“من يمول الحوار؟ .. ملف توثيقي حول تمويل عصابة صمود وتأسيس”

بقلم/ عبد العزيز الزبير باشا

حين تُعلن جهات سياسية خائنة كذوبة و متآمرة رفضها للحوار السوداني-سوداني، ويتزامن ذلك مع اجتماعات خارجية مكلفة في نيروبي وأديس، يصبح السؤال المشروع: من يدفع؟ ولماذا؟

 

الإجابة لا تحتاج تكهنات. تحتاج فقط فتح الوثائق العامة وربط التواريخ ببعضها.

 

أولاً: شبكة التمويل المكشوفة

 

خلال العامين الماضيين ظهرت خمس جهات دولية كراعٍ رئيسي لنشاط تحالف “تقدم” سابقاً، وانقساميه “صمود” و “تأسيس” لاحقاً. هذه الجهات لا تعمل مباشرة، بل عبر منظمات وسيطة متخصصة في “الحوكمة” و “دعم الحوار”.

 

الجهة الأولى: كندا

بحسب بنك مشاريع الحكومة الكندية الرسمي، تم تسجيل منح مباشرة تحت رقم p014448001. المنحة الأولى بقيمة 1,966,968 دولار كندي لصالح منظمة GPG البريطانية. والمنحة الثانية بقيمة 750,000 دولار كندي لصالح منظمة Build Up الأمريكية.

اسم المبادرة المسجلة: `Operational & Technical support to Tagdon`. الترجمة الحرفية: الدعم التشغيلي والتقني لـ “تقدم”. التواريخ: من 23 فبراير 2024 وحتى 30 نوفمبر 2025. أي أن التمويل مستمر أثناء الحرب وبعدها.

 

الجهة الثانية: النرويج

أعلنت الحكومة النرويجية عن تخصيص 470 مليون كرونة نرويجية للسودان كمساعدات إنسانية وطويلة الأجل. جزء كبير من هذه الأموال يذهب عبر قنوات منظمات المجتمع المدني العاملة في الحوار السياسي والدعم الفني.

 

الجهة الثالثة: الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات

– *Build Up*: منظمة أمريكية، مقرها واشنطن ولها مكتب ميداني في نيروبي. معلنة أنها تعمل في “دعم عمليات الحوار وبناء السلام”.

– *GPG – Global Partners Governance*: منظمة بريطانية تعمل في “بناء المؤسسات والحوكمة”.

– *World Peace Foundation*: مؤسسة أمريكية أصدرت تقريرها السنوي FY2024، وبتمويل مرتبط بدول خليجية وفق تقاريرها.

 

ثانياً: البصمة الميدانية للتمويل

 

المال لا يمشي في الفراغ. يظهر في قاعات المؤتمرات وتذاكر السفر والإقامة.

 

– *18 فبراير 2025*: اجتماع تأسيس تحالف “تأسيس” في مركز KICC بالعاصمة الكينية نيروبي.

– *23 فبراير 2025*: التوقيع النهائي لـ “تأسيس” في The Edge Convention Center بنيروبي.

– *31 مارس 2025*: إعلان انتهاء المرحلة الأولى لمشروع Build Up.

 

كل هذه الفعاليات تكلف مئات آلاف الدولارات. من دفع؟ نفس الجهات المذكورة أعلاه.

هذا ليس “دعماً إنسانياً”. هذا تمويل سياسي مباشر لعملية تشكيل كيانات وإدارتها من الخارج.

 

ثالثاً: المخالفة القانونية الصريحة

 

هنا لا نتحدث عن رأي. نتحدث عن قانون سوداني نافذ.

 

قانون الأحزاب السياسية السوداني لسنة 2007 – المادة 11 الفقرة 2 تنص بوضوح:

“لا يجوز للحزب قبول أي تبرع أو منحة أو هبة من أي جهة أجنبية أو دولة أجنبية أو هيئة أجنبية”

 

ما حدث هو قبول تمويل مباشر من حكومات أجنبية، عبر منظمات وسيطة، لصالح عمل سياسي. هذا يشكل مخالفة قانونية تستوجب المساءلة.

الفرق بين “الدعم الإنساني المشروع” وبين “التمويل السياسي” واضح: الأول يذهب للمواطن، والثاني يذهب لتمويل مؤتمرات ومنابر وورش عمل تهدف لتشكيل مستقبل الدولة.

 

رابعاً: لماذا رفضت صمود الحوار السوداني-سوداني؟

 

الآن نفهم.

الحوار الذي دعت له الدولة يبدأ في الخرطوم، بضمانات قانونية من الدولة، وأجندته الأولى هي وقف الحرب ونزع السلاح وتفكيك المليشيات. بعده تأتي السياسة.

 

أما “الحوار” الممول خارجياً فيبدأ في نيروبي وأديس. أجندته تقاسم السلطة أولاً، وتأجيل قضية السلاح للنهاية. وهذا بالضبط ما جربناه في أديس 1972 ونيفاشا 2005 وجوبا 2020. والنتيجة كانت دائما حرباً جديدة.

 

عندما يكون الممول هو نفسه الذي يدعم المليشيا سياسياً ولوجستياً، فمن الطبيعي أن يرفض أي مسار يعيد احتكار السلاح للدولة. لأن ذلك يعني نهاية المشروع.

 

الخلاصة: معركة السيادة

 

الوقائع الثلاثة مجتمعة تصنع الصورة كاملة:

1. *تمويل موثق*: أرقام وتواريخ وأسماء من مواقع حكومية رسمية.

2. *مخالفة قانونية*: نص صريح في قانون الأحزاب.

3. *تضارب ولاءات*: أموال من دول مصنفة داعمة للمليشيا تستخدم لتمويل معارضة سياسية.

 

هذا هو ما أسميناه سابقاً “دبلوماسية الشيكات”. الفرق أن الشيكات هذه المرة لا تذهب لواشنطن فقط. تذهب لنيروبي وأديس لتمويل “ترتيب” بديل للدولة.

 

السؤال الذي طرحه كثيرون الآن: يا حمدكه، هل يقبل أي وطني أن يدار مستقبل السودان بأموال دول متورطة في قتل السودانيين؟

 

الإجابة عند الشعب.

 

أمامنا طريقان لا ثالث لهما:

*طريق “الشيكات”* الذي يقود إلى الجنينة وتقسيم الدولة.

*وطريق “الدولة”* الذي يبدأ من هيبة المؤسسات وعودة احتكار السلاح، ويبدأ من هذا الموكب الرئاسي الذي رأيناه.

 

ستين عاماً جربنا أن نبدأ بالتفاوض ونؤجل السلاح. فكانت النتيجة حرب 15 أبريل.

حان الوقت لنجرب القاعدة المعكوسة: نبدأ بالدولة، ثم نفتح الباب للسياسة.

خذ الكتاب بقوة يا ريس

وطن ومؤسسات… السودان أولاً وأخيراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى