خبراء يفككون لغز الـ10 ملفات بين الخرطوم والرياض

د. هيثم: الشراكة السعودية نواةٌ لإعادة الإعمار واستعادة الثقة

د. أبوبكر التيجاني: إيقاف الحرب شرطٌ حتميٌّ لتنشيط الاستثمارات الكبرى

د. الفاتح عثمان: الضمانات الحكومية شرطٌ أساسيٌّ لحماية الاستثمارات السعودية

أ.محمد نور: “الممر الاقتصادي” أداةٌ لتجاوز الاتفاقيات النمطية

استطلاع ــ أمين محمد الأمين

​في وقتٍ تتجه فيه الأنظار نحو الشراكة الاستراتيجية المرتقبة بين الخرطوم والرياض، تباينت تحليلات وقراءات خبراء وباحثين في الاقتصاد بشأن المخرجات العملية لهذه الخطوة؛ إذ تراوحت الرؤى بين الداعية إلى اقتناص الفرص وتحفيز بيئة الاستثمار العام واستعادة الثقة الدولية، وبين الاشتراط الجازم لإيقاف النزاع كشرط مسبق لتدفق رؤوس الأموال، مروراً بالمطالبة بتوفير الضمانات الحكومية الحامية لحركة أصول المستثمرين، وصولاً إلى دعوات إعادة هيكلة ملفات التعاون واستبعاد القطاعات ذات الطابع السيادي.

 

​السودان والسعودية

 

وكانت مصادر مطلعة كشفت عن تحضيرات جارية لـ مجلس التعاون السعودي السوداني للتوقيع على 10 ملفات استراتيجية كبرى يوم 17 أغسطس 2026م. وتتضمن الاتفاقيات المرتقبة قطاعات: إعادة إعمار السودان، الزراعة والأمن الغذائي، الثروة الحيوانية، الذهب والتعدين، البحر الأحمر والموانئ، الطاقة والكهرباء، التمويل والمصارف، الصناعة والتصنيع الغذائي، الاتصالات والتحول الرقمي، إضافة إلى السياحة والعقار والخدمات؛ بهدف تأسيس مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي الشامل بين البلدين.

​الروابط الاستراتيجية

 

​أشاد الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي بالدور القيادي والأخوي للمملكة العربية السعودية، مؤكداً أن وقوفها إلى جانب الشعب السوداني يجسد صوت الحكمة والبصيرة في المنطقة. وأوضح فتحي في حديثه لـ(العودة) أن البلاد تشكل اليوم أرضاً زاخرة بالفرص والموارد المتنوعة بموقعها الاستراتيجي المحوري بين أفريقيا ودول الخليج، مشيراً إلى أن توقيع اتفاقيات التعاون المرتقبة يمثل نواة لتعاون استراتيجي أكبر، يعزز ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال المحلية المتجددة.

 

​المكاسب المباشرة

 

​ورجح الخبير الاقتصادي أن يكون الأثر المباشر لهذه الاتفاقيات متواضعاً على المدى القريب نتيجة تضرر البنية التحتية جراء سنوات الحرب، إلا أنه أكد أن الأهمية الفعلية للخطوة تكمن في قدرتها على استعادة الثقة وتحفيز بيئة الاستثمار العام. وتوقع د.هيثم أن تسهم هذه الاستثمارات في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 3% خلال عام إلى عامين، مع خلق فرص عمل جديدة للشباب السوداني.

 

​الآفاق المتوسطة

 

​وعلى المدى المتوسط، أوضح فتحي أن هذه الاستثمارات ستفضي إلى تأسيس شركات جديدة تخدم قطاعات متعددة وتدفع بعجلة النمو. وأشار إلى أن التعاون الاستثماري سيحفز مجالات حيوية متعددة، تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، الخدمات اللوجستية، التعدين، الزراعة، النقل، والاتصالات، فضلاً عن إنعاش المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لا سيما في مجال الصناعات الغذائية.

