السودان.. وحدةٌ لا تُساوَم وسيادةٌ لا تُستأذن

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

في الخرطوم، لا تبدو زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي مجرد محطة دبلوماسية عابرة، ولا مجرد لقاءات بروتوكولية تُضاف إلى دفتر العلاقات بين السودان والاتحاد الأفريقي. فالكلمات التي قيلت من قلب العاصمة تحمل دلالة تتجاوز قاعات الاجتماعات؛ لأنها لامست جوهر القضية السودانية: السودان دولة واحدة، وسيادته ليست مجالاً للمساومة، ووحدة أراضيه ليست ورقة تفاوض.

 

مجلس السلم والأمن الأفريقي أكد موقفه الثابت باحترام سيادة السودان وسلامة ووحدة أراضيه، ورفض التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية، كما رفض محاولات إنشاء كيانات أو حكومات موازية.

 

*وهنا تحديداً تكمن أهمية الموقف.*

 

فالسودان لا يحتاج من أحد أن يمنحه شهادة في وطنيته، ولا ينتظر من الخارج أن يقرر له شكل دولته أو مستقبل شعبه. ما يحتاجه السودان هو أن يفهم العالم أن الوصاية ليست سلاماً، والتدخل ليس وساطة، وتقسيم الدولة ليس حلاً سياسياً.

 

لقد ظل السودان طوال سنوات الحرب محاطاً بمشاريع متعددة، بعضها يرفع شعار السلام، وبعضها يتحدث عن التسوية، وبعضها يختبئ خلف عناوين إنسانية وسياسية، بينما النتيجة النهائية تصب في اتجاه واحد: إضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها وفتح الباب أمام واقع موازٍ يهدد وحدة البلاد.

 

ولهذا فإن الحديث الأفريقي عن رفض الكيانات الموازية ليس تفصيلاً عابراً؛ بل هو تثبيت لمبدأ بالغ الأهمية: لا يمكن صناعة دولة سودانية جديدة فوق أنقاض الدولة السودانية القائمة.

 

والأكثر أهمية أن رئيس الوزراء كامل إدريس وضع أمام الوفد الأفريقي هدف حكومته بوضوح: استعادة السلام والحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مع التأكيد على أن مستقبل السودان يقرره السودانيون.

 

هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج السياسة.

 

السودان يريد السلام، نعم.

 

لكنه يريد سلاماً يحفظ الدولة، لا سلاماً يشرعن الفوضى.

 

يريد الحوار، نعم.

 

لكنه يريد حواراً سودانياً لا غرفة عمليات خارجية تُدار منها خرائط السودان.

 

ويريد التسوية السياسية، نعم.

 

لكن التسوية التي تعيد بناء الوطن، لا تلك التي تكافئ من حمل السلاح على الدولة، ثم تمنحه موقعاً على طاولة صناعة مستقبلها.

 

إن وحدة السودان ليست تفصيلاً إدارياً يمكن إعادة رسمه وفق موازين القوة، والسيادة ليست عبارة دبلوماسية تُقال في المؤتمرات ثم تُنتهك في الميدان. السيادة هي أن يكون القرار السوداني سودانياً، وأن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية، وأن يظل مستقبل البلاد بيد أهلها.

 

والرسالة الأفريقية من الخرطوم، في هذا التوقيت، تستحق أن تُقرأ جيداً.

 

فأفريقيا نفسها تعرف أن العبث بوحدة الدول لا يتوقف عند حدود الدولة التي يبدأ فيها. وما يُزرع في السودان من كيانات موازية وفوضى مسلحة وتدخلات خارجية يمكن أن تتحول ناره إلى حريق عابر للحدود. ولهذا فإن حماية وحدة السودان ليست مصلحة سودانية فحسب؛ بل هي أيضاً مصلحة أفريقية في أمن الإقليم واستقراره.

 

السودان لا يطلب المستحيل. يطلب فقط أن يُعامل كدولة ..

 

أن تُحترم سيادته أن تُصان حدوده أن تُحفظ مؤسساته ..

 

وأن يُترك لشعبه حق اختيار مستقبله.

 

أما الذين يريدون اختصار السودان في بند تفاوضي، أو تحويل أرضه إلى مساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، فعليهم أن يدركوا أن السودان أكبر من الحرب، وأقدم من الأزمة، وأبقى من كل المشاريع العابرة.

 

ستتغير الحكومات، وستسقط التحالفات، وستنتهي الحرب، لكن السودان سيبقى.

 

*وهنا جوهر الحكاية:*

 

لا سلام بلا دولة، ولا دولة بلا سيادة، ولا سيادة مع وطنٍ قابل للتقسيم.

 

وفي دفتر *هوامش السيادة*، تبقى الحقيقة الأوضح:

 

السودان واحد.. أرضاً وشعباً ودولة.

وسيادته ليست هبة من الخارج، ووحدته ليست موضوعاً للتفاوض.

ومن أراد للسودان سلاماً حقيقياً، فليبدأ أولاً باحترام السودان.

////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى