مجلس الرياض.. الإختراق السياسي الأبرز في المشهد السوداني..

ما وراء الخبر

علم الدين عمر 

 

من إدارة الأزمة إلى صناعة الشراكة.. السعودية تقترب من قلب معادلة السودان..

هل يبدأ من الرياض رسم ملامح السودان القادم؟..

 

قد لا يكون توقيع إتفاقية تأسيس “المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الإستراتيجي” بين السودان والمملكة العربية السعودية في الرياض مجرد محطة جديدة في العلاقات الثنائية.. ربما يكون واحد من أكثر التطورات دلالة في المشهد السوداني خلال المرحلة الحالية.. ليس لأن الاتفاقية تفتح أبواباً واسعة أمام الإستثمار والتجارة وإعادة الإعمار فحسب.. لكن لأنها تضع للمرة الأولى إطاراً مؤسسياً قابلاً لأن ينقل العلاقة من التعاون التقليدي إلى الشراكة الإستراتيجية متعددة الأبعاد..

والأهم أن الإتفاقية تأتي في وقت لا يبحث فيه السودان عن شريك إقتصادي فقط..هو يبحث عن بيئة إقليمية أكثر توازناً تساعده على استعادة الدولة.. وبناء إقتصاد ما بعد الحرب..وإعادة ترتيب علاقاته الخارجية على قاعدة المصالح الوطنية..

 

من إدارة الأزمة إلى صناعة الشراكة.. السعودية تقترب من قلب معادلة السودان..

 

الأهم في هذا الإتفاق أن الرياض لا تدخل إلى المشهد السوداني من بوابة واحدة..فهي تمتلك ثقلاً سياسياً وإقليمياً ودولياً. وقدرات مالية وإستثمارية ضخمة.. وتجربة متقدمة في الزراعة والصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية.. بينما يمتلك السودان واحدة من أكبر حزم الموارد غير المستغلة في المنطقة..الأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعادن والموقع الإستراتيجي على البحر الأحمر..

وبذلك يصبح المجلس الجديد أكثر من منصة لتنفيذ مشاريع اقتصادية..هو بالضبط إطار لإعادة تعريف المصالح المشتركة بين بلدين يمتلك كل منهما ما يحتاج إليه الآخر..

لكن القيمة السياسية الأكبر للمجلس ستتحدد في قدرته على الإنتقال من مجرد تنسيق المشاريع إلى بناء آلية دائمة للتشاور والتنسيق السياسي والمعلوماتي.. فالمملكة..بثقلها الإقليمي والدولي.. يمكن أن تكون شريكاً مهماً للسودان في قراءة التحولات الإقليمية والدولية..وحماية المصالح المشتركة.. ودعم الموقف السوداني في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الوطنية مع الأمن الإقليمي والدولي..

 

التنسيق السياسي أولاً.. البند الذي يمنح المجلس ثقله الإستراتيجي..

 

هذه النقطة الأكثر حساسية في الاتفاقية..

إذا كان المجلس سيُبنى حول الاقتصاد وحده فإنه سيكون مجلساً مهماً..لكنه لن يبلغ كامل مداه الإستراتيجي.. أما إذا أصبح التنسيق السياسي بنداً رئيسياً ومؤسساً إلى جانب الإقتصاد والإستثمار والتجارة والأمن والتنمية..فإن الأمر سيتحول إلى اختراق حقيقي في علاقة السودان بمحيطه..

فالتنسيق السياسي لا يعني الإرتهان لمواقف طرف على حساب طرف.. ولا ينتقص من استقلال القرار السوداني..التنسيق السياسي يعني إنشاء قناة مؤسسية دائمة لرفع مستوى التشاور وتبادل المعلومات والتقديرات وتنسيق المواقف في الملفات ذات الإهتمام المشترك..

وهذا مهم بصورة خاصة للسودان في مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحرب مع ملفات الأمن الإقليمي.. والبحر الأحمر..والحدود.. والأمن الغذائي.. والإستثمار..وحركة التجارة..والعلاقات الدولية..

المملكة..بحكم وزنها وموقعها وشبكة علاقاتها قادرة على أن تمنح هذا التنسيق قيمة سياسية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية..لذلك فإن إدراج التنسيق السياسي في صلب عمل المجلس يجب ألا يُنظر إليه باعتباره بنداً بروتوكولياً.. ولكن باعتباره القاعدة التي تحمي بقية مسارات الشراكة وتوفر لها البيئة السياسية اللازمة للإستمرار..

 

من إتفاقية تعاون إلى منصة لصناعة المصالح..

 

السودان يدخل مرحلة مختلفة..قد لا يستطيع عطفاً عليها إعادة بناء نفسه بالآليات الإقتصادية القديمة.. ولا بعلاقات خارجية تقوم على ردود الأفعال..المطلوب هو بناء شبكة مصالح جديدة تجعل السودان منتجاً للقيمة.. وشريكاً في الإقتصاد الإقليمي.. بتعزيز ميزاته التفضيلية..

وفي هذا السياق يمكن للمجلس أن يتحول إلى إحدى أهم الأدوات التي تساعد على إعادة تعريف موقع السودان..

السعودية تمتلك عبر رؤية 2030- تجربة إقتصادية واسعة في تنويع مصادر الدخل.. وتطوير البنية التحتية.. وجذب الإستثمارات.. وبناء الصناعات.. وتوسيع الخدمات اللوجستية.. وتطوير قطاعات التعدين والسياحة والزراعة والتقنية..

أما السودان.. فعلى الرغم من الدمار الذي خلفته الحرب.. ما زال يمتلك ميزات تفضيلية يصعب العثور على إجتماعها في بلد واحد.. أراضٍ زراعية واسعة.. مياه.. ثروة حيوانية ضخمة.. موارد معدنية متنوعة.. ساحل طويل على البحر الأحمر.. وموقع جغرافي يربط العالم العربي بعمق القارة الأفريقية..

المعادلة إذن ليست بين دولة تملك المال وأخرى تطلب المال..المعادلة منطقية بين رأس مال وخبرة وتقنية وأسواق من جهة.. وموارد وموقع وفرص إنتاجية من جهة أخرى..

هذه هي فكرة الشراكة الحقيقية..

 

الذهب.. الإختبار الأول..

 

لتحويل الموارد إلى قيمة

يمكن أن يكون قطاع التعدين واحداً من أسرع الملفات القابلة للتحول إلى مشاريع ملموسة..

فبدلاً من إستمرار تصدير الذهب في صورته الخام وما يرافق ذلك من فقدان كبير للقيمة المضافة..يمكن بناء منظومة تعاون تستفيد من القدرات المتاحة في المملكة في مجال التكرير والخدمات المالية واللوجستية..مع تطوير ترتيبات واضحة للنقل والتأمين والتسوية المالية والتكرير وإعادة التصدير..

لكن الهدف النهائي ينبغي ألا يكون مجرد نقل الخام إلى الخارج..يجب أن يكون الهدف بناء سلسلة قيمة سودانية متكاملة تبدأ بالإستخراج ولا تنتهي إلا عند التصنيع والتكرير والتسويق..

وفي مرحلة لاحقة يمكن أن يتحول التعاون إلى إنشاء مصافٍ وصناعات تعدين داخل السودان.. بما يخلق وظائف.. وينقل التكنولوجيا.. ويرفع العائد على المورد.. ويعظم إيرادات الدولة..

والنموذج نفسه يمكن أن يمتد إلى الحديد والنحاس والسيليكا والتنتالوم وغيرها من الموارد.. بشرط أن يقوم الإستثمار على الشفافية والحوكمة وحماية البيئة وحفظ حقوق الدولة والمجتمعات المحلية..

 

الأمن الغذائي..

 

الزراعة والإنتاج الحيواني يمثلان المجال الأكثر قابلية لبناء شراكة طويلة الأجل..

السودان لا يحتاج إلى تصدير المواشي والمحاصيل فقط.. بل إلى بناء منظومة إنتاج وتصنيع وتخزين وتبريد ونقل وتصدير..

يمكن إنشاء مجمعات إنتاجية مشتركة للحوم والألبان والأعلاف والخضروات.. مرتبطة بمصانع للتصنيع الغذائي وسلاسل تبريد وموانئ ومنافذ برية وأسواق إقليمية..

وبذلك تتجاوز الشراكة فكرة الإستثمار في الأرض إلى مفهوم أكثر أهمية.. الأمن الغذائي المشترك..

المملكة تبحث عن مصادر مستقرة وموثوقة للغذاء.. والسودان يبحث عن رأس المال والتقنية والأسواق.. إذا صُممت العلاقة بصورة عادلة وشفافة.. فإن الطرفين يستطيعان تحويل هذه الحاجة المتبادلة إلى قوة اقتصادية مشتركة..

 

البحر الأحمر.. الورقة التي لا ينبغي أن تبقى خارج الحساب..

 

ثم يأتي البحر الأحمر بوصفه واحداً من أهم الأصول الإستراتيجية السودانية..

الساحل السوداني الطويل ليس مجرد مورد سياحي أو جغرافي. يمكن لساحل بهذا الطول والتنوع أن يكون قاعدة للصناعات البحرية.. والخدمات اللوجستية.. والموانئ، والتجارة.. والإستزراع السمكي.. والسياحة.. والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد الإقليمية..

هذه بالضبط نقطة إلتقاء الجغرافيا السودانية بالخبرة السعودية في تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الإقتصادية..

والأهم أن الإستثمار في البحر الأحمر يجب أن يُنظر إليه كجزء من رؤية إستراتيجية للأمن الإقتصادي والسيادي للسودان.. وليس مجرد مشاريع منفصلة..

 

الشباب.. الحلقة التي تصنع استدامة الشراكة..

 

لا يمكن أن تنجح أي شراكة إستراتيجية إذا ظلت محصورة بين الحكومات..

القطاع الخاص يجب أن يكون لاعباً رئيسياً..وكذلك الشباب والكوادر السودانية..

