الحوار الوطني.. مطرقة الحرب وسندان الكيد السياسي

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وفي هذا التوقيت الدقيق من عمر الدولة السودانية، والتي تكابد بين محطتي أن يكون أو لا يكون، وبدلًا من أن تكون فكرة الحوار هي المدخل لأن يكون السودان، وأن يستعيد حالته الطبيعية دولةً بجغرافيا ودستور وهياكل للدولة، أصبحت الفكرة هي نفسها مدخلًا للمزيد من الخلافات التي من شأنها أن تؤجل الحلول وتزيد من سعار الاختلافات بين الأطراف السودانية.
والسؤال هنا الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل من الممكن أن ينجو الحوار من مطرقة حرب الأطراف في ظل وجود هذا القدر من المواقف “الصمدية”؟ وصنمية الشروط المتبادلة، وكأنما الشعب السوداني يمتلك رفاهية انتظار الحلول بعد أحداث تقارب بين تلك النقائض في مواقف الأطراف، العسكري منها والمدني؟
(*) الحوار .. ضرورة وطنية أم “غنيمة” شرعية؟؟
والحوار هو الوسيلة المتفق عليها نظريًا على أنها الوحيدة القادرة على إنهاء الحرب في السودان، وما الحديث عن حسم البندقية إلا خطاب “ميدان” وسلاح لرفع المعنويات واستقطاب الرأي العام لصناعة تقدم ما في ميدان “التفاوض”.
يرى البعض من الأطراف ذلك، بينما يرى آخرون بأن الحوار هو المدخل لإعادة توزيع “الشرعية” السياسية بين الأطراف التي تتنازع عليها، وبالضرورة فإن هذين طريقان مختلفان تمامًا، وبينهما تباين بائن وكبير في الأهداف.
في ٢٦ مايو، أعلن رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، عبدالفتاح البرهان، عن إطلاق ترتيبات لحوار سياسي داخل السودان لاستكمال الانتقال الديمقراطي، وتم التأكيد على ذلك في لقاء ثانٍ جمعه مع أطراف الكتلة الديمقراطية، وهذا من ناحية، إذا قرأناه من زاوية أن الحرب مطرقة تضرب على رأس الدولة والمواطنين، شيء في ظاهره إيجابي ومطلوب، بأن يكون الحوار “السوداني سوداني”، بدلًا من أن تتوزع أوراق الحل خارج السودان والأجندات الإقليمية والدولية.
ولكن يأتي السؤال أيضًا عن: هل سينجو هذا الحوار السوداني سوداني من مظان السوء والكيد السياسي إذا تم انعقاده تحت مظلة سلطة هي طرف في الحرب، وفي جغرافيا هي الآن تحت سيطرتها؟
جواب هذا السؤال يضع الحوار فعلًا تحت ضغط سندان أجواء الحرب التي فرضت نفسها على بقية الأجواء، ما يكرس لحالة الانقسام القائم أصلًا بسبب الحرب، وبالتالي قد لا يكون موضوعيًا على الإطلاق تجاهل هذه الأجواء والافتراض بأن الداخل السوداني الذي تشكله أجواء الحرب وحالة الاستقطاب الحادة سيكون بين عشية الدعوة للحوار وضحى الاستجابة له من جهة الفرقاء السياسيين، مناخًا إيجابيًا للحوار ولإنتاج الحلول التي توقف الحرب وتفضي إلى عملية سياسية سلسة تعيد قطار الانتقال الديمقراطي إلى مساره المنشود.
وهب أننا أعطينا قدرًا من المنطقية ونسبة كبيرة لهذا الاعتراض الذي يُقرأ من جانب القوى السياسية “تحالف صمود”، فإن هذا لا يمنعنا من توجيه السؤال أيضًا لها عن: أين يمكن لهذا الحوار المطلوب إن لم يكن في السودان، وإلى متى سيظل الحوار السياسي السوداني معلقًا على المكان؟
(*) وجوه متعددة للحوار ..
وبالضرورة، فإن خروج دعوات الحوار بالشكل الذي نتابعه الآن فيه دلالات، على الأقل، بالاتجاه من ناحية الحرب إلى ناحية السلام والسياسة، وفتح المسار أمام القوى المدنية لتكون جزءًا من الحل للأزمة السودانية، وتجربة الصيغة السودانية للحل في مقابل أكثر من صيغة خارجية لم تصمد كثيرًا أمام مطرقة الحرب.
الوجه المقلق في الحوار في ظل الواقع المعاش حاليًا هو أن يحدث الحوار لتثبيت واقع أوجدته ظروف الحرب فقط، وأن يكون الحوار هو أداة لإيجاد شرعية ما، وليس حوارًا لإنهاء الحرب.
تحالف “صمود” اعتمد على نقاط نعتقد بأنها قوية في انتقاد سلوك الآلية “الخماسية”، والتي وقعت في أخطاء إجرائية ما كان لها أن تحدث من طرف وسيط ومسهل لعملية الحوار بين الأطراف السودانية، والقفز على منطق الملكية السودانية للعملية السياسية بالكامل.
إبداء الملاحظات على سلوك الوسيط يعتبر جزءًا من التحضير الجيد للتفاوض، ولكن بالمقابل فإن الانسحاب الكامل من منصة تفاوضية لها وزنها، انتظارًا لظروف مثالية يدخل بها التحالف الحوار المستجيب لكامل الشروط، يعتبر تعطيلًا للعملية التفاوضية نفسها دون تقديم بدائل موضوعية.
شروط تهيئة المناخ للحوار السياسي يجب ألا تستبطن سوءات الكيد السياسي، وبالتالي فإن القراءة فيما كتبه السيد/ عمر الدقير، القيادي بالمؤتمر السوداني وتحالف صمود، يجب أن تؤخذ في الاعتبار حتى لا يفسد الكيد السياسي فضاءات العملية التفاوضية، لأن ورود كلمة “العفو” في سياق التمهيد للحوار الوطني هنا يؤسس للاعتراف بالتهم ذات الأصل السياسي، والتي تضع الجريمة والموقف السياسي رأسًا برأس، وبالتالي يتم التعامل مع مسألة “العفو” وكأنها منحة تمنحها السلطة.
وحتى لا يلعب “الكيد السياسي” هنا لعبته المفضلة في الخلط بين الموقف السياسي والجريمة، يجب أن يكون مفهومًا أيضًا بأن رفض العفو ليس صكًا للبراءة المطلقة وعدم المساءلة، فما هو مثبت بالقانون والأدلة يأخذ مساره القضائي إلى أن تقول العدالة رأيها، وألا يكون الحوار جسرًا للإفلات من العقاب.
في عملية الحوار، وحتى لا يظهر موقف الاستبعاد والاستثناء في قوالب “الكيد السياسي”، وبالتالي يسهل الطعن والاعتراض عليه، يجب أن يستند هذا الاستثناء على ما هو قانوني لكل من ثبت تورطه فيما هو جنائي أو فيه تعدٍ على الحقوق والأصول الدستورية، بدلًا عن الاستبعاد على أساس الهوية السياسية.
وبالمقابل أيضًا، يجب الاحتراز عند إطلاق وصفة الشمول على الحوار المزمع عقده حتى لا يكون ذلك معبرًا لإعادة أركان النظام السابق دون أي مساءلة عن انتهاكات ارتكبت طوال سنين الحكم.
في جانب آخر، لا يريد تحالف “تأسيس” التعامل معه عند النظر لأي عملية تحاورية على أساس أنه يمثل “الحاضنة” السياسية والوجه السياسي البديل لقوة عسكرية طرف في الحرب، “مليشيا الدعم السريع”، وتمتلك سجل انتهاكات لا حصر لها، وتريد أن تفرض واقعًا سياسيًا لمستقبل السودان بهذا الوجه السياسي بحسب سيطرتها على جغرافيا محددة في السودان، بل وترغب في تحديد أطراف الحوار لحل الأزمة، وهذا بالضرورة لا يصنع واقعًا جيدًا للحوار الوطني، لأنه ومهما كانت السيطرة العسكرية، فإنها غير مؤهلة لصناعة مقعد سياسي دائم في السودان.
“الكتلة الديمقراطية” كطرف آخر يتناول موضوعات الحوار بالموقف والتعليق، لا تستطيع أن تنفي بأن قربها من السلطة الحاكمة يجعل منها مجرد “حاضنة مدنية” لمشروع سياسي تقوده المؤسسة العسكرية، ولكن بوجوه متعددة.
مع مطرقة الحرب، هنالك منطق لا تحب الأطراف مواجهته، وهو منطق أنه لا يمكن الحديث والحوار حول إيقاف الحرب في ظل غياب الأطراف الحاملة للسلاح وتطلق الرصاص، بل إن هذا يعتبر السبب الأساسي وراء أن يدور الحوار حول نفسه كل هذه الفترة؛ إذ لا يمكن للمدنيين أن ينجزوا وحدهم سلامًا يرفضه العسكريون، ولا يمكن للعسكريين أن يكتبوا وحدهم سلامًا يقبله المجتمع.
(*) مطرقة الحرب .. العامل الذي يفسد كل الحسابات السياسية ..
من الخطأ التعامل مع الحرب باعتبارها خلفية فقط لعملية الحوار. الحرب أصبحت الآن عاملًا مهمًا ويغير في تركيبة المعادلة السياسية. في كل يوم تستمر فيه البنادق في إطلاق الرصاص، فهي التي تغير موازين القوى وتحدد خارطة السيطرة، وعلى أساسها تتغير التحالفات وتدخل أطراف جديدة في الحرب، وتتلاقى وتتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن مسألة ربط الحوار بانتظار وقف الحرب تعني حقيقة انتظار واقع هو الأكثر تعقيدًا من الأيام الأولى للحرب.
والحرب هنا، وبمفهومها الشامل، ترتبط بالكيد السياسي كأحد أدوات الحرب المستخدمة بكثرة وفعالية في حرب السودان، إذ بات من الواضح أن هنالك أطرافًا لديها مؤيدون على الاستعداد للتفاوض والحوار، بل واستقبال حاملي السلاح والمنتمين صراحة للعدو، في مقابل الرفض التام للخصوم السياسيين، والرغبة في استبعادهم من المشهد السياسي أكبر من الرغبة في إنهاء الحرب نفسها في السودان، وأصبح لكل طرف «فيتو» على عملية الحوار والسلام، بينما لا يملك أي طرف وحده القدرة على صناعة منصة قوية للحوار والسلام.
وفي هذه الجزئية، واجب علينا أن نشرح فكرة “الملكية الوطنية” للحوار، والتي أُخلط على الأطراف فهمها بسبب مطارق الحرب وسندان الكيد السياسي، والقول بأن الملكية الوطنية للحوار تعني أن تكون قواعد العملية متوافقًا عليها، وأن تكون هناك محددات واضحة للمشاركة من قبل الأطراف، والأهم في هذه الحالة هي قائمة معايير للمشاركة وليست قوائم الإقصاء والاستثناء، تشمل، على سبيل المثال، عدم المشاركة في الجرائم والانتهاكات، وعدم امتلاك فصائل ومليشيات خارج المؤسسة القومية، والقبول المبدئي بالمحاسبة والعدالة، والتسليم بضرورات التحول المدني الديمقراطي، وأن تكون هذه المعايير هي التي تحدد من يشارك من الأطراف ومن الذي يستبعد من الحوار.
طالما أن هنالك ربطًا حتميًا بين مسألة إيقاف الحرب والسلام والعملية السياسية، يصبح من الخطأ أن تتم هندسة الحوار وصياغته تأسيسًا على فكرة أطراف أعلنت اصطفافها إلى جانبي الحرب، فبالضرورة هنالك أطراف ذات وزن خارج هذه الثنائية، ولا يمكن إعلان شمول الحوار واستبعادها من العملية السياسية التي تبدأ بالحوار.
وبناءً على ذلك تصبح هنالك مطلوبات محددة من الحوار السوداني سوداني يمكن إجمالها في خمسة حلقات. الحلقة الأولى تتمثل في الهدنة الإنسانية القابلة للمراقبة، بحيث لا تكون مجرد إعلان سياسي غير قابل للتطبيق على الأرض، ووقف لإطلاق النار بآليات مراقبة.
عمليات التفاوض الأمني والعسكري لمناقشة مستقبل المؤسسة العسكرية القومية ومستقبل المجموعات الحاملة للسلاح، بما فيها مليشيا الدعم السريع، ومن ثم انطلاق العملية السياسية وفقًا للمعايير التي ذكرناها آنفًا للدخول في ترتيبات الفترة الانتقالية في السودان، تؤسس لحكم مدني وانتخابات ودستور جديد وعدالة ومصالحة وطنية شاملة.
السودان بوضعه الحالي لا يحتاج حوارًا سياسيًا ينتصر فيه طرف على طرف، بل يحتاج حوارًا تنتصر فيه الدولة على الحرب، والحوار الحقيقي ليس الذي يجلس فيه الجميع فقط، وإنما الذي يضع أمام الجميع حقيقة: لا شرعنة للحرب، ولا إفلات من العدالة، ولا إقصاء سياسي خارج المعايير المعلنة. فالمطرقة هي الحرب التي تضغط على الجميع، والسندان هو الكيد السياسي الذي يجعل كل طرف يضع شروطًا تجعل الخروج من الحرب أصعب. وليس المطلوب أن يتفق السودانيون أولًا على من هو المذنب ثم يوقفوا الحرب، فالمطلوب أن يوقفوا الحرب أولًا، ثم يفتحوا الطريق لحوار لا يحمي مذنبًا ولا يقصي خصمًا لمجرد الخصومة والكيد السياسي.



