إثيوبيا تلعب بالنار ..السودان ليس ساحة مفتوحة لمن يريد أن يختبر نفوذه

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

ليست كل النيران تُرى من بعيد، وبعض الحرائق تبدأ بشرارة صغيرة، ثم لا تلبث أن تتحول إلى حريق يلتهم صاحبه قبل خصمه.

إثيوبيا اليوم تلعب بالنار.

وتقترب من منطقة لا تحتمل كثيراً من الحسابات الخاطئة، ولا تسمح بمزيد من المناورات التي تُدار خلف الحدود بينما يدفع السودان وحده ثمنها دماً وخراباً ونزوحاً.

 

السودان ليس ساحة مفتوحة لمن يريد أن يختبر نفوذه، ولا أرضاً سائبة تُدار من خلف الحدود، ولا دولة يمكن التعامل معها بمنطق الوصاية أو فرض الأمر الواقع.

 

والسودانيون، مهما اشتدت عليهم الحرب، يعرفون أين تبدأ حدود الصبر وأين تنتهي. ويعرفون أيضاً أن الصبر ليس ضعفاً، وأن الهدوء لا يعني العجز، وأن الدولة التي تخوض معركة وجود منذ أكثر من ثلاثة أعوام ليست دولة يمكن دفعها إلى الزاوية ثم مطالبتها بالصمت.

 

المشهد الإقليمي لم يعد يحتمل مزيداً من المناورات. وإثيوبيا بقيادة أبي أحمد تدخل في دائرة بالغة الحساسية من الصراع السوداني، وتتقاطع حساباتها مع مشروع إقليمي تقوده أبوظبي في المنطقة.

 

والوقائع التي تكشفت خلال الفترة الماضية لم تعد تسمح بالتعامل مع هذا الملف باعتباره مجرد حديث سياسي عابر. فقد دخلت الأراضي الإثيوبية في مسارات الحرب السودانية، وأصبحت الحدود والمنطقة الإثيوبية جزءاً من معادلة أمنية وعسكرية شديدة الخطورة.

 

وهنا أقولها بلا دبلوماسية رخوة: يا أحباش، لا تلعبوا بالنار.

فالسودان ليس الحلقة الأضعف، وليس البلد الذي يمكن أن تُفتح عليه جبهة ثالثة ثم يُطلب منه التعامل معها باعتبارها تفصيلاً صغيراً.

 

إنها محاولة لتوسيع دائرة الضغط على السودان، وتشتيت القوات المسلحة، وإرهاقها بجبهات جديدة، وإطالة أمد الحرب حتى تستنزف الدولة في أكثر من اتجاه.

 

لكن أصحاب هذه الحسابات لم يقرأوا السودان جيداً.

 

فالجيش السوداني الذي واجه أخطر تمرد مسلح في تاريخ الدولة الحديثة يخوض معركة دولة، والشعب السوداني الذي وقف خلف القوات المسلحة لم يقف دفاعاً عن مؤسسة عسكرية فحسب، وإنما دفاعاً عن وطنه ووحدته وحقه في أن تكون الخرطوم هي التي تقرر مصير الخرطوم.

وفي قلب هذه المعادلة يقف أبي أحمد، الرجل الذي أراد أن يقدم نفسه للعالم باعتباره رجل السلام في القرن الأفريقي، وهو اليوم أمام امتحان حقيقي: هل تريد إثيوبيا أن تكون دولة جارة للسودان، أم منصة في مشروع يستهدف السودان؟

الفرق بين الاثنين ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنه الفرق بين الجيرة والعداء.

وإذا كانت أديس أبابا قد قرأت المشهد السوداني باعتباره فرصة لتوسيع النفوذ، فعليها أن تعيد قراءة التاريخ والجغرافيا معاً.

السودان ليس دولة يمكن تطويقها بالضغط السياسي، ولا شعباً يمكن إخضاعه بالابتزاز، ولا جيشاً يمكن التعامل معه باعتباره رقماً هامشياً في حسابات الآخرين.

والأخطر أن تتحول إثيوبيا إلى ورقة في يد قوى إقليمية تبحث عن موطئ قدم في السودان. وهنا تحديداً يصبح الحديث عن أبوظبي ضرورياً، لأن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً مجرداً، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية واضحة.

وهنا تكمن خطورة أن تصبح إثيوبيا جزءاً من هذه المعادلة.

فمن يريد تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للحسابات الإقليمية؟ ومن يعتقد أن إطالة الحرب ستُضعف الدولة حتى تقبل بأن تُدار من خارج الحدود؟

هذه الحسابات ستسقط أمام حقيقة واحدة: السودان ليس للبيع، وليس مشروع نفوذ، وليس غنيمة حرب.

ومن يظن أن المال والسلاح والحدود المفتوحة تستطيع صناعة دولة بديلة في الخرطوم، فقد أخطأ العنوان. هذه ليست وصفة للانتصار، بل وصفة لتوسيع الحرب.

وإثيوبيا تحديداً تعرف معنى الحدود، وتعرف معنى أن يكون الجار مصدراً للاستقرار أو بوابة للفوضى.

فلماذا تريد أديس أبابا أن تكون بوابة للفوضى؟ ولماذا تسمح بأن تصبح أراضيها جزءاً من حرب السودان؟ ولماذا تضع نفسها في مواجهة دولة وشعب وجيش يعرفون جيداً معنى الدفاع عن الأرض؟

هذه أسئلة التاريخ والجغرافيا والمستقبل.

السودان لا يريد حرباً مع إثيوبيا، ولا عداءً مع شعبها. فالشعبان بينهما تاريخ وجوار ومصالح مشتركة أكبر من مغامرات السياسيين.

لكن احترام الجوار شيء، والسماح بالعبث بالسيادة شيء آخر.

السودان لا يطلب من إثيوبيا أكثر من أن تكون دولة جارة: لا منصة، لا ممراً، ولا غرفة عمليات، ولا شريكاً في مشروع يستهدف الدولة السودانية.

يا أبي أحمد، لا تجعل إثيوبيا ورقة في يد الآخرين، ولا تجعل مصالح أبوظبي فوق مصالح شعبك، ولا تسمح بأن يتحول طموحك الإقليمي إلى فاتورة يدفعها السودان.

فالسودان القوي المستقر مصلحة لإثيوبيا. أما السودان الغارق في الحرب، وحدوده مفتوحة للفوضى، ومجتمعاته ممزقة واقتصاده منهك، فليس جائزة لأحد؛ إنه قنبلة إقليمية، ومن يعبث بفتيلها لا يعرف أين سينفجر.

والذين يراهنون على فتح جبهة ثالثة لإضعاف القوات المسلحة عليهم أن يفهموا شيئاً بسيطاً:

القوات المسلحة السودانية ليست وحدها. وراءها شعب.

وشعب بهذا الحجم من الصبر والتضحيات لا يمكن كسره بسهولة.

ولا أحد يريد حرباً سودانية إثيوبية، لكن لا أحد في السودان يقبل أن تتحول إثيوبيا إلى منصة للحرب على السودان.

السلام لا يعني أن تترك بابك مفتوحاً لمن يريد اقتحام دارك، والدبلوماسية لا تعني التنازل عن السيادة، والجوار لا يعني أن تسمح لجارك بأن يتحول إلى شريك في استهدافك.

لقد أخطأت عواصم كثيرة في قراءة السودان، واعتقدت أن الحرب تعني غياب الدولة.

لكن الدولة لا تُقاس بضجيج السياسة ولا بعدد البيانات ولا بحسابات التحالفات المؤقتة.

الدولة تُقاس بقدرتها على البقاء. والسودان بقي.

ولهذا فإن من يراهن على إنهاكه حتى يسقط في يد الخارج، قد يجد نفسه أمام سودان أكثر تشدداً في حماية سيادته، وأكثر حساسية تجاه أي يد تمتد عبر الحدود.

أما إثيوبيا، فعليها أن تفهم أن السودان لا يبحث عن معركة معها، لكنه لن يهرب منها إذا فُرضت عليه. وهذه ليست لغة تهديد، بل لغة الدول التي تعرف قيمة سيادتها.

والرسالة إلى أديس أبابا واضحة:

لا تلعبوا بالنار.

لا تدعموا حرباً على أرض السودان، ولا تجعلوا حدودكم ممراً للفوضى، ولا تمنحوا أي طرف ما يساعده على إطالة أمد الدم السوداني.

ومن يظن أن الشعب السوداني يخاف من إثيوبيا، فليقرأ التاريخ. ومن يظن أن الجيش السوداني يخشى الحدود، فليقرأ واقع الميدان.

لقد بلغ السيل الزبى. فلا تختبروا ما تبقى من الصبر، ولا تجعلوا لحظة الحساب أقرب مما ينبغي.

إثيوبيا تلعب بالنار، والنار لا تسأل صاحبها عن جنسيته قبل أن تحرقه.

فليكن عقل أبي أحمد أكبر من إغراءات اللحظة، ولتكن إثيوبيا دولة جارة لا منصة نفوذ، وصاحبة قرار لا ورقة في يد الآخرين.

 

وليتذكر أبي أحمد أن التاريخ لا يرحم من يخطئ حساب الجغرافيا.

أما السودان، فسيظل يقولها بوضوح:

نحن لا نبحث عن معركة مع أحد، لكننا لا نسمح لأحد أن يبحث عن معركة داخل أرضنا.

*هامش السيادة*

السيادة ليست لافتة تُرفع في المؤتمرات، ولا كلمة تُضاف إلى البيانات الرسمية.

السيادة حدود تُحرس، وقرار لا يُشترى، وأرض لا تُؤجّر، وكرامة شعب لا تُدار من خارج الحدود.

والسودان الذي صبر طويلاً لا ينبغي أن يُفهم صمته خطأ.

السودان قد يتعب… لكنه لا ينحني. وقد يصمت… لكنه لا ينسى. وقد يمد يده للسلام… لكنه لا يسلّم وطنه.

فلا تلعبوا بالنار يا أحباش، ولا تلعب بالنار يا أبي أحمد.

لقد بلغ السيل الزبى.

ومن يقترب من السودان بهذه الحسابات عليه أن يتذكر جيداً:

أن السودان ليس أرضاً بلا أصحاب، ولا دولة بلا جيش، ولا شعباً بلا إرادة.

والنار التي تُشعل في أرض الآخرين، قد يكون أول رمادها في بيت من أشعلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى