إعادة هيكلة “زادنا”.. رهان إصلاحي لتعزيز الأمن الغذائي

د. الناير: إعادة توجيه “زادنا للإنتاج” تحسم ملف الأمن الغذائي
إحسان عيسى: حوكمة الشركات الاستراتيجية صمام أمان لوقف الاستهداف الاقتصادي
د. أبو المجد: تقييم “زادنا” خطوة مستحقة تتطلب المحاسبة وتعميم الرقابة
تقرير ــ أمين محمد الأمين
توالت الأصداء الاقتصادية والسياسية المرحبة بقرار رئيس مجلس السيادة القاضي بتشكيل لجنة عليا لمراجعة وتقييم أداء شركة «زادنا العالمية للاستثمار»، وتوجه الدولة نحو تقسيمها إلى كيانات متخصصة؛ حيث أجمع خبراء وسياسيون على أهمية الخطوة في ضبط حوكمة أصول الدولة، واستعادة الدور الاستراتيجي للشركة في دعم القطاعات الإنتاجية وتأمين معاش المواطنين.
موجز القرار
وكان مجلس السيادة برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قد أقرّ تشكيل لجنة عليا برئاسة قيادات رفيعة وخبراء اقتصاديين لمراجعة ملفات «زادنا» وتقييم مدى التزامها بأهدافها التأسيسية. يأتي القرار عقب تقارير رصدت توسع الشركة في أنشطة تجارية جانبيّة على حساب دورها الرئيس بالقطاعين الزراعي والحيواني، مع اتجاه بارز لإعادة هيكلتها وتقسيمها إلى شركات متخصصة لرفع الكفاءة التشغيلية وحماية الأمن الغذائي.
تصحيح المسار
وصف الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد الناير، قرار تشكيل لجنة مراجعة وتقييم أداء شركة «زادنا» وتعيين مجلس إدارة جديد بالخطوة الممتازة، مشيرًا إلى أهمية شمول اللجنة لخبراء وممثلين من مختلف القطاعات. وأكد الناير على ضرورة إعادة توجيه بوصلة الشركة في المرحلة المقبلة، للتركيز بصورة أساسية على القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني.
الأمن الغذائي
وأوضح الخبير الاقتصادي أن التركيز على الإنتاج الزراعي والحيواني يمثّل مرتكزًا رئيسًا لضمان الاستقرار الغذائي في البلاد. وبينما استعرض الناير مقترحاته السابقة الداعية لإنشاء شركات مساهمة عامة عبر النظام المصرفي لتمويل القطاعات التنموية، أكد في الوقت ذاته أن شركة «زادنا» تمتلك المقومات الفنية والقدرات التشغيلية التي تؤهلها لريادة هذا المجال، وصنع قيمة مضافة حقيقية بالاستثمار المباشر في المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية.
المشاريع العملاقة
وشدد الناير على أن تميز شركة «زادنا» يكمن في قدرتها التشغيلية على الاستثمار في مساحات زراعية شاسعة وبأحجام استثمارية ضخمة، مما يحدث تحولاً هيكليًا في الاقتصاد الوطني، خلافًا للشركات الصغيرة ذات المساحات المحدودة. وأشار إلى أن قدرة الشركة على زراعة مليون إلى مليوني فدان تُسهم مباشرة في حسم ملف الأمن الغذائي، وتأمين السلع الإستراتيجية كالقمح والحبوب كافة.
الميزان التجاري
ولفت د. محمد الناير إلى الأبعاد الاقتصادية الكلية لإعادة توجيه الشركة، موضحًا أن التوسع الإنتاجي سيؤدي تلقائيًا إلى خفض فاتورة الاستيراد، وفتح آفاق واسعة لزيادة حجم الصادرات الوطنية، مما ينعكس إيجابًا على تقليل عجز الميزان التجاري. وأكد أن هذه الإصلاحات ستسهم في بناء اقتصاد متماسك قادر على مواجهة التحديات الراهنة.
