إبراهيم شقلاوي يكتب : تسعة وتسعون لا تكفي

وجه الحقيقة..
أودع القرآن الكريم في ذاكرتنا قصصًا تختصر طبيعة النفس البشرية، فتجمع بين متعة السياق القصصي وعمق الفكرة والانتباه . ومن أبلغها رجلٌ يملك تسعًا وتسعين نعجة، ومع ذلك تمتد عينه إلى نعجة أخيه: ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ “سورة ص: 23”. هنا تكمن المفارقة، فالطمع لا يبدأ من نقصٍ في الملك، بل من عجز الوفرة عن إشباع شهية التملك، فيغدو ما في يد الآخر هو الغاية، فتتحول الرغبة إلى اطماع والاطماع إلي نفوذ وسيطرة.
دلالة الصورة ليست في عدد النعاج، وإنما في المعنى والفكرة : كيف يمكن للرغبة في الامتلاك أن تتجاوز حدود الحاجة والاستحقاق؟ وبعد قرون طويلة، تتغير الأشياء التي يتنافس عليها البشر، لكن الفكرة لم تتغير. لم تعد “النعجة” من بهيمة الأنعام بالضرورة، قد تصبح سلطة، أو موردًا اقتصادياً أو ميناءً، أو نفوذًا، أو موقعًا استراتيجيًا. تغيرت الأدوات وتبدلت الأطماع ، لكن شهية الاستحواذ ظلت كما هي بارتداء أثواب جديدة.
وفي الحالة السودانية، يمكن اختصار “النعجة المئة” في معنى واحد: الاستحواذ المطلق بلا استحقاق. وهنا تبدأ حكاية مقالنا بالظاهرة السودانية المعاصرة. فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل لم تكن مجرد صراع على من يملك السلطة أو السلاح أو من ينتصر ، بل كشفت عن أبعاد أكبر من ذلك، تتعلق بمن يريد امتلاك الدولة نفسها. في الداخل، تبدو السلطة هي “النعجة المئة” ، فهناك من يريد الوصول إليها بأي ثمن حتى لو كان أرواح الناس وأمنهم، دون استحقاق دستوري، وهناك من يرى في السلاح أو النفوذ أو التاريخ السياسي ما يكفي لمنحه حقًا دائمًا في السيطرة والقرار.
وفي المقابل قد يتحول الدور الوطني للجيش في حماية الدولة، تحت ضغط الحرب، إلى مبرر للتمدد السياسي. وهنا يجب التمييز بين شرعية حماية الدولة وشرعية حكمها، فالجيش مؤسسة وطنية، لكن حماية الدولة لا تعني امتلاكها، كما أن القوة لا تمنح تفويضًا سياسيًا دائمًا. وبالمثل، لا تملك القوى السياسية السلطة بلا تفويض شعبي، ولا تستطيع الحركات المسلحة مهما كان كسبها، اختصار الطريق إلى الحكم عبر السلاح.
المشكلة إذن ليست في المشاركة، وإنما في تحولها إلى استحواذ، وليست في القوة، وإنما في تحولها إلى احتكار، وليست في الأمن، وإنما حين يصبح الأمن ذريعة دائمة لمصادرة السياسة. فالدولة ليست “غنيمة” ، وإنما عقد وطني تتوزع فيه الصلاحيات وفق الدستور والإرادة الشعبية.
لكن “النعجة المائة” لا تقف عند حدود الداخل. فبلادنا غنية بما يجعلها مطمعا : أرض زراعية ، مياه عذبة ، ذهب، ثروة حيوانية، و معدنية، وموقع استثنائي على البحر الأحمر، فضلًا عن جغرافيا تصل بين وادي النيل والقرن الأفريقي والساحل. وهذه ليست مجرد ثروات ، إنها عناصر القوة في ميزان الجغرافيا السياسية والنفوذ والسيطرة.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال : من يقف مع بلادنا ومن يعاديها ؟ بل: ماذا يريد من يقف معها ؟ وماذا يريد من يعاديها؟ .
في السياسة، لا يوجد حليف بلا مصلحة. لكن المصلحة ليست بالضرورة طمعًا، كما أن كل تعاون لا يعني مؤامرة. الخطر يبدأ عندما تتجاوز المصلحة حدود الشراكة وتتحول إلى املاءات ، أو تتحول الإملاءات إلى وصاية. ولذلك فإن الدولة الذكية لا تسأل : من معنا؟ وإنما تسأل: ماذا يريد منا؟ وماذا نريد منه ؟ وما البديل إذا اختلفنا؟
وهنا تبدو إحدى مشكلاتنا السياسية ،إذ كثيرًا ما تعاملت النخب مع العلاقات الخارجية بمنطق الاصطفاف، بينما تحتاج الدولة إلى الانتقال إلى منطق المصالح. لذلك بلادنا اليوم لا تحتاج إلى اختيار محور ضد آخر، وإنما إلى مصالح متوازنة تجعل موقعها ومواردها أوراق قوة لا أبوابًا للوصاية.
فالموانئ ليست أرصفة فقط، والذهب ليس معدنًا فقط، والمياه ليست موردًا طبيعيًا فقط، والأرض الزراعية ليست استثمارًا فقط. كلها، في لحظة الصراع الدولي، تتحول إلى أوراق نفوذ. ولذلك فإن الثروة التي لا تحميها الدولة قد تتحول من مصدر قوة إلى مصدر جذب للطامعين.
وكشفت الحرب بوضوح أنها ليست صراعاً داخليًا ، في ظل تقارير عن الدعم الخارجي والسلاح وشبكات التمويل وتجارة الذهب والموارد. كما أن توصيف فولكر تورك للحرب باعتبارها تخاض بالوكالة طمعا في موارد البلاد ، يفرض سؤالًا مهما: من يقاتل؟ ومن يستفيد من استمرار الحرب؟ ومن يملك القدرة على إطالتها، وماذا يريد من ورائها؟
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، فبعض القوى الإقليمية التي تمتلك موارد ضخمة قد تكون لها مصالح في موارد السودان لا بسبب الحاجة، وإنما بسبب النفوذ وتأمين مصالح المستقبل وامتلاك أوراق القوة. فالطمع لا تحكمه الحاجة دائمًا، وقد يكون ما يبحث عنه الطامع ليس الذهب ، وإنما القوة التي يمنحها الذهب، وليس الميناء ، وإنما النفوذ الذي يمنحه الموقع.
في جوارنا ، تتقاطع المصالح مع حسابات الحرب. فإثيوبيا، بحكم كونها دولة حبيسة، تبحث عن منفذ بحري، وتشاد تملك بدورها مصالح مرتبطة بالحدود والموارد. لكن الفارق بين الشراكة المشروعة والنفوذ العابر للحدود يظل جوهريًا. لذلك تكتسب دارفور والنيل الأزرق أهمية تتجاوز البعد العسكري، خصوصًا مع ما يثار عن إمدادات سلاح وتحركات عسكرية عبر الحدود ، إذ إن صحت هذه التقارير، فإنها تعني أن الحرب السودانية باتت تتقاطع بصورة أخطر مع حسابات الجوار.
ولايعنينا هنا، اتهام تشاد أو إثيوبيا ، أو افتراض أن مصالحهما تعني أطماعًا في الأرض السودانية. لكن الجغرافيا تفرض الحذر ، والحرب الطويلة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. والأخطر أن الطمع الداخلي والارتهان للخارج قد يغذيان النفوذ الخارجي ،فالدولة لا تُخترق من الخارج وحده، بل حين تجد أبوابها من الداخل مفتوحة.
لذلك فإن المصلحة الاستراتيجية لبلادنا اليوم يجب أن تبدأ بتحديد ما لا يقبل المساومة، وحدة الدولة، سيادتها، احتكارها للسلاح، أمن مواردها ومياهها، استقلال قرارها ، وحماية موقعها على البحر الأحمر. ثم يأتي بعد ذلك ما يمكن التفاوض حوله وفقا للأعراف الدولية، من استثمارات وشراكات اقتصادية و أمنية وموانئ وممرات بحرية.
إدارة هذ الفسيفساء و التعقيد الإقليمي والدولي لا تكون بالعداء ولا الارتهان، بل بتعدد الشراكات وتوازنها. فالدولة التي تملك بدائل تفاوض من موقع أقوى، أما التي تحصر خياراتها فتتحول شراكاتها إلى تبعية. المطلوب أن تمر مصالح الآخرين عبر مصلحتنا الوطنية، استثمار بلا انتقاص من السيادة، شراكة بلا وصاية، ميناء بلا رهن جيوسياسي، وأرض بلا تفريط في الأمن الغذائي، ومياه بلا مساس بالأمن المائي.
من هنا تتجاوز قيمة الحوار السوداني–السوداني إنهاء الحرب وتقاسم السلطة، إلى إعادة تعريف المصلحة الوطنية والأمن القومي. قد يختلف السودانيون حول شكل الحكم ودور الجيش وتوزيع السلطة، لكن ينبغي أن يتفقوا على الثوابت ، السيادة ليست غنيمة، والموارد ليست كيكة ، والأمن الوطني ليس ورقة في حسابات الخارج.
لقد تغيرت النعاج عبر التاريخ، وتغيرت معها أدوات الاستحواذ. لكن الفكرة بقيت واحدة: أن يريد أحدهم أكثر مما يحق له.
يجب أن ندرك، بحسب #وجه_الحقيقة، أن “النعجة المائة” ليست ذهبًا ولا ميناءً ولا أرضًا، بل اللحظة التي يتحول فيها الطموح إلى استحواذ، والمصلحة إلى نفوذ. والخطر ليس في طمع الآخرين، بل في أن ننشغل نحن بالصراع على نعجة، بينما يطمع الآخرون في القطيع كله. لذلك تبدأ حماية بلادنا من إرادة وطنية تعرف قيمة ما تملك، وتجعل المصالح الوطنية معيارًا لكل شراكة، والسيادة خطًا لا يُساوم عليه. فالدولة التي تعرف قيمة ثرواتها ومواردها، تتحول إلى غنيمة في حسابات الآخرين.
دمتم بخير وعافية.
Shglawi55@gmail.com



