لا تتورع عن بيع معاناة شعب بأكمله في سوق السياسة..!

 

فليس الوطني من يكره الحاكم أكثر، ولا المعارض من يرفع صوته أعلى. الوطني هو من يعرف أن الوطن أكبر من خصومته، وأن سقوط الظلم لا ينبغي أن يكون سقوطاً للناس معه. وفي النهاية، ليست البطولة أن تنتصر على خصمك، إذا كان انتصارك يعني أن تخسر البلاد التي تزعم أنك تعارض من أجلها!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى