نور وماء لكل السودان.. حكومة إدريس على المحك..

خبير اقتصادي: “نور وماء” خطة تعكس إرادة سياسية قوية، لكنها مرهونة بالآتي… “….” !!
الحرب تتسبب في خسائر 3 مليارات دولار في قطاع الكهرباء وتحرم 15 مليون مواطن من مياه الشرب
استراتيجي يضع خارطة طريق لحكومة الأمل لإنجاح برنامج “نور وماء”
مهندس كهربائي: الأضرار التي لحقت بالشبكة القومية تتطلب حلولاً هندسية مبتكرة
خبير مياه: العودة للتشغيل الكامل لمحطات المياه عملية هندسية معقدة وشاقة
الخطة تهدف لتوفير الطاقة الشمسية وشبكات المياه خلال 12 شهراً
الخرطوم- رمضان محجوب
شهدت العاصمة الخرطوم خلال اليومين الماضيين حراكاً سيادياً مكثفاً تجسد في اجتماع طارئ لمجلس الوزراء برئاسة بروفيسور كامل إدريس، تدارست خلاله الدولة التحديات الملحة وتأهيل البنى التحتية المدمرة. هذا الحراك انعكس بوضوح على تطلعات المواطنين نحو استعادة الخدمات الأساسية، حيث وضعت الطاولة الرسمية ملفات استراتيجية مصيرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الإنسان اليومية واستقرار المجتمعات. جاءت مخرجات الاجتماع لتعبر عن رغبة جادة في تجاوز عقبات مرحلة ما بعد النزاع، والانتقال الفعلي من ردود الفعل إلى التخطيط المؤسسي المحكم، سعياً لبناء واقع خدمي جديد يعيد للبلاد حيويتها ونشاطها المعهود. ولم يكن هذا الانعقاد الطارئ سوى حلقة في سلسلة طويلة من التحركات الميدانية.
▪️ أبعاد الأزمة الطارئة
هذا الاجتماع الوزاري الطارئ لم يكن سوى حلقة من سلسلة طويلة من التحركات الميدانية والسياسية التي تبنتها حكومة الأمل في الفترة الانتقالية، في محاولة جادة لبعث الروح في شرايين مؤسسات الدولة الحيوية. فقد أيقن كامل إدريس وحكومته أن بقاء الدولة وفعاليتها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على تأمين مقومات العيش الكريم لأبنائها، وفي مقدمتها قطاعا الكهرباء والماء اللذان يمثلان عصب الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي والتجاري بجميع مستوياته. ومن هنا، جاءت التوجيهات العليا واضحة المعالم، داعية إلى ضرورة تضافر الجهود الوطنية وتعبئة الطاقات كافة لإحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمات المتراكمة، وهو ما استقبله الشارع السوداني بارتياح حذر يترجمه الأمل المشوب بترقب النتائج الملموسة.
▪️ استقرار خدمي سابق
خلال السنوات التي سبقت اندلاع حرب الميليشيا، عاش قطاعا الكهرباء والماء استقراراً نسبياً، حيث غطت الشبكة القومية للكهرباء النسبة الأكبر من المدن عبر التوليد المائي والحراري. وكانت محطات التوليد في مروي والروصيرص وقري في بحري تضخ آلاف الميغاوات، بينما تكفلت محطات الخرطوم بحري وغرب أم درمان والمقرن بتأمين مياه الشرب النقية لملايين السكان بانتظام. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية السابقة وضعف الصيانة الدورية الذي كان يظهر أحياناً في قطوعات الصيف، إلا أن البنية التحتية الأساسية ظلت متماسكة وقادرة على تلبية الاحتياجات اليومية للقطاعات السكنية والصناعية والخدمية في مختلف أنحاء البلاد بصورة مقبولة ومستقرة تماماً ومستمرة بلا توقف.
▪️ دعائم النهضة العمرانية
خلال تلك الفترة، استطاعت البنية التحتية للكهرباء والمياه تشكيل دعامة أساسية للتوسع العمراني والاقتصادي الذي شهدته المدن السودانية. كانت محطات الإنتاج تعمل بطاقات وثابة، وتتكامل عبر شبكات نقل واسعة تربط بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك، مما ضمن استمرارية الإمداد للمصانع والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والخدمية. وإذا كانت بعض الأعطال الفنية الموسمية تفرض نفسها أحياناً، فإن الكوادر الوطنية المؤهلة كانت دائماً في المرصاد للتعامل معها بحلول هندسية سريعة، مما حافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الخدمي الذي أتاح للمواطنين العيش في بيئة مستقرة نسبياً ومحفزة للإنتاج والتطور المستمر طوال تلك الفترة الزمنية.
▪️ الميليشيا والدمار الممنهج
ألحقت الحرب المدمرة التي قادتها الميليشيا أضراراً بالغة وممنهجة بقطاعي الكهرباء والماء، مما أدى إلى خروج معظم المحطات عن الخدمة تماماً. تشير الإحصاءات الرسمية والتقارير الهندسية إلى تدمير وسرقة أكثر من 60% من محولات التوزيع وشبكات الضغط العالي والمنخفض في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان. تقدر الخسائر المالية المباشرة للبنية التحتية الكهربائية بأكثر من 3 مليارات دولار، بينما تعرضت محطات مياه الشرب الكبرى للتخريب والنهب وفقدان قطع الغيار الأساسية، مما أدى لحرمان أكثر من 15 مليون مواطن من الإمداد المائي والكهربائي المنتظم، متسبباً في كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة تهدد حياة ومستقبل السكان هناك.
■ تداعيات الكارثة التشغيلية
الأضرار لم تقتصر على الخسائر المادية المباشرة التي يمكن حصرها بالأرقام الفلكية فحسب، بل امتدت لتشمل تدمير القدرات التشغيلية والخبرات التراكمية التي تم بناؤها على مدار عقود طويلة. إن استهداف المكونات الدقيقة واللوحات الإلكترونية وغرف التحكم الرئيسية في محطات الإنتاج والنقل يعكس نية مبيتة لشل حركة الحياة وتعطيل مقومات الوجود البشري في المدن المستهدفة. هذا الوضع الكارثي فرض أعباء إضافية هائلة على كاهل الدولة والمواطن على حد سواء، وجعل من عملية العودة إلى نقطة البداية تحدياً هندسياً واقتصادياً غير مسبوق يتطلب استنفاراً شاملاً وموارد استثنائية لتجاوز هذا الركام الثقيل واستعادة الأمل من جديد.
▪️ برنامج استراتيجي واعد
أقر مجلس الوزراء برئاسة بروفيسور كامل إدريس خطة وطنية استراتيجية كبرى حملت عنوان “برنامج نور وماء لكل السودان”، مستهدفة توفير الطاقة الشمسية وشبكات المياه لكافة التجمعات السكانية الرئيسية خلال 12 شهراً. وشدد الاجتماع على ضرورة تفعيل دور الشراكات الذكية وتوجيه الجهود نحو الاعتماد على حلول الطاقة البديلة والمستدامة. كما وجه المجلس وزارة البنية التحتية بتقديم خطط تنفيذية عاجلة لتأهيل المرافق الحيوية، وتأسيس لجان وزارية متخصصة لمواجهة التخريب الاقتصادي وحماية مقدرات الدولة، مؤكدين التزام الحكومة الكامل بتذليل كافة العقبات المالية والفنية لتنفيذ هذه المشاريع الخدمية الحيوية في مواعيدها المحددة بدقة تامة ودون أي تأخير.
▪️ تحول نحو اللامركزية
وتأتي هذه الخطة الطموحة لتشكل نقطة تحول جوهرية في فلسفة إدارة الأزمات الحكومية، متجاوزة الحلول الإسعافية المؤقتة نحو مقاربة استراتيجية مستدامة تعتمد على اللامركزية في إنتاج الطاقة والمياه. إن التوجه نحو الطاقة الشمسية كخيار استراتيجي لا يقتصر فقط على كونه بديلاً آمناً للشبكات التقليدية المدمرة، بل يمثل قفزة تقنية تتلاءم مع المعطيات الجغرافية والمناخية للبلاد التي تتمتع بسطوع شمسي هائل طوال العام. كما أن إشراك القطاع الخاص والمؤسسات الدولية في تمويل وتنفيذ هذه الحزم الخدمية يفتح باباً واسعاً لتحقيق الأهداف المنشودة في أسرع وقت ممكن، وبأعلى كفاءة تشغيلية ممكنة تضمن استدامة الخدمة واستقرارها على المدى الطويل.
■ رؤية الخبير الاقتصادي
يرى خبير اقتصادي تحدث لـ “العودة” أن إعلان الحكومة عن خطة “نور وماء لكل السودان” يعكس إرادة سياسية قوية، لكن ترجمتها الواقعية تظل مرهونة بحشد الموارد المالية الضخمة وتوفير التمويل المستدام، مشيراً إلى أن تكلفة إعادة إعمار قطاعي الكهرباء والماء تتطلب شراكات إقليمية ودولية حقيقية، نظراً لعجز الموازنة العامة الحالية عن تغطية النفقات الرأسمالية الهائلة. وأوضح أن الاعتماد على الطاقة الشمسية يعد خياراً استراتيجياً ذكياً وموفراً للوقت والتكلفة، شريطة وضع جدول زمني دقيق وإدارة شفافة للمشاريع تضمن عدم تعثرها تحت ضغط الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة بالبلاد لضمان تحقيق النتائج المرجوة والمستهدفة.
■ متطلبات نجاح الخطط
ويؤكد الخبير أن نجاح مثل هذه البرامج العملاقة لا يتوقف فقط على توفر النوايا السياسية الصادقة والخطط الورقية المحكمة، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة الإدارة التنفيذية على خلق آليات مرنة للتنفيذ بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية التقليدية. ويرى أن فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية والمحلية المشتركة يتطلب تقديم ضمانات حقيقية وحوافز تشجيعية تجذب رؤوس الأموال نحو قطاع البنية التحتية الذي يعتبر الأكثر تضرراً ولكنه الأسرع عائداً على التنمية المجتمعية والاستقرار الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، فإن المتابعة الدقيقة والتقييم المستمر المراحل التنفيذية يمثلان صمام الأمان الحقيقي لضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرسومة بكل كفاءة واقتدار.
■ التحديات الهندسية والفنية
بينما يؤكد مهندس الكهرباء صالح عبد الله في حديثه لـ “العودة” أن نجاح الحكومة في إنفاذ برنامج الطاقة الشمسية يتطلب أولاً تأمين خطوط النقل الرئيسية وحماية المحطات الفرعية من أي أعمال تخريب محتملة. وأوضح أن قطاع الكهرباء يمتلك الكوادر الفنية المؤهلة للتعامل مع التحديات، لكن النقص الحاد في قطع الغيار والأجهزة الدقيقة يظل العقبة الأكبر التي تعرقل سرعة الأداء الميداني. وأضاف أن التنسيق المحكم بين وزارتي المالية والكهرباء سيحدد مدى القدرة على استيراد المعدات الإسعافية في التوقيتات المناسبة، مما يجعل الشهور القادمة حاسمة لاختبار مدى كفاءة الخطط الحكومية المعلنة على أرض الواقع الميداني وتحقيق النتائج المطلوبة بدقة عالية دون أي عقبات تعيق مسيرة العمل.
▪️ حلول قطاع الكهرباء
ويشير المهندس صالح إلى أن الأضرار التي لحقت بمكونات الشبكة القومية تتطلب حلولاً هندسية مبتكرة لا تقف عند حدود الصيانة التقليدية، بل تمتد إلى إعادة هيكلة منظومة التوزيع بالكامل لتصبح أكثر مرونة ومقاومة للمخاطر المستقبلية. إن الاعتماد على المحطات الشمسية اللامركزية يقلل من الاعتماد على خطوط النقل الطويلة التي تكون عرضة للأعطال والتخريب، مما يرفع من مستوى الاعتمادية الذاتية للمناطق السكنية والخدمية. ومع ذلك، يشدد على أهمية توفير المعامل والمعدات المخبرية اللازمة لفحص واختبار الأجهزة والمعدات الواردة حديثاً لضمان مطابقتها للمواصفات الفنية العالمية وقدرتها على العمل بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية للبلاد خلال المرحلة المقبلة.
▪️ واقع قطاع المياه
في المقابل، يوضح مهندس مياه تحدث لـ “العودة” أن محطات المياه تعاني من دمار شبه كامل في منظومات الضخ والتعقيم، مما يجعل العودة للتشغيل الكامل عملية هندسية معقدة وشاقة. وبين أن الاعتماد على الآبار الارتوازية ووحدات الطاقة الشمسية المدمجة يمثل حلاً إسعافياً ممتازاً لتوفير مياه الشرب العاجلة للتجمعات السكانية، لكنه لا غنى عن إعادة تأهيل المحطات الكبرى على النيل. وأكد أن تلوث شبكات المياه المختلطة بمخلفات الحرب يفرض تحديات صحية إضافية تستوجب فحوصات مخبرية دقيقة قبل الضخ الفعلي، مشدداً على أهمية توفير المعقمات والمواد الكيميائية اللازمة لضمان سلامة وصلاحية المياه للاستهلاك البشري في جميع المناطق والمدن المتضررة بصورة كاملة وعاجلة.
▪️ الأمن الصحي والبيئي
ويضيف الخبير أن قطاع المياه يمثل الخط الدفاعي الأول عن صحة وسلامة المجتمعات، الأمر الذي يجعل أي تهاون في معايير الجودة والسلامة كارثة محتملة تهدد الأمن الصحي العام. ومن هنا، فإن الخطط الإسعافية التي تسعى الدولة لتنفيذها يجب أن تتزامن مع برامج توعية مجتمعية مكثفة، وتوفير فرق فحص متنقلة لمراقبة جودة المياه في مختلف الأحياء والنقاط السكنية. إن التحدي الأكبر يكمن في تأمين استمرارية تدفق الطاقة المشغلة لمضخات المياه، وهو ما تجده الخطة الحكومية الجديدة حلاً ناجعاً عبر ربط الآبار والمحطات بوحدات الطاقة الشمسية المستقلة، مما يحرر مرفق المياه من قيود الانقطاعات الكهربائية المستمرة ويوفر بيئة آمنة وصحية لكافة المواطنين.
▪️ خارطة الطريق الاستراتيجية
في حديثه لـ “العودة”، يؤكد مسؤول سابق بمجلس التخطيط الاستراتيجي أن نجاح الدولة في تنفيذ خطة الخدمات الكبرى يرتكز على ثلاث ركائز أساسية تشمل توفير التمويل المرن، وإشراك القطاع الخاص المحلي والأجنبي، واعتماد آليات رقابة صارمة. وأوضح أن وضع جدول زمني مرحلي يربط الأهداف بالموارد المتاحة يمنع تشتت الجهود الحكومية ويضمن الاستمرارية. وأشار إلى ضرورة استثمار العلاقات الدبلوماسية لجذب المنح والاستثمارات الموجهة لقطاعات البنية التحتية، مع تفعيل اللجان الشعبية والمحلية للمشاركة في حماية ورعاية هذه المكتسبات الخدمية بما يحقق الاستقرار والتنمية المستدامة في عموم ولايات السودان المختلفة ويدعم مسيرة البناء والنماء بشكل شامل وفعال ومستمر.
▪️ معركة البناء والإعمار
وتختتم هذه الرؤية الاستراتيجية بالتأكيد على أن معركة التنمية وإعادة الإعمار لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى خاضتها البلاد، بل هي المعركة الحقيقية التي تؤسس لمستقبل الأجيال القادمة وتستعيد للدولة هيبتها ومكانتها الإقليمية والدولية. إن تضافر الجهود الشعبية والرسمية، والشفافية في إدارة الموارد، والإصرار على تحويل التحديات إلى فرص سانحة، كلها عوامل تكفل نجاح برنامج “نور وماء لكل السودان” وتحويله من مجرد وثيقة وزارية طموحة إلى واقع ملموس ينير بيوت المواطنين ويسقي أرضهم بالخير والرخاء والاستقرار الدائم الذي يستحقه الشعب السوداني العظيم في كافة ربوع الوطن الحبيب بلا استثناء ولا نقصان أبداً.