 

​القطاعات المحورية

 

​وأكد الباحث الاقتصادي أن التركيز على قطاعي الطاقة والتعدين يحمل أبعاداً استراتيجية باعتبارهما الركيزة الأساسية لعمليات البناء؛ إذ يشكل الاستثمار في الطاقة—سواء التقليدية أو المتجددة—شرطاً حتمياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الداعم لبقية القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تراجعت خلال الفترة الماضية.

 

​البُعد الاجتماعي

 

​وسلط د. هيثم الضوء على القدرة المباشرة للاستثمارات الجديدة على تحسين الواقع المعيشي للمواطنين عبر مسارات متكاملة. وتتضمن هذه المسارات تقليص معدلات البطالة بتوفير وظائف متنوعة، وتحسين الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، مما ينعكس إيجاباً على القوة الشرائية للمواطنين ويرفع من جودة الحياة اليومية، مستفيداً من دور قطاعات البناء والتعمير كمحركات رئيسية للنمو في مرحلة ما بعد النزاعات.

 

​التحديات الهيكلية

 

​واختتم الدكتور هيثم فتحي تحليله بالتنبيه إلى تحديات جوهرية تتطلب تعاملاً جاداً لإنجاح هذه الاستثمارات؛ وفي مقدمتها القيود والتحويلات المصرفية غير المعلنة، والحاجة الماسّة لتحديث الأطر التشريعية والقوانين المنظمة للاستثمار لتصبح أكثر مرونة وشفافية. وشدد على أن تسريع الإصلاحات القانونية والإجرائية يعد شرطاً أساسياً لبناء الثقة وتأمين تدفق رؤوس الأموال وتحقيق التنمية المستدامة.

​الواقع الراهن

 

وفي السياق ذاته ​أكد الخبير الاقتصادي الدكتور أبوبكر التيجاني في حديثه لـ (العودة) أن طرح الملفات الاستثمارية العشرة في الظروف الحالية يواجه واقعاً معقداً يصعب معه التنفيذ؛ موضحاً أن بيئة النزاعات المسلحة تتنافى مع متطلبات الاستثمار الاستراتيجي. وأشار التيجاني إلى أن أقصى ما يمكن تحقيقه حالياً يقتصر على إقامة مشاريع زراعية ومزارع للثروة الحيوانية في المناطق الأكثر أماناً واستقراراً، بينما تبقى بقية المحاور مؤجلة حكماً إلى حين تحقق الاستقرار الشامل وإيقاف الحرب بشكل كامل.

 

​العنصر البشري

 

​وسلط الخبير الاقتصادي الضوء على أزمة حادة يواجهها قطاع الإنتاج تتمثل في النقص الجسيم في الكفاءات والخبرات البشرية الميدانية. وأوضح أن موجات النزوح واللجوء أفرغت البلاد من معظم مؤهلاتها العالية والكوادر المدربة التي يتطلبها الشروع في مشاريع استراتيجية بهذا الحجم، مشدداً على أن عودة العقول والخبرات إلى مواطنها تُعد ركيزة أساسية لا غنى عنها لتشغيل مجلس التعاون وتفعيل اتفاقياته على أرض الواقع.

 

​البنية التحتية

 

​ونبه التيجاني إلى أن الموانع لا تقتصر على المخاطر الأمنيّة فحسب، بل تمتد لتشمل الانهيار الكبير في البنية التحتية والخدمية الحيوية؛ إذ تعاني البلاد من شح حاد في إمدادات الطاقة والمياه، وتضرر شبكات الطرق والمطارات والخدمات اللوجستية. وأكد أن هذه الاختلالات تجعل البيئة التشغيلية غير مهيأة تماماً لاستقبال أو احتضان استثمارات كبرى في الوقت الراهن، مما يعطل إمكانية الانطلاق الفعلي للمشروعات.

 

​الرهان المشروط

 

​وربط التيجاني العوائد الاقتصادية المتوقعة—من تحسن في سعر صرف العملة الوطنية وتراجع معدلات التضخم—بمدى القدرة على تحقيق السلام الداخلي. وأشار إلى أن رؤوس الأموال والجهات التمويلية تضع مخاطر الحروب في مقدمة محددات القرار الاستثماري خشية ضياع الأصول وعدم ضمان استرداد الأموال، مؤكداً أن تحييد هذه المخاطر لا يتم عبر حلول جزئية بل عبر إنهاء الحرب بصورة نهائية كشرط مسبق لتدفق الاستثمارات.

 

​الآفاق المستقبليّة

 

​واختتم الدكتور أبوبكر التيجاني تحليله بالتأكيد على أن عودة الاستقرار ستفتح الأبواب واسعة أمام تحويل هذه الملفات إلى منافع متبادلة وعظيمة للبلدين. وأوضح أنه متى ما صمتت أسلحة النزاع وعادت الحياة إلى طبيعتها، فإن جميع محاور الشراكة السعودية السودانية ستتحول إلى فرص حقيقية للتنمية، تعود بالنفع المباشر على الاقتصاد الوطني وتدعم استقرار المنطقة.

 

​التشخيص الراهن

إلى ذلك، ​أكد المحلل والباحث الاقتصادي الدكتور الفاتح عثمان محجوب أن برنامج التعاون الاستثماري المرتقب بين الخرطوم والرياض يواجه ذات التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد المحلي منذ سنوات. وأوضح محجوب أن عقبة الأساس تكمن في عدم جاهزية البيئة الاستثمارية داخل البلاد لجذب وتوطين رؤوس الأموال، سواء الوطنية منها أو الأجنبية، مشدداً على أن رأس المال بطبعه يبحث عن المناخ الآمن والبيئة المربحة للتدفق والاستقرار.

 

​العقبات الهيكلية

 

​وأشار الخبير الاقتصادي في حديثه لـ (العودة) إلى وجود فجوة كبيرة بين الفرص النظريّة المتاحة والواقع العملي للأسواق؛ فالبلاد تمتلك إمكانات هائلة في قطاعات التعدين، السياحة، الثروة الحيوانية، الطاقة، والصناعة. إلا أن الواقع الصعب يصدم المستثمرين بغياب الاستقرار في سعر صرف العملة الوطنية، فضلاً عن تعقد الإجراءات القانونية والمالية المتعلقة بتحويل الأرباح ورؤوس الأموال بالعملات الأجنبية عبر القنوات المصرفية الرسمية، وهي العقبة الأبرز التي تحول دون تدفق الاستثمارات.

 

​الضمانات الحكومية

​ولعلاج هذه الاختلالات، شدد محجوب على ضرورة تحرك الحكومة السودانية بالتنسيق المباشر مع نظيرتها السعودية لابتكار آلية “ضمان استثماري مشترك”، أو تقديم تغطية وتسهيلات حكومية حامية للمستثمرين السعوديين الراغبين في دخول السوق المحلي. وتستهدف هذه الخطوة تحييد المخاطر وتهيئة البيئة التشغيلية المشجعة للشركات ورجال الأعمال بالبلدين.

 

​المكاسب المشتركة

 

​واختتم الدكتور الفاتح عثمان تحليله بالتأكيد على أن توفير مظلة حامية لرأس المال سيتيح للجانبين تحقيق عائد استثماري واقتصادي كبير. وأوضح أن الموارد الطبيعية الهائلة في البلاد تحتاج بصورة عاجلة إلى التمويل والتقنيات الحديثة، لكي تتحول من مجرد إمكانات معطلة إلى اقتصاد ناهض يرفد المنطقة بأسرها، ويعزز أمن سلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي في الإقليم.

 

​القراءة التحليليّة

 

​طرح الخبير الاقتصادي الأستاذ محمد نور كرم الله قراءة تحليليّة عميقة حول مذكرات التفاهم المزمع توقيعها بين الخرطوم والرياض، مؤكداً أنها تمثل حجر الزاوية لتأسيس شراكة استراتيجية غير تقليدية. وشدد محمد نور على أن المحك الحقيقي لهذه الاتفاقيات يتوقف بالكامل على تحويل العناوين العامة إلى مشروعات محددة ذات جدوى استثمارية ومؤشرات قياس واضحة، تفادياً للوقوع في فخ الاتفاقيات النمطية التي تفتقر إلى آليات التنفيذ.

 

​المحاور السيادية

 

​وفي مستهل تحليله، دعا الخبير الاقتصادي إلى مراجعة الملفات الـ10 المطروحة وتقليصها إلى 8 محاور فقط، مطالباً باستبعاد قطاعي التعدين والموانئ من صيغ الشراكة الشاملة باعتبارهما ملفين سياديين يرتبطان مباشرة بالأمن القومي للدولة. وأوضح محمد نور في حديثه لـ (العودة) أن التركيز يجب أن يتجه نحو المجالات الإنتاجية والتنموية ذات الأثر المباشر، وفي مقدمتها إعادة الإعمار، والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والطاقة، والخدمات المصرفية، والصناعة، والتحول الرقمي، إضافة إلى القطاع العقاري والسياحي.

 

​الممر الاقتصادي

 

​وحذر محمد نور من إدارة هذه القطاعات بشكل منفصل أو معزول، داعياً بدلاً عن ذلك إلى تبني مفهوم “الممر الاقتصادي السعودي السوداني”. وتعتمد هذه الرؤية على ربط مدخلات ومخرجات كافة الملفات ضمن منظومة واحدة متكاملة؛ بحيث تتضافر جهود التمويل والزراعة والتصنيع والنقل، وتعمل تحت مظلة رقمية موحدة تضمن تدفق الاستثمارات وسرعة الإنجاز، مع التحول المباشر من مفهوم تقديم المعونات إلى منطق الاستثمار المشترك المتكافئ.

 

​الرؤية المستقبليّة

 

​ولضمان الاستدامة، اقترح الخبير صياغة وثيقة مرافقة تحت اسم “الرؤية السعودية السودانية للشراكة الاقتصادية وإعادة الإعمار 2026–2040″، تضم 8 برامج و40 مشروعاً استراتيجياً محدد التكلفة ومصادر التمويل. وأشار إلى أن طبيعة إعادة الإعمار تتطلب مدى زمنياً لا يقل عن 20 عاماً، مقسمة إلى أربع مراحل متدرجة تبدأ بالإنقاذ العاجل وإعادة تشغيل المرافق حتى الوصول إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية المتقدمة والتصدير المشترك للأسواق الإقليمية والدولية.

 

​أولويات التفاوض

 

​وحول ترتيب الأولويات أمام المفاوض السوداني، نبه محمد نور إلى ضرورة أن تصب الخطوة الأولى في إنشاء صندوق مشترك لإعادة الإعمار برأس مال تأسيسي، ليتحول إلى أداة لتمويل المشروعات وتوفير الضمانات للمستثمرين. يلي ذلك التوجه المباشر نحو البنية الأساسية ذات العائد التنموي كالكهرباء والطرق، ثم الانطلاق نحو بناء منظومة غذاء متكاملة وسلاسل قيمة مضافة للثروة الحيوانية تعتمد الشحن المبرد والتصنيع المحلي وتحمل علامة “صُنِع في السودان”.

 

​الهيكلة المالية

 

​وفي جانب التمويل، شدد محمد نور على تنويع الآليات لتفادي إرهاق الخزانة العامة بالديون، داعياً للاعتماد على الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لمشاريع البنية التحتية، ونظام البناء والتشغيل (BOT) للطاقة والاتصالات، والصكوك الإسلامية للمشاريع الإنتاجية. كما أكد أهمية انتزاع فترة سماح تتراوح بين 5 إلى 8 سنوات قبل بدء سداد القروض الكبرى، لضمان دخول المشاريع مرحلة التوليد النقدي والتعادل المالي.

 

​المكاسب الحقيقيّة

 

​واختتم الخبير الاقتصادي إفادته بتقديم 5 مطالب رئيسية للوفد التفاوضي السوداني، تشمل التمسك باتفاقية إطارية طويلة الأجل، وتأسيس الصندوق المشترك، وتقديم قائمة بمشاريع جاهزة للاستثمار، وتشكيل لجنة تنفيذية عليا، إلى جانب إنشاء منصة متخصصة لتجهيز دراسات الجدوى (Bankable\ Projects). مؤكداً أن معيار النجاح لا يقاس بالمليارات الممنوحة، بل بالحجم الاستثماري والإنتاجي الذي ستولده الشراكة على مدى عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى