المهيب في القصر.. والقوات المسلحة في الميدان

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد
في مشهدٍ تختصر فيه الدولة كثيراً من معانيها، يقف المهيب الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، داخل القصر الجمهوري؛ لا باعتباره مبنىً من حجر، ولا مقراً إدارياً تؤدى فيه المراسم، وإنما باعتباره رمزاً حياً للسيادة الوطنية، وعنواناً لاستعادة الدولة لمؤسساتها وموقعها الطبيعي في قلب الخرطوم.
وفي الطرف الآخر من المشهد، تقف القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في الميدان، تمضي في معركتها بثبات، وتتعامل مع محاولات مليشيا آل دقلو ومرتزقتها بعقل الدولة وقوة المؤسسة العسكرية، لا بمنطق الفوضى ولا بحسابات المليشيات.
وما جرى في جبرة الشيخ امس ليس مجرد صدّ لهجوم عابر، بل صفحة جديدة في سجل المواجهة المفتوحة؛ هجوم شاركت فيه قوة كبيرة تجاوز قوامها 250 عربة قتالية، جاءت وهي تراهن على كثافة العدد وضجيج السلاح، فإذا بها تصطدم بجدار من الثبات والانضباط والقدرة على إدارة المعركة.
لقد قالت القوات المسلحة كلمتها في الميدان بالطريقة التي تعرفها الجيوش: ثبات، تصدٍّ، إيقاع بالخسائر، ثم مطاردة للفلول حتى تخوم دارفور.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تفهمها المليشيا ومن يقف خلفها: المعارك لا تُحسم بعدد العربات وحده، ولا بكثرة المرتزقة، ولا بالدعم الخارجي، ولا بالضجيج الإعلامي. المعركة تُحسم بإرادة القتال، وبالانضباط، وبالقدرة على الصمود، وبامتلاك النفس الطويل.
القوات المسلحة لم تكن في جبرة الشيخ تبحث عن صورة عابرة للنصر؛ كانت تؤدي واجبها في حماية الأرض، وتأمين المواطنين، وإفشال محاولة جديدة لفتح ثغرة في جسد الدولة.
ومن هنا تصبح جبرة الشيخ أكثر من موقع جغرافي في خارطة العمليات. تصبح رسالة عسكرية وسياسية في آنٍ واحد: الدولة لا تزال واقفة، والجيش لا يزال ممسكاً بسلاحه، والأرض السودانية ليست فراغاً مفتوحاً لمن يقرر أن يقتحمها بعرباته ومرتزقته.
وفي الخرطوم، يكتسب المشهد دلالته الأخرى.
وجود المهيب البرهان في القصر الجمهوري، ومباشرة مؤسسات الدولة لأعمالها من العاصمة، ليسا تفصيلاً بروتوكولياً. إنها صورة من صور استعادة السيادة لمشهدها الطبيعي. فالقصر الجمهوري ليس مجرد عنوان على خارطة الخرطوم؛ إنه رمز الدولة السودانية، وموقع تتجسد فيه شرعية المؤسسات، وتُرفع فيه راية السودان، وتُمارس فيه أعمال الدولة بعيداً عن منطق المليشيا وسلطة السلاح المنفلت.
هوامش السيادة هنا ليست حروفاً على الورق؛ إنها حبرٌ ومسؤولية.
فالسيادة التي تُكتب في المراسلات الدبلوماسية، تُحمى في الميدان. والقرار الذي يصدر من مؤسسات الدولة، يحتاج إلى قوة تحرسه. والعلم الذي يرفرف فوق القصر الجمهوري لا تكتمل دلالته إلا بجيش يقف على الحدود وفي المدن والقرى، ويمنع تحويل الوطن إلى ساحة مفتوحة للمغامرين والوكلاء.
ولهذا فإن تقدم القوات المسلحة في الميدان واستعادة مؤسسات الدولة لمواقعها في العاصمة وجهان لمعنى واحد: السودان يستعيد دولته.
أما مليشيا آل دقلو، فقد أثبتت التجربة أن كثرة العربات لا تمنح مشروعاً سياسياً شرعية، وأن المرتزقة لا يصنعون دولة، وأن السلاح الخارج عن مؤسسات الدولة لا يستطيع أن يبني وطناً.
وكل محاولة لإطالة أمد الفوضى لن تغير هذه الحقيقة.
قد تتبدل محاور القتال، وقد تتغير خرائط الاشتباك، وقد تُدفع تعزيزات جديدة إلى هذا الموقع أو ذاك، لكن جوهر المعركة لم يتغير: دولة في مواجهة مشروع مليشياوي يريد أن ينتزع مكان المؤسسات بالقوة.
والجيش، في هذه المعركة، لا يخوض حرباً على جغرافيا فحسب؛ إنه يخوض معركة على معنى الدولة نفسها.
من جبرة الشيخ إلى بقية المحاور، الرسالة واحدة: القوات المسلحة ماضية في طريقها، لتحرير كل شبر بمشئة الله ..
وإذا كانت المليشيا تراهن على الإنهاك، فإنها تواجه مؤسسة عسكرية تعرف معنى الحرب الطويلة.
وإذا كانت تراهن على الخارج، فإن الخارج لا يستطيع أن يحمل عنها هزائم الميدان.
وإذا كانت تراهن على الدعاية، فإن الحقائق التي تُكتب على الأرض أكثر بقاءً من البيانات التي تُكتب في الغرف المغلقة.
أما السودان، فقد دفع ثمناً باهظاً من دم أبنائه وخراب مدنه ونزوح أهله، ولم يعد يحتمل أنصاف الحلول التي تُبقي أصل الأزمة قائماً، ولا ترتيبات تمنح السلاح غير النظامي فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسه.
المطلوب في نهاية الطريق ليس تبديل الواجهات، وإنما عودة الدولة كاملةً إلى المشهد: جيش وطني، مؤسسات وطنية، قانون واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الدولة.
وفي هذا الطريق، سيظل القصر الجمهوري رمزاً للسيادة، وستظل القوات المسلحة عنواناً لحماية هذه السيادة.
المهيب البرهان في القصر ليس صورة بروتوكولية؛ إنها صورة دولة تستعيد موقعها.
والجندي السوداني في الميدان ليس رقماً في نشرة عمليات؛ إنه خط الدفاع عن وطن يريد أن يخرج من هذه المحنة أكثر تماسكاً وصلابة.
لقد حاولت المليشيا أن تجعل من الخراب واقعاً دائماً، فجاءت الدولة لتقول إن الخراب ليس قدراً.
وحاولت أن تجعل من السلاح بديلاً عن المؤسسة، فجاء الجيش ليعيد تعريف المشهد.
وحاولت أن تجعل من السودان ساحة نفوذ مفتوحة، فجاءت معركة السيادة لتغلق الأبواب أمام كل من ظن أن هذا الوطن بلا حارس.
القصر الجمهوري يستعيد هيبته، والجيش يستعيد الأرض، والدولة تستعيد صوتها.
وهذه، في جوهرها، ليست معركة يوم واحد.
إنها معركة استرداد وطن.
*هامش السيادة*
السيادة لا تُستعار، ولا تُمنح بالوكالة، ولا تُحرس بالبيانات.
السيادة قرارٌ تملكه الدولة، وقوةٌ تحميه القوات المسلحة، وإرادةٌ شعبية تقف خلف الوطن.
وما دام الجيش ماضياً في طريق التحرير، وما دامت مؤسسات الدولة تعود إلى مواقعها، فإن الطريق — مهما طال — يمضي نحو وطنٍ لا مكان فيه لمليشيا فوق القانون، ولا سلاح خارج الدولة، ولا وصاية على القرار السوداني.
من القصر الجمهوري تبدأ صورة الدولة، ومن الميدان تُحمى صورتها.
والسودان، بإذن الله، سيبقى دولةً واحدةً، بجيشٍ واحد، وسيادةٍ لا تُمس.