يمكن للمجلس أن يفتح الباب أمام تحالفات بين الشركات السعودية والسودانية في التعدين والزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية.. مع تقديم حوافز إستثنائية واضحة.. وربط المشاريع ببرامج تدريب ونقل تقنية..

كما يمكن دراسة إنشاء معهد سعودي ـ سوداني للتدريب المهني والتقني.. لإكتساب المهارات وتوطين المعرفة وربط التعليم باحتياجات سوق العمل في البلدين..

فالمشروع الحقيقي ليس فقط أن يأتي المستثمر.. المشروع الحقيقي أن يترك وراءه مهارة سودانية.. وتقنية سودانية.. وشركة سودانية.. وسلسلة إنتاج سودانية..

 

المجلس أمام امتحان التنفيذ..

 

التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية ليس في اكتشاف الفرص..فالفرص معروفة وواضحة..

التحدي هو تحويلها إلى مشاريع..

هذا يتطلب مراجعة التشريعات الإستثمارية.. وضمان حماية رؤوس الأموال.. وتبسيط الإجراءات.. وتطوير الكهرباء والطرق والنقل والموانئ.. وإنشاء بيئة قانونية واضحة ومستقرة..

كما يتطلب إنشاء أمانة فنية دائمة للمجلس.. تضم خبراء من البلدين.. وتعمل وفق خطط ربع سنوية.. ومؤشرات أداء محددة.. وتقارير متابعة دورية.. بحيث لا تتحول الإجتماعات إلى غاية في ذاتها.. مع آليات تقييم وتقويم واضحة..

المطلوب أن يصبح لكل اجتماع مشروع.. ولكل مشروع جدول زمني.. ولكل جدول زمني جهة مسؤولة.. ولكل جهة مسؤولة مؤشرات قياي تنقل الشراكة من لغة البيانات إلى لغة الأرقام..

 

ما الذي يمكن أن يصنعه مجلس الرياض؟

 

القيمة الحقيقية لاتفاقية 17 أغسطس 2026 قد لا تظهر في نتائجها المباشرة فقط.. لأنها بالكامل في المسار الذي يمكن أن تفتحه..

فالسودان وهو علي أعتاب الخروج من الحرب يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة لعلاقاته الإقتصادية والسياسية..ولشركاء قادرين على النظر إلى المستقبل بعين المصالح والتكامل الفاعل..

والمملكة العربية السعودية.. بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي واستثماري.. وبما يجمعها بالسودان من روابط تاريخية وجغرافية ومصالح متشابكة.. يمكن أن تكون واحدة من أهم بوابات هذا التحول..

لكن نجاح المجلس يتوقف على وضوح الرؤية.. لا بد أن يبدأ من السياسة.. ويترجم في الإقتصاد.. ويتابع بالمشروعات.. وينتهي إلى مصالح متبادلة تحفظ للسودان قراره وتمنح المملكة شريكاً مستقراً وقادراً على النمو.. هذه نقطة أهمية التنسيق السياسي.. فهو الآلية التي يمكن أن ترفع مستوى التفاهم بين البلدين.. وتمنع تضارب التقديرات.. وتوسع تبادل المعلومات.. وتدعم تنسيق المواقف في الملفات الإقليمية والدولية.. وتوفر الغطاء السياسي اللازم للإستثمارات والمشروعات الإستراتيجية..

 

ما وراء الخبر..

 

بكل تأكيد فإن اتفاق الرياض ليس مجرد اتفاق جديد بين دولتين تجمعهما علاقات تاريخية.. بقدر ما هو اختبار لإمكانية الإنتقال من علاقة الصداقة التقليدية إلى شراكة المصالح الإستراتيجية..

والإختراق الحقيقي لن يكون في توقيع الوثيقة.. بل سيكون في القدرة على بناء مجلس يقرأ السودان كما ينبغي أن يكون.. ويتصفح المملكة العربية السعودية باعتبارها قوة إقليمية صاعدة ذات أدوات إقتصادية وسياسية واسعة.. ومؤثرة..

فإذا التقى التنسيق السياسي مع الإستثمار.. والتعدين مع التصنيع.. والزراعة مع الأمن الغذائي.. والبحر الأحمر مع اللوجستيات..ورأس المال مع الموارد.. والخبرة مع الكوادر المؤهلة.. المتطلعة.. فإن مجلس الرياض يمكن أن يصبح أكثر من مؤسسة ثنائية..

قد يصبح إحدى المنصات التي تساعد السودان على الإنتقال من إقتصاد الحرب إلى اقتصاد الدولة..ومن إستهلاك الموارد إلى صناعة القيمة.. ومن إدارة أزماته إلى بناء موقعه..

 

ماذا يمكن أن تقدم السعودية للسودان؟

 

مقروءاً بماذا يستطيع السودان والسعودية أن يبنيا معاً؟..هو ما تجيب عليه إرادة البلدين خلال المرحلة المقبلة..فقد يبدأ بالفعل من هنا السودان القادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى