البحر الأحمر بعد انسحاب البنتاغون: “عقد القرن الأفريقي” بين السيادة والابتلاع

بقلم/ د. عبد العزيز الزبير باشا
*تمهيد: من الخليج إلى مياهنا*
نشرت الـ Washington Post تقريراً خطيراً بتاريخ 18 أغسطس: البنتاغون يدرس سحب 40 ألف جندي من قواعد الخليج المدمرة ونقل مركز الثقل إلى ساحل البحر الأحمر والأردن وإسرائيل.
الرسالة واضحة: المعركة القادمة لن تكون على النفط. ستكون على الماء، والغذاء، والموانئ. أي على مستقبل السودان ومصر وإريتريا.
نحن أمام “إعادة تموضع” وليس انسحاب. والقرن الأفريقي هو الجائزة.
*المحور الأول: تفريغ الخليج وصناعة الفراغ*
تكلفة حرب إيران تجاوزت 37.5 مليار دولار، مع 5 مليار لإعادة إعمار 200 منشأة مدمرة. أمريكا استنزفت 1000 صاروخ اعتراض. ووصف مسؤول كبير ذلك بـ “فرصة مرة في الجيل” لإعادة النظر.
السيناريو: سحب من الكويت والبحرين والإمارات، والتموضع غرباً. من سيملأ الفراغ؟
“التحالف السعودي التركي الباكستاني” و “التحالف العربي الجديد” يتسابقان على الموانئ والقواعد.
هنا يبرز *الدور الإريتري المحوري*. إريتريا بامتلاكها 1200 كلم ساحل ومينائي عصب ومصوع هي مفتاح تأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. أي مشروع أمني للقرن بدون إريتريا هو وهم. إريتريا ليست هامشاً. هي عمود فقري لأي توازن جديد.
السودان بـ 800 كلم حدود بحرية وبورتسودان وسواكن يصبح “الرصيد الاستراتيجي”. إما أن نكون أصحاب القرار مع أشقائنا في إريتريا ومصر، أو نتحول إلى أرض مؤجرة للجميع.
*المحور الثاني: مشروع HR1939 والدور الإثيوبي الخبيث*
بالتوازي مع التحرك العسكري، يمضي مشروع HR1939 في الكونجرس. الهدف: شرعنة “إدارة التقسيم” وتجميد الدولة المركزية السودانية. تقارير ICG تمهد لنفس الفكرة: دولة ضعيفة غير قادرة على قرار سيادي.
لماذا الآن؟ لأن *الدور الإثيوبي الخبيث* يحتاج سوداناً مفكاً.
1. *مائياً*: سد النهضة يُدار كسلاح ابتزاز أحادي. يضرب كهرباء السودان وأمن مصر المائي. الهدف ليس كهرباء، الهدف هو كسر إرادة دول المصب.
2. *أمنياً*: محاولات جر السودان لصراعات حدودية وإقليمية لإلهائه عن ملف البحر الأحمر.
3. *سياسياً*: الترويج لفكرة “محور أديس” كبديل عن أي تكامل حقيقي في القرن.
دولة ضعيفة لا تستطيع أن تقول “لا” لقاعدة أجنبية، ولا توقع اتفاق يحمي النهر. هنا يلتقي كسر الدولة مع كسر السيادة المائية.
*المحور الثالث: مصر.. اتفاقية الدفاع المشترك هي الضمانة*
في هذا المناخ، يصبح *دور مصر حاسماً ووجودياً*. الأمن القومي المصري والسوداني والإريتري صار ملفاً واحداً.
لا نحتاج “شراكات شركات” ولا خطاب استثمار تقليدي. نحتاج *تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك* فوراً.
اتفاقية تجعل أي تهديد مائي أو عسكري على الخرطوم أو أسمرا أو بورتسودان هو تهديد مباشر للقاهرة.
هذا هو الردع الحقيقي أمام محاولات تحويل البحر الأحمر إلى ساحة تحالفات متنازعة.
مصر ليست شريكاً اقتصادياً فقط. مصر هي عمقنا الاستراتيجي وخط الدفاع الأول عن النهر والبحر.
*المحور الرابع: التكامل الاقتصادي بمنطق المصالح العليا*
لا نتحدث عن شركات ولا عن استثمار أجنبي مشروط. نتحدث عن *سياسة تكامل اقتصادي* ترفع “المصالح العليا” فوق كل اعتبار.
*1. الأمن الغذائي:*
70% من قمحنا مستورد. أي توتر في البحر الأحمر يرفع الشحن والتأمين. الحل: إعلان حالة طوارئ زراعية. التوسع الفوري في 500 ألف فدان قمح ري محوري سوداني-مصري-إريتري مشترك. رفع المخزون الاستراتيجي لتسعة شهور. من يملك الخبز لا يُبتز.
*2. الأمن المائي:*
تقديم ملف قانوني دولي موحد من السودان ومصر وإريتريا ضد أي تلاعب مائي أحادي. النيل والبحر الأحمر خطان لا يقبلان القسمة.
*3. كسر حلقة الاحتلال الناعم:*
ما يحدث ليس “أزمة”. هو مشروع ضغط متعدد:
*سياسياً*: HR1939 + ICG
*مائياً*: السد الأحادي
*عسكرياً*: إعادة تموضع البنتاغون
*مالياً*: شراء النخب وتسويق “فشل الدولة”
الهدف: عجز → طباعة → فقر → قبول بالتدخل مقابل الماء والخبز.
*الخلاصة: خطة “عقد القرن الأفريقي” – ثلاث محاور سيادية*
*أولاً: المحور الدفاعي*
تفعيل فوري لاتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر. وإدخال إريتريا كطرف أصيل في أي ترتيبات أمنية للبحر الأحمر. الـ 800 كلم حدودنا + سواحل إريتريا = درع واحد.
*ثانياً: المحور الاقتصادي التكاملي*
تكامل زراعي وصناعي ولوجستي بين الخرطوم والقاهرة وأسمرا. لا شركات أجنبية تتحكم. دولة مركزية قوية تدير مواردها لصالح شعبها أولاً. إعفاء جمارك القمح والدواء والوقود. وقف تمويل العجز بالطباعة.
*ثالثاً: المحور السياسي*
طي صفحة أي مشروع يشرعن التقسيم. حوار وطني خالص يوحد القرار. لا اقتصاد ينهض في دولة مجزأة، ولا أمن مائي في دولة ضعيفة.
*الكلمة الأخيرة: المهلة الأخيرة*
البنتاغون يغادر الخليج. والصراع قادم إلى مياهنا.
*الدور الإثيوبي الخبيث* يريدنا متفرقين. و *الدور الإريتري* يذكرنا أن التكامل ممكن. و *دور مصر* هو الضمانة.
إما أن نحول هذا التهديد إلى “عقد القرن الأفريقي” للسيادة، أو نستيقظ بعد عام لنجد أن الماء والخبز والميناء لم تعد بأيدينا.
التاريخ لا يرحم المتفرجين.




