الخرطوم وأنقرة: اختبار تحويل الانتصار العسكري إلى نفوذ اقتصادي ومشروع دولة 2030م

سلسلة مقالات السودان أولاً قراءات استراتيجية
بقلم/ د. محمد عوض محمد متولي
المحلل الاستراتيجي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
عندما استقبل وزير الدفاع التركي يشار غولر في مقر الوزارة بأنقرة رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا في أغسطس 2026م ، لم يكن الأمر مجرد مصافحة بروتوكولية بين عسكريين. كان إعلاناً صامتاً بأن الخرطوم عادت إلى طاولة صناعة التوازنات الإقليمية، وأن البحر الأحمر الذي طالما أعتبر ساحة نفوذ مغلقة أمام السودان قد فُتح بابه مجدداً ولكن هذه المرة من بوابة السيادة النشطة لا من بوابة الارتزاق.
الزيارة جاءت في لحظة مفصلية. السودان يخرج من حرب وجودية أعادت تعريف علاقته بذاته وبجيرانه، والقوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة الميدانية، والاقتصاد القومي يواجه معادلة صعبة قوامها 1700 كيلومتر ساحل غير مستثمر، و200 مليون فدان أراض زراعية غير مستغلة، وموارد معدنية تقدر بملايين الأطنان من الذهب والمعادن النادرة، وفي المقابل عجز في الميزان التجاري بلغ 3.2 مليار دولار في 2024م بحسب بيانات بنك السودان المركزي، واعتماد على استيراد 70% من القمح و90% من الدواء. أي أن لدينا جغرافيا قوة واقتصاد ضعف. وهنا بالضبط يبرز منطق التفكير الاستراتيجي الذي لا يسأل ماذا نملك اليوم بل ماذا يمكن أن نحوله إلى قوة دائمة بعد عشر سنوات.
أنقرة تدرك هذه المعادلة جيداً. تركيا التي أنفقت 5.5 مليار دولار على صادراتها الدفاعية في 2024م وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، تبحث عن عمق لوجستي مستقر في البحر الأحمر بعد أن بنت وجوداً في الصومال وليبيا وقطر. وهي لا تريد قاعدة عسكرية بالمعنى التقليدي بقدر ما تريد شريكاً يضمن لها ممراً آمناً للتجارة وموقعاً لتصدير مسيراتها وسفنها الحربية التي أثبتت كفاءتها في أوكرانيا وأذربيجان. السودان بدوره لا يبحث عن وصاية جديدة. يبحث عن نقل تقني حقيقي يخرجه من دائرة استيراد السلاح إلى دائرة التصنيع، وعن استثمارات في البنية التحتية لا تأتي مشروطة بملفات سياسية.
الرقم الذي يجب أن نتوقف عنده هو 4 مليار دولار. هذا هو حجم التبادل التجاري المستهدف بين البلدين خلال السنوات الخمس القادمة وفق ما تم تداوله في اللقاءات الثنائية. وهو رقم متواضع إذا قارناه بإمكانات البلدين، ولكنه ضخم إذا قرأناه كبداية. فتركيا يمكنها أن تدخل كشريك في إنشاء 3 مصانع للذخائر والمسيرات في السودان بتكلفة تقديرية 600 مليون دولار، وأن تسهم في تحديث ميناء بورتسودان ليرفع طاقته من 600 ألف حاوية سنوياً إلى 2 مليون حاوية، وأن تستثمر في الطاقة الشمسية في شمال السودان حيث سطوع الشمس يتجاوز 3000 ساعة سنوياً. في المقابل يحصل السودان على سوق تصديرية للمنتجات الزراعية المصنعة بدل تصدير القطن الخام والماشية الحية، وعلى تدريب 500 ضابط سنوياً في الأكاديميات التركية، وعلى مركز مشترك لمراقبة الملاحة في البحر الأحمر يقلل كلفة التأمين البحري التي ارتفعت 40% منذ 2023.
*لكن ماذا عن المواطن؟ البعد الاجتماعي للشراكة*
التحول الاستراتيجي لن يكتمل إذا لم يلمسه المواطن مباشرة. الشراكة مع أنقرة يجب أن تترجم إلى فرص عمل في مصانع التصنيع الحربي والمدني الجديدة في عطبرة والجيلي، وإلى خفض تدريجي في فاتورة استيراد الدواء والقمح عبر إنشاء مصانع أدوية بتقنية تركية وتوطين زراعة القمح بالري المحوري في الشمالية. كما أن تحديث ميناء بورتسودان يعني وظائف لوجستية ونقل وتخفيض كلفة السلع المستوردة. باختصار، السيادة لا تقاس فقط بالقرار السياسي، بل بقدرة الدولة على تحسين معيشة الناس.
*خارطة طريق مقترحة حتى 2030م*
حتى لا تبقى الأرقام حبراً على ورق، نقترح جدولاً زمنياً من مرحلتين:
1. *المرحلة الأولى 2025م-2027م: التأسيس*
تحديث البنية التحتية لميناء بورتسودان، بدء تدريب 500 ضابط سنوياً، إطلاق أول مصنعين للذخائر الخفيفة والمسيرات، وتوقيع اتفاقيات تصدير زراعي مصنع.
2. *المرحلة الثانية 2027م-2030م: التمكين*
إنشاء بورصة سودانية للمعادن، وبنك سيادي لا يبيع الذهب الخام، ومدن صناعية زراعية على ضفاف النيل، وسكك حديد تربط دارفور وكردفان بالميناء. الهدف أن يصبح السودان مصدراً لا مستورداً.
لكن الأهم من الأرقام هو الرسالة. الرسالة الأولى للداخل السوداني مفادها أن قرار التحالفات عاد إلى مؤسسات الدولة. لم تعد المليشيات ولا الوسطاء هم من يحددون من يزور ومن يصافح. الرسالة الثانية للإقليم تقول إن السودان لن يكون ساحة مفتوحة لصراع المحاور. ففي الوقت الذي تتسابق فيه دول على موانئ جيبوتي وإريتريا، يأتي السودان ليقول إن لديه أطول ساحل وسيحدد هو شروط الشراكة. الرسالة الثالثة للمجتمع الدولي أن أي ترتيب لأمن البحر الأحمر يتجاهل الخرطوم سيكون ترتيباً ناقصاً ومؤقتاً.
*إدارة المخاطر وتبديد المخاوف*
بطبيعة الحال هناك مخاطر. أبرزها أن تتحول الشراكة إلى تبعية اقتصادية جديدة، أو أن تثير حساسية مصر وإثيوبيا ودول الخليج في ملف حساس مثل سواكن. وهنا يبرز دور العقل الاستراتيجي. فالعقد المقترح يجب أن يكون عقداً سيادياً بزمن محدد وبنود شفافة. منطقة لوجستية حرة لا قاعدة دائمة. نقل تقني مقابل امتيازات تصدير لا مقابل نفوذ سياسي.
والأهم أن السودان يجب أن يتبنى سياسة “تنويع الشركاء لا استبدالهم”. أي اتفاق مع أنقرة سيتم عرضه بشفافية على القاهرة والرياض وأديس أبابا لتأكيد أن هدفنا أمن إقليمي مشترك لا محاور متصارعة.
إذا نظرنا إلى 2030م سنجد أن السودان أمام خيارين. الأول أن يبقى مستورداً للقمح والدواء والسلاح، ينتظر المعونات ويبيع موارده خاماً. الثاني أن يحول هذه الزيارة إلى مشروع دولة. مشروع يبدأ بإنشاء بورصة سودانية للمعادن، وببنك سيادي لا يبيع الذهب الخام، وبمدن صناعية زراعية على ضفاف النيل، وبسكك حديد تربط دارفور وكردفان بميناء بورتسودان. تركيا يمكن أن تكون شريكاً في هذا المشروع ليس لأنها ملاك، بل لأن مصالحها تتقاطع مع مصالحنا في هذه اللحظة التاريخية.
الخلاصة أن زيارة أنقرة ليست نهاية المطاف ولا بدايته. هي اختبار. اختبار لقدرتنا على تحويل الانتصار العسكري إلى نفوذ اقتصادي، وتحويل الموقع الجغرافي إلى دخل قومي، وتحويل الشراكات إلى سيادة. وكما يقول كتاب “التفكير الاستراتيجي” فإن الاستراتيجية لا تبدأ عندما تتحرك الدول، وإنما عندما تبدأ في التفكير. وقد بدأ السودان يفكر.



