تخفيض الوقود من حكومة الخرطوم: من اين لها هذا… ؟!

امتصاص للشارع أم أزمة توريد مرتقبة؟
د. وائل أبو كروق: «ضغوط حكومية خفّضت الوقود ومخاوف من تمرد المستوردين»
الرشيد معتصم: «سياسات الجباية الولائية تُصيب القطاعات الإنتاجية بالشلل التام»
أحمد خليل: «تخفيض الوقود شكلي والجبايات الولائية عمّقت أزمة الوفرة»
تقريرــ أمين محمد الأمين
أثار قرار ولاية الخرطوم بتخفيض أسعار الوقود والغاز تبايناً واسعاً بين الخبراء حيث أكدوا بأن القرار محاولة لامتصاص الاحتقان الشعبي ومواكبة التراجع العالمي، مشيرين إلى أن خطوة الخفض تصطدم بركود القوة الشرائية، وشددوا على أن استمرار سياسة الجبايات الولائية يظل المهدد الأكبر لعجلة الإنتاج، وحذروا في حديثهم لــ(العودة) من أن قيود التسعير قد تدفع المستوردين للتمرد وإحداث فجوة حادة في الإمدادات.
تعديل الأسعار
اعتمد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة تعديلاً جديداً في أسعار الوقود والغاز للمستهلك بجميع محليات الولاية، ليدخل حيز التنفيذ الفوري اعتباراً من الثلاثاء 11 أغسطس 2026م. وشمل القرار تخفيضات ملحوظة في أسعار الغاز، حيث انخفض سعر كيلو غاز الطهي إلى 6,800 جنيه لتصبح أسطوانة الغاز زنة 12.5 كيلو بسعر 85,000 جنيه بدلاً من 106,400 جنيه، بينما تراجع سعر لتر غاز المخابز إلى 3,742 جنيهاً. وفي المقابل، تضمن القرار تخفيضاً طفيفاً في سعر الجازولين ليصل لتر الخدمة إلى 8,518 جنيهاً بدلاً من 8,678 جنيهاً، ليباع الجالون سعة 4.5 لتر بسعر 38,331 جنيهاً.
تخبط حكومي
شنّ عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي والخبير الاقتصادي، كمال كرار، هجوماً حاداً على القرار الأخير الصادر عن ولاية الخرطوم بشأن تعديل أسعار المحروقات، معتبراً إياه مجسداً لحالة جليّة من التخبط والارتباك في صناعة القرار الحكومي، واستدعى كرار في معرض تحليله واقعة سابقة؛ إذ أوضح أن ولاية الخرطوم كانت قد حددت قبل نحو عشرين يوماً فقط أسعار بيع الجازولين والبنزين والغاز استناداً إلى التعديلات المرفوعة من الشركات المستوردة والموزعة، لتفاجئ الشارع اليوم بقرار آخر يتحدث عن تخفيض طفيف في أسعار الجازولين.
أسعار باهظة
وفي قراءة رقمية لتكلفة الوقود، أكد الخبير الاقتصادي كمال كرار أن الأسعار المعلنة -حتى بعد التخفيض الأخير- تظل باهظة للغاية إذا ما قُورنت بالتكلفة الحقيقية لطن الجازولين والبنزين والغاز تسليم ميناء بورتسودان. وأوضح كرار تفاصيل هذه الفوارق مشيراً إلى أن سعر طن الجازولين واصل بورتسودان يبلغ نحو 1,150 دولاراً، وهو ما يعادل تقريباً 1,205 لترات؛ مما يعني أن التكلفة الفعلية للتر الواحد في حدها الأعلى تصبح في حدود 6,300 جنيه (بحساب سعر الصرف في السوق الموازي)، متسائلاً عن الجدوى الاقتصادية لبيعه للمواطن بعد التخفيض بسعر 8,518 جنيهاً، وبنسبة أرباح تُقدر بـ 35%.
احتواء الغضب
وفسّر القيادي الشيوعي دوافع الخطوة الحكومية الأخيرة، معرباً عن اعتقاده بأن هذا التخفيض الضئيل ما هو إلا محاولة امتصاص متأخرة لموجة الغضب الشعبي المتصاعدة جراء الارتفاع الجنوني في تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية. بيد أنه رجّح في الوقت ذاته عدم صمود هذه القرارات طويلا.
عوامل خارجية
في السياق ذاته يرى المحلل السياسي الدكتور وائل أبو كروق أن قرار التخفيض الأخير لا ينفصل عن التحركات الجارية في سلاسل الإمداد العالمية؛ موضحاً أن الوزارة المعنية سارعت إلى ممارسة ضغوط ملموسة على المستوردين عقب التراجع الطفيف الذي شهدته الأسعار عالمياً. وأضاف د. أبو كروق أن هذه الخطوة ترافقت كذلك مع تنازل السلطات الحكومية عن تحصيل الإتاوات والرسوم الولائية المعتادة على المحروقات، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية الناتجة عن الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية لمرتبات العاملين.
مخاوف مستقبليّة
وفي المقابل، أبدى الدكتور وائل أبو كروق مخاوف جديّة من المآلات المستقبليّة لهذا التخفيض؛ مُحذّراً من احتمال تمرد المستوردين والشركات الموزعة على الضغوط الرسمية والقيود السعرية المفروضة عليهم. وأكد المحلل السياسي أن امتناع المستوردين قد يقود بالضرورة إلى بروز فجوة حادة في إمدادات السلع البترولية داخل السوق المحلي، مما يهدد بعودة أزمات الندرة وتجدد الاختناقات في منافذ التوزيع.
رسوم جباية
من جانبه سلط الباحث والخبير الاقتصادي، الرشيد معتصم، الضوء على الجذور الهيكلية لأزمة تسعير الوقود؛ موضحاً أن الولايات درجت تاريخياً على فرض رسوم مالية وإتاوات مباشرة على المشتقات البترولية بكافة أنواعها، من بنزين وجازولين وغاز، حيث كان رسم الجالون يصل سابقاً إلى نحو ألفي جنيه. وأكد معتصم أن أهمية القرار الأخير وخطورته تكمن في كشفهما عن خلل أعمق، يتمثل في اعتماد الولايات على سياسات جباية لا تمت بصلة لمفهوم التنمية الاقتصادية؛ إذ تعمد إلى استقطاع الرسوم من “مدخلات الإنتاج” بدلاً من تحفيز العملية الإنتاجية نفسها.
نهج قاصر
وشدد الخبير الاقتصادي على أن فرض الرسوم على مدخلات الإنتاج يُعد خطأً إستراتيجياً كبيراً يُصيب عصب الاقتصاد المحلي بالشلل الفعلي؛ لاسيما في الولايات الزراعية والحيوانية ذات القدرات الإنتاجية العالية مثل ولاية النيل الأزرق وغيرها. وأشار معتصم إلى أن الرؤية الاقتصادية لدى الولايات تتسم بالقصور الجسيم؛ إذ كان الأجدر بتلك السلطات السعي نحو توسيع المواعين الإنتاجية وزيادة رقعتها لتعظيم الإيرادات العامة، بدلاً من التضييق على المنتجين عبر فرض أعباء مالية تُعطل قدرات البلاد وتضر بمستقبل نموها الاقتصادي.
تداعيات حادة
واستشهد الرشيد معتصم بالتداعيات الكارثية لهذه السياسات الإيرادية على القطاعات الحيوية، لافتاً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت شللاً شبه تام في قطاع تعدين الذهب جراء أزمات انقطاع الجازولين وارتفاع أسعاره. وأكد الخبير الاقتصادي أن تضرر هذا القطاع الإستراتيجي -الذي يُعد أحد الروافد الأساسية الداعمة لخزينة الدولة في الوقت الراهن- يعطي مؤشراً جلياً على خطورة فرض الرسوم على مدخلات الإنتاج؛ كونها تعرقل عجلة الاقتصاد وتُحرم الدولة من الفرصة الفعالة لتوسيع قاعدتها الإيرادية.
ظاهرة لافتة
وعلى صعيد القراءة الميدانية لقرار ولاية الخرطوم، أشار معتصم إلى ظاهرة لافتة تمثلت في عمل مضخات الوقود المضاءة بالطاقة الشمسية حتى أوقات متأخرة من الليل، دون أن تحظى بطلب أو إقبال ملموس من المستهلكين؛ مما يعكس تراجعاً حاداً في القوة الشرائية وانكماش الحركة الاقتصادية. وأوضح الخبير أن هذا الركود يمثل معضلة حقيقية للشركات الموزعة في ولاية مثل الخرطوم، المعتمدة كلياً على الوقود لتسيير حركة المواطنين ونقل السلع والخدمات؛ مرجحاً أن يكون هبوط المبيعات أحد الدوافع غير المعلنة لوضع قرار التخفيض الأخير حيز التنفيذ.
فرص ضائعة
وانتقد الباحث الاقتصادي غياب الخطط التنظيمية والرؤية التكاملية لخفض تكاليف الإنتاج، خاصة مع حلول موسم الخريف الذي تُنتج فيه الغلال والمحاصيل الإستراتيجية كالفول السوداني والسمسم، إلى جانب الثروة الحيوانية. وأكد معتصم أن المحاصيل السودانية واللحوم تحظى بطلب عالمي مرتفع للغاية، بيد أن العجز عن ضبط تكاليف الري والنقل والترحيل يحول دون تلبية متطلبات الأسواق؛ مشدداً على ضرورة وجود تقارير دورية ومؤشرات دقيقة تقيس الصعود والهبوط في التكلفة لتوجيه النشاط الاقتصادي بأسلوب علمي منظم.
أفق غائب
واختتم الرشيد معتصم حديثه بالتأكيد على وجود فرصة ذهبية مهدرة للاستفادة من الارتفاع العالمي في أسعار المواد الغذائية، حَاثّاً على التوسع العاجل في المنتجات البستانية والخضراوات التي يمكن أن تجني مليارات الدولارات وتغطي الفجوات في الأسواق الإقليمية والدولية. وتساءل الخبير الاقتصادي بمرارة عن دور وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية في مسح الأسواق الواعدة في أفريقيا وآسيا، معرباً عن أسفه لغياب التقارير الدورية (الشهرية أو الفصلية) من الوزارات المختصة؛ مما يحرم الخبراء والمختصين من البيانات والمعلومات اللازمة لإجراء حوار اقتصادي يسهم في تطوير القطاعات الإنتاجية بالبلاد.
تقلبات عالمية
إلى ذلك أوضح الصحفي الاقتصادي أحمد خليل أن أسعار الوقود والمشتقات البترولية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبورصة العالمية؛ مشيراً إلى أن أغلب دول العالم التي اتجهت نحو تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها أصبحت تعتمد أسعاراً مرنة وغير ثابتة، قد تتغير عدة مرات خلال اليوم الواحد تبعاً لتقلبات الأسواق الدولية. وأضاف خليل أنه على الرغم من رفع الدعم الكلي عن المحروقات في السودان وعدم قدرة أي مسؤول على ادعاء عكس ذلك، إلا أن الوزارة المعنية بالتنسيق مع وزارة المالية لا تزال تتجه نحو تحديد أسعار رسمية ثابتة، تُضاف إليها حزمة من الرسوم والضرائب الولائية والاتحادية المفروضة على المحروقات في كافة أرجاء البلاد.
ضغوط معيشية
ولفت الصحفي الاقتصادي إلى أن موجة الغلاء الطاحنة التي تضرب البلاد تزيد من وطأة الشعور بانتفاء العدالة في تسعير هذه السلع الإستراتيجية، مما يخلق ضغوطاً متصاعدة تفرض على السلطات مراجعة الأسعار من حين لآخر. وأكد خليل أن المواطن السوداني يعاني حالياً من انعدام وتردي معظم الخدمات الأساسية، مؤكداً أن تخفيض الرسوم الحكومية مؤخراً يمثل خطوة إيجابية في ظاهرها، بيد أن الأسعار النهائية المعروضة تظل رغم هذا الخفض أعلى بكثير من القدرة المالية للمستهلكين.