بيئة الاستثمار
واختتم الخبير الاقتصادي إفادته بتأكيد الأثر الإيجابي الكبير المتوقع للقرار على بيئة الاستثمار المحلية والشركاء، لافتًا إلى أن الشفافية وإعادة الهيكلة يبعثان برسائل تطمين قوية لكافة الأطراف، سواء كانوا مالكين أو شركاء تجاريين، مما يعزز الثقة في منظومة الاستثمار الوطنية ويرفد الاقتصاد السوداني بمكتسبات ملموسة في المرحلة المقبلة.
تأييد ومباركة
وفي السياق ذاته، أشادت الأستاذة إحسان عيسى، مساعد رئيس حزب الأمة برئاسة الدكتور الصادق الهادي المهدي، بقرار رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والقاضي بتشكيل لجنة لتقييم أداء شركة «زادنا»، واصفةً الخطوة بالممتازة والمحورية لزيادة الجودة وإصلاح المسار الإداري. كما باركت في مستهل تصريحها الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة، معربةً عن تمنياتها للجيش بالرفعة والقوة.
تحديات اقتصادية
وأوضحت مساعد رئيس الحزب أن الدولة ظلت تتعرض لاستهداف متواصل عبر بوابة الاقتصاد خلال السنوات الماضية، وذلك من خلال التحكم في الأسعار واحتكار السلع الأساسية. وأشارت إلى أن هذه الممارسات تُستغل عادةً كأوراق ضغط سياسي لإضعاف الحكومات وتغييرها، مما يجعل من حوكمة الشركات الاستراتيجية ذات الصلة بمعاش الناس — كزيوت الطعام والدقيق والألبان — ضرورة قصوى تُخضع الجميع للرقابة الأمنية والصارمة.
صمام أمان
وأكدت إحسان عيسى أن الشركات الحكومية تمثل صمام الأمان والركيزة الأساسية للناتج القومي، مانعةً استغلال الظروف الاستثنائية من قبل بعض أصحاب المصالح الذين يسعون لإحداث انهيار اقتصادي. وأضافت أن خضوع هذه المؤسسات للإشراف الأمني يحميها من الاختراقات الخارجية، ويسهم في توفير السلع بأسعار مخفضة للمواطنين، فضلاً عن دورها المباشر في الحد من البطالة عبر استيعاب مختلف الفئات الشبابية والعمالية.
استدامة المؤسسات
ودعت إلى تبعية هذه المنظومات الاقتصادية للجيش والأجهزة الأمنية لضمان استمرار أعمالها واستقرارها بمعزل عن التقلبات والتعاقبات السياسية. كما أيدت مقترح تقسيم شركة «زادنا» إلى كيانات متخصصة، مثل إنشاء شركة خاصة بإنتاج الألبان وتوفير السلع الاستراتيجية، مشيرةً إلى أن هذا التوجه سيجني ثمارًا إيجابية تتمثل في تحقيق الاستقرار الغذائي، وفتح آفاق استثمارية واسعة تخفف الأعباء عن كاهل المواطن.
السيادة الوطنية
واختتمت تصريحها بالإشارة إلى أن المقاربات الدولية تُظهر صلة وثيقة بين الشركات الكبرى والأجهزة الأمنية لحماية الأمن القومي، معربةً عن أملها في توسيع نطاق الشركات الحكومية لتغطي كافة احتياجات السوق المحلي من الأثاثات والأواني والسلع الاستهلاكـية، بهدف إغلاق منافذ الاختراق والتلاعب التي تضر بالوطن والمواطن، مع ضرورة إنشاء منافذ للبيع المباشر لضمان وصول المنتجات بأسعار عادلة.
خطوة متأخرة
إلى ذلك، أكد الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي، الدكتور عثمان أبو المجد، أن قرار رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بتشكيل لجنة عليا لمراجعة وتقييم أداء شركة «زادنا العالمية» جاء متأخرًا للغاية، رغم أهميته البالغة. وأشار أبو المجد إلى أن هذه الخطوة تعيد إلى الأذهان تجاوزات سابقة شهدتها مؤسسات كبرى مثل «شركة الأقطان»، مما يؤكد الحاجة الماسة لإدارة وطنية مخلصة تُحكم السيطرة على إمكانيات الشركات الحكومية لضمان مساهمتها الفاعلة في الناتج القومي.
إصلاح المؤسسات
وأوضح الأستاذ الجامعي أنه على الرغم من القول المأثور «أن تأتي متأخرًا خيرٌ من ألا تأتي»، إلا أن القرار يُعد بداية حقيقية نحو حوكمة وإصلاح مؤسسات الدولة الاقتصادية بشقيها الإنتاجي والخدمي. وشدد على ضرورة تفعيل “مفوضية محاربة الفساد” لسد الثغرات وإغلاق منافذ التجاوزات الناجمة عن غياب الرقابة والمحاسبة الدورية في القضايا التي تمس حياة المواطن والوطن بشكل مباشر.
الأمن الغذائي
وأشار أبو المجد إلى أن تصحيح مسار شركة «زادنا» سينعكس إيجابًا وبصورة فعالة على القطاعين الزراعي والحيواني، مما يسهم في معالجة أزمة الأمن الغذائي الراهنة. واستدرك موضحًا أن هذا الإصلاح لا ينبغي أن يتوقف عند «زادنا» فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل كافة المؤسسات والشركات المملوكة للدولة، أو تلك التي تساهم فيها الحكومة بنسب حاكمة تصل إلى 51%، ضمانًا لسلامة المال العام.
تكامل الأدوار
ولفت الخبير الاستراتيجي إلى أن أداء هذه المهام الرقابية يقع في الأصل ضمن الاختصاصات الأصيلة للجهاز التنفيذي ومجلس الوزراء بمختلف قطاعاته، عبر تشكيل لجان ومفوضيات متخصصة لمتابعة ومراجعة الشركات الاستثمارية والإنتاجية. وأكد أن تعزيز الكفاءة التشغيلية يتطلب رقابة صارمة ومستمرة لمنع التلاعب بقوت الشعب وحماية مقدرات الدولة من الهدر، بدلاً من انتظار قرارات سيادية استثنائية.
المعاملة بالمثل
ودعا الدكتور عثمان إلى تعميم تجربة المراجعة والتقييم على القطاعات الاقتصادية كافة — زراعية كانت أو صناعية أو تجارية — لتصحيح الأوضاع المخلة وإيقاف نفوذ أصحاب المصالح الشخصية الذين يستغلون علاقاتهم داخل أجهزة الدولة. وختم إفادته بالإشارة إلى أن إجراءات المحاسبة والشفافية تبعث برسائل تطمين قوية للمستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين، مما يعزز ثقتهم ببيئة الاستثمار ويضمن حقوق كافة الأطراف.
آفاق واعدة
يُشكل قرار مراجعة أداء شركة «زادنا» محطة مفصلية في مسار الإصلاح الاقتصادي بالسودان؛ إذ تتجاوز أبعاده حدود المراجعة الإدارية لتلامس عمق الحوكمة المؤسسية وتصحيح اختلالات الأسواق. إن إعادة توجيه هذه المنظومة الاستثمارية الضخمة نحو جوهر نشاطها الإنتاجي الزراعي والحيواني، وتفكيك التشابكات الخدمية الجانبية، سينعكسان مباشرة على تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. تبقى العبرة في مستوى جدية التنفيذ، وتعميم معايير الشفافية والمحاسبة على المنظومات الاقتصادية الحكومية والعسكرية كافة، بما يكفل حماية المال العام ويسترد ثقة المستثمرين والمواطنين في آنٍ واحد.




