السودان الغني الفقير ..أين تضيع ثروة بلد ينام على الذهب ويزرع للآخرين

بقلم/ محمد فؤاد عيد

 

ليست مشكلة السودان أنه بلد فقير الموارد بل ربما كانت المفارقة وما يدعو للدهشة أنه واحد من البلدان التي تملك من عناصر الثروة ما يكفي لبناء اقتصاد قوي لكنها ظلت لعقود عاجزة عن تحويل هذه الموارد إلى رفاه حقيقي ينعكس على حياة المواطن

 

ففي باطن الأرض ذهب ومعادن وفوقها ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة وفي المراعي ثروة حيوانية ضخمة وعلى امتداد البلاد السمسم والفول السوداني والقطن والصمغ العربي والحبوب والثروة الغابية فضلاً عن المياه والموقع الجغرافي والموانئ

 

ومع ذلك ظل السؤال قائماً :

 

لماذا يبدو السودان فقيراً وهو يملك كل هذه الثروات وأين تذهب الأموال التي يفترض أن تنتجها هذه الموارد وهل المشكلة في قلة الثروة أم في الطريقة التي يدير بها السودان ثروته

 

ثروة موجودة ولكنها لا تتحول إلى تنمية :

 

تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن السودان يمتلك نحو 73.5 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة بينما يظل جزء كبير منها خارج دائرة الاستغلال الفعلي كما يمتلك واحدة من أكبر الثروات الحيوانية في أفريقيا بأكثر من 115 مليون رأس من الأبقار والأغنام والماعز والإبل وهى أرقام كفيلة وحدها بإثارة السؤال

كيف يمكن لبلد بهذه المساحة الزراعية وبهذا العدد من الحيوانات أن يعاني أزمات متكررة في الغذاء والعملات الأجنبية ومستويات المعيشة

الجواب ربما يبدأ من حقيقة اقتصادية بسيطة السودان ينتج المواد الخام أكثر مما ينتج السلع

وهنا يقع أول أبواب فقدان الثروة حيث نصنع المادة الخام ويصنع الآخرون الأرباح

عندما يخرج السمسم من مزارع السودان خاماً ثم يصل إلى دولة أخرى ليُفرز وينظف ويُعصر ويُعبأ ويصبح زيتاً أو طحينة أو منتجات غذائية تحمل علامة تجارية أجنبية

يبيع السودان المادة الخام ويحصل على الحلقة الأولى من القيمة بينما يحصل الآخر على حلقات التصنيع والتعبئة والتسويق والتوزيع والأرباح

وتتكرر القصة مع الفول السوداني وتتكرر مع القطن وتتكرر مع الصمغ العربي وتتكرر مع الجلود وتتكرر حتى مع الثروة الحيوانية فالسودان يصدر الحيوان حياً بدلاً من أن نبني حوله صناعة متكاملة تبدأ بالتربية وتنتهي باللحوم المبردة والمصنعة والجلود والأحذية والحقائب والمنتجات الدوائية والأسمدة

وهكذا لا يخرج الحيوان فقط من البلاد بل تخرج معه عشرات فرص العمل والصناعات التي كان يمكن أن تنشأ حوله

الصمغ العربي شجرة سودانية وأرباح عالمية :

 

ربما لا توجد مادة تكشف هذه المفارقة مثل الصمغ العربي فالسودان ظل تاريخياً من أهم منتجي هذه السلعة الاستراتيجية المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية والمشروبات والحلويات وغيرها لكن معظم القيمة الاقتصادية الكبيرة للصمغ لا تتحقق عند الشجرة التي ينتج منها بل في المراحل اللاحقة من التنقية والتصنيع والتركيب والتعبئة والتسويق العالمي

بل إن الحرب أدخلت عاملاً أكثر خطورة بعدما تحدثت تقارير عن خروج جزء من الصمغ العربي عبر طرق غير رسمية إلى دول الجوار ما يعني أن السودان قد يفقد حتى العائد المحدود الذي كان يحصل عليه من تصدير المادة الخام فماذا يعني ذلك يعني أن السودان يزرع الشجرة ويتحمل المنتج مخاطر الزراعة والجفاف والنقل والحرب ثم تأتي القيمة الأكبر في مكان آخر

 

الذهب الثروة التي تكشف أزمة الدولة:

 

إذا كان الصمغ العربي نموذجاً لضياع القيمة المضافة فإن الذهب ربما يكون النموذج الأوضح لضياع السيطرة على الموارد الذهب أصبح أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان لكنه أيضاً واحد من أكثر القطاعات ارتباطاً بمشكلة التهريب وضعف الرقابة وتعدد مراكز النفوذ

والمفارقة الكبرى والسؤال ليس فقط كم طن ذهب ينتج السودان بل السؤال الأهم كم طن يدخل النظام الاقتصادي الرسمي وكم تشتريه الشركات المسجلة وكم يدخل البنك المركزي وكم يُصدر بعقود معروفة وكم تحصل عليه الخزانة العامة من ضرائب ورسوم وعائدات وكم يختفي في طرق التهريب لأن الدولة التي لا تعرف بدقة ما تنتجه من الذهب لا تستطيع أن تعرف حقيقة ثروتها

أين تضيع الثروة السودانية ،:

للعلم بأن ضياع الثروة لا يحدث في مكان واحد إنه يبدأ من المنجم والمزرعة والمرعى ويمتد إلى الطريق والمخزن والميناء والبنك فهنالك جزء يضيع بسبب التهريب وجزء آخر يضيع بسبب الفساد وضعف الرقابة وجزء يضيع بسبب تصدير الخام وجزء يضيع بسبب ضعف الإنتاجية واخيرآ جزء آخر يضيع بسبب سوء التخزين والنقل ثم تأتي الحرب لتكمل الحلقة فتدمر المصانع والبنوك والأسواق والطرق وسلاسل الإنتاج

وقد دفع الاقتصاد السوداني ثمناً هائلاً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 حيث هذا يوضح جليآ أن الحرب لا تقتل الناس وتهدم المدن فقط وإنما تقطع أيضاً الدورة الاقتصادية التي تحول الثروة الطبيعية إلى دخل

 

الأرض وحدها لا تصنع دولة غنية :

 

كثيراً ما نتحدث في السودان بفخر عن ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة وهذا لا غبار علية فهى مقولة صحيحة

لكن الأرض في حد ذاتها ليست ثروة إلا عندما تدخلها التكنولوجيا والتمويل والمياه والبذور والإدارة والتخزين والتسويق

وقد يمتلك السودان ملايين الأفدنة بينما تنتج دولة أخرى من مساحة صغيرة دخلاً زراعياً أكبر لأن القضية ليست مساحة الأرض وحدها وإنما إنتاجية الفدان كم كيلوغراماً ينتج الفدان وكم تكلف زراعته وكم يفقد بعد الحصاد وكم يكلف نقله وكم يحصل المزارع وكم يحصل الوسيط وكم يصل إلى الدولة من العملة الأجنبية هذه هي الأسئلة الحقيقية للاقتصاد

 

مشروع الجزيرة مثال على الفرصة الضائعة :

 

ولعل مشروع الجزيرة يقدم مثالاً تاريخياً مهماً

فالمشروع الذي كان يمثل واحداً من أكبر المشاريع المروية في المنطقة لم يكن مجرد مساحة لزراعة القطن وإنما كان نظاماً اقتصادياً كاملاً يرتبط بالري والسكك الحديدية والمحالج والمخازن والبنوك والأسواق والقرى والعمال وعندما تراجعت هذه المنظومة لم يتراجع محصول وحده وإنما تراجعت سلسلة اقتصادية بكاملها

وهذا هو الدرس الذي يحتاج السودان إلى استعادته فلا يكفي أن تزرع بل يجب أن تربط الزراعة بالصناعة والصناعة بالنقل والنقل بالميناء والميناء بالأسواق العالمية

 

السودان لا يحتاج إلى تصدير حيوان وإنما إلى تصدير صناعة :

 

ينطبق الأمر نفسه على الثروة الحيوانية فإذا خرج الخروف حياً من ميناء سوداني فإن العائد يتوقف تقريباً عند سعر الحيوان أما إذا ذُبح داخل السودان في مسلخ حديث فإن الاقتصاد يحصل على اللحوم والجلود والمخلفات والأعلاف والخدمات البيطرية والنقل والتبريد والتغليف يمكن لحيوان واحد أن يصنع سلسلة من الأعمال ولكن عندما نصدره حياً فإننا نصدر معه جزءاً من تلك الوظائف هذا الفرق بين اقتصاد الموارد واقتصاد القيمة المضافة

 

لماذا لم نبن صناعات تحويلية :

 

هنا ندخل إلى قلب المشكلة الصناعة تحتاج إلى كهرباء مستقرة وتحتاج إلى طرق وتحتاج إلى تمويل مصرفي وتحتاج إلى قوانين مستقرة وتحتاج إلى دولة لا تتغير سياساتها الاقتصادية كل بضعة أشهر وتحتاج إلى المستثمر الذي يثق بأن المصنع الذي يبنيه اليوم سيظل قائماً بعد عشرين عاماً وتحتاج قبل كل ذلك إلى سلام وأمن

وهذه العناصر ظلت في السودان تعاني اضطراباً مستمراً من الانقلابات إلى الحروب ومن العقوبات إلى التضخم ومن تدهور العملة إلى ضعف الجهاز المصرفي ومن تعدد الرسوم والجبايات إلى البيروقراطية وبالتالي أصبح تصدير الخام أسهل من بناء المصنع لكنه أسهل اليوم وأكثر فقراً غداً وهذا ما نعانى منة الحرب جعلت المشكلة أكثر تعقيدا الحرب الحالية لم تنشئ هذه الأزمة من الصفر لكنها كشفتها وعمقتها فالزراعة تعطلت في مناطق وتضررت المصانع وانقطعت طرق التجارة وخرج ملايين المواطنين من مناطقهم وتراجعت الخدمات البيطرية والزراعية وأصبحت الأسواق نفسها مناطق نفوذ مختلفة

ومع ذلك فإن المفارقة أن الموارد نفسها لم تختف الذهب ما زال موجوداً والأرض ما زالت موجودة والمياه ما زالت موجودة والثروة الحيوانية ما زالت ضخمة رغم الخسائر أي أن السودان قد يخسر دولته الاقتصادية بينما تظل ثروته الطبيعية تحت قدميه وهنا تكمن الخطورة فكيف يمكن تغيير المعادلة

لعل الحل لا يبدأ بمنع الصادرات بقرار إداري مفاجئ

فإذا منعت الدولة تصدير الخام وهي لا تملك المصانع البديلة فإن النتيجة قد تكون التهريب وانهيار الأسعار المحلية حيث ان المطلوب انتقال تدريجي ومدروس

فيجب إنشاء مناطق صناعية متخصصة قرب مناطق الإنتاج

في مناطق السمسم والفول السوداني تقام مصانع الزيوت والمنتجات الغذائية

وفي مناطق الثروة الحيوانية تقام المسالخ والمدابغ ومصانع المنتجات الجلدية

وفي حزام الصمغ العربي تقام منشآت المعالجة والتنقية والتعبئة

وفي قطاع الذهب ينبغي تطوير التصفية والتوثيق والتتبع والشراء الرسمي

كذلك لا بد من إعادة بناء البنية التحتية من سكك حديدية وطرق قومية وشبكات كهرباء مخازن مبردة اضف الى ذلك موانئ حديثة

فمن غير المعقول أن نطالب المزارع بالإنتاج ثم نترك محصوله يتلف لأنه لا يستطيع الوصول إلى السوقمع ضرورة إصلاح نظام التمويل فالمزارع والصانع لا يستطيعان العمل بقروض قصيرة الأجل وتكاليف مرتفعة ومخاطر عملة متقلبة الاقتصاد المنتج يحتاج إلى بنك يموّل المصنع والحقل لا إلى نظام يترك المنتج وحيداً في مواجهة السوق كع وضع التعتبار فى ضرورة بناء نظام شفاف للموارد فكل كيلوغرام ذهب يُنتج يجب أن يكون قابلاً للتتبع وكل شركة تعدين يجب أن تكون عقودها وعائداتها معروفة وكل دولار من موارد الدولة يجب أن يجد طريقه إلى الحسابات الرسمية فالتهريب ليس مجرد جريمة حدودية إنه تسريب مباشر لثروة الأجيال من تصدير الخام إلى تصدير الاسم السوداني