سهولة الجباية
وانتقد أحمد خليل نهج الجباية المتبع من قِبل الولايات والمحليات، مبيناً أنه سلوك ممتد منذ حقبة نظام الإنقاذ؛ حيث تعودت الإدارات المحلية على استسهال فرض الرسوم والضرائب على السلع الإستراتيجية كحل سريع لجمع الإيرادات، دون جُهد يُذكر في البحث عن موارد اقتصادية تنموية ودائمة. وأضاف أن تضافر قرارات زيادة الدولار الجمركي مع تتالي الجبايات والرسوم أدى إلى مضاعفة الأعباء المالية وتعميق معاناة المواطنين، نتيجة اتكال تلك المحليات كلياً على الجباية المباشرة لتمويل ميزانياتها.
أزمة الوفرة
واختتم أحمد خليل تحليله بوضع اليد على الإشكالية الجوهرية في أزمة الطاقة، موضحاً أن التساؤل الأساسي للشارع لا يقتصر على نسب التخفيض أو الارتفاع في السعر، بل يرتكز بالأساس على مدى وفرة السلعة وتأمين إمداداتها في منافذ التوزيع، إلى جانب الصعوبة البالغة التي يواجهها المواطنون للحصول على غاز الطهي، مما يجعل أزمة الوفرة حاضرة وبقوة رغم القرارات السعرية الأخيرة.
معاناة متفاقمة
استهل الأكاديمي والمحلل الإستراتيجي، الدكتور عثمان أبو المجد، قراءته بالتشديد على حجم المعاناة البالغة التي كابدها المواطن السوداني في الآونة الأخيرة، ولاسيما في تفاصيل حياته اليومية ومعيشته المباشرة. وأوضح د. أبو المجد أن الوقود بات يمثل شريان الحياة الرئيسي، لتأثيره المباشر على حركة المواصلات ونقل البضائع والسلع الأساسية، مما يجعل أي تغيير في أسعاره ينعكس فوراً على مستوى معيشة المواطنين، إلى جانب أزمة غاز الطهي التي تفاقمت تعقيداتها بشكل حاد في ظل موجات النزوح الواسعة وتداعياتها البيئية على الغطاء النباتي.
أزمات متلاحقة
ولفت المحلل الإستراتيجي إلى أن الضغوط المعيشية لم تقتصر على الوقود والغاز فحسب، بل امتدت لتشمل انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة الناتجة عن الأعطال والتخريب الذي طال بؤراً حيوية كسد مروي؛ مما ضاعف من التحديات الماثلة أمام الأمن الاقتصادي للمواطن. وأكد أبو المجد أن تضافر هذه الأزمات دفع وزارة المالية والجهات الرسمية -بناءً على توصيات وتقديرات سيادية وأمنية- إلى التحرك العاجل لوضع معالجات تتسع لرفع بعض الأعباء المالية والتخفيف من وطأة الضغوط الحياتية المتزايدة.
تيسير معيشي
وفسّر د. عثمان أبو المجد قرارات التخفيض الأخيرة الصادرة في ولايات مثل الخرطوم والجزيرة وغيرها، مؤكداً أنها لم تأتِ من فراغ، بل شكلت متنفساً ومبادرة حكومية خلقت ارتياحاً لدى الشارع، خصوصاً فيما يتعلق بأسعار غاز الطهي وغاز المخابز. وأشار الخبير الإستراتيجي إلى أن الخفض الكبير في أسعار الغاز الموجه للمخابز من شأنه أن يسهم عملياً في تقليل تكلفة إنتاج الخبز وتخفيض أسعاره للمستهلك، وهو ما يصب مباشرة في إطار تيسير وتخفيف أعباء القفزات المتتالية في تكاليف المعيشة.
تأثير محدود
وفي تقييمه لجزئية الوقود، يرى أبو المجد أن نسبة التخفيض المطبقة على الجازولين والبنزين تظل ضئيلة ومحدودة إذا ما قورنت بفرقات أسعار الغاز؛ مشيراً إلى أنها قد لا تحدث فارقاً جوهرياً أو مباشراً في خفض تكاليف وسائل النقل والترحيل سواء داخل الولايات أو بينها. بيد أنه استدرك موضحاً أن التخفيض -على ضآلته- يظل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح ومحاولة من السلطات الحكومية والسيادية لتقديم ما يمكن تقديمه لدعم المواطن في ظل الظروف المعقدة الراهنة.