كذلك السودان يحتاج كذلك إلى شيء ظل غائباً لسنوات

فهو بحاجة الى علامة تجارية وطنية فلماذا لا نجد على رفوف المتاجر العالمية منتجات مكتوباً عليها بوضوح

زيت سمسم سوداني طحينة سودانية لحوم سودانية منتجات صمغ عربي سودانية منتجات قطنية سودانية حقائب وأحذية مصنوعة من الجلد السوداني

إن أكبر تحول اقتصادي يمكن للسودان أن يقوم به هو الانتقال من السؤال كم نصدر إلى السؤال ماذا نصدر

فالطن الواحد من مادة خام ليس مساوياً اقتصادياً لطن من منتج مصنع والفرق بينهما هو المصنع والتكنولوجيا والعامل والضريبة والعلامة التجارية والأرباح

 

المشكلة ليست في الموارد ولكن في الدولة :

 

ربما يكون هذا هو لب القضية فالسودان لا يعاني لعنة نقص الموارد بل على العكس عانى طويلاً ضعف المؤسسات القادرة على إدارة الموارد فالمعدن تحت الأرض لا يبني مدرسة والماشية في المرعى لا تبني مستشفى والأرض الخصبة لا تصنع اقتصاداً من تلقاء نفسها ما يحول كل ذلك إلى تنمية هو الدولة فالمعروف ان الدولة التي تخطط والدولة التي تحصي والدولة التي تراقب والدولة التي تمنع التهريب والدولة التي تحمي المنتج والدولة التي تربط المزرعة بالمصنع والمصنع بالسوق

 

السودان بعد الحرب أي اقتصاد نريد :

 

قد تأتي نهاية الحرب يوماً لكن انتهاء إطلاق النار لن يعني انتهاء الأزمة لأن السؤال الأكبر سيبدأ بعدها وهو سودان سنعيد بناءه فهل سنعيد الاقتصاد نفسه الذي كان يبيع الخام ويستورد المنتج هل سنعيد الدولة التي تنتج الذهب ولا تعرف بدقة أين يذهب هل نزرع السمسم ثم نستورد الزيوت والمنتجات الغذائية هل نمتلك ملايين الحيوانات ثم نستورد المنتجات الجلدية

أم تكون الحرب بكل مآسيها لحظة لإعادة بناء نموذج اقتصادي مختلف فالسودان يستطيع أن يتحول من دولة مصدرة للمواد الخام إلى مركز زراعي وصناعي إقليمي لكن ذلك يتطلب قراراً سياسياً قبل أن يكون قراراً اقتصادياً قراراً بأن الموارد الطبيعية ليست غنيمة للحكومة أو الشركات أو الجماعات المسلحة أو الوسطاء

إنها ملك للأجيال ومأساة السودان ليست أنه بلد بلا ثروة مأساته أنه ظل في كثير من الأحيان يقف في أول السلسلة الاقتصادية بينما يقف الآخرون في نهايتها نزرع نحن ويصنع الآخرون نستخرج نحن ويكرر الآخرون نصدر نحن المادة ويضع الآخرون عليها علامتهم التجارية ثم نشتريها منهم بعد أن تضاعفت قيمتها

ولهذا ربما يكون السؤال الذي يجب أن يطارد أي حكومة سودانية قادمة ليس كم طن ذهب أنتجنا كم رأساً من الماشية صدرنا ولا كم فداناً زرعنا بل كم قيمة أضفنا داخل السودان وكم مصنعاً بنينا وكم فرصة عمل صنعنا وكم دولاراً دخل الخزانة العامة وكم مواطناً شعر بأن ثروة بلاده وصلت إليه

عندها فقط يمكن أن يتوقف السودان عن كونه بلداً غنياً يعيش أهله حياة الفقراء ويبدأ للمرة الأولى في تحويل ثروته الطبيعية إلى ثروة وطنية حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى