من شاهد (حجري) علي العصر.. لفاعل (سيادي) في العودة..

ما وراء الخبر / علم الدين عمر
القصر الجمهوري.. السيادة تستعيد رمزيتها..
تزامناً مع عيد الجيش ال72.. الدولة تستأنف عملها من العاصمة ومجلس السيادة يعود للقصر
القصر الجمهوري من شاهد على الحرب إلى منصة لإعادة بناء الدولة
ربمالم يكن المشهد الذي شهدته الخرطوم اليوم مجرد عودة جسدية ولا استئنافاً روتينياً لنشاط رئاسي تعطل بفعل الحرب منذ لحظة الإعتداء وتمرد مليشيا الدعم السريع..إنه في جوهره، إعلان عملي بأن الدولة السودانية تستأنف نشاطها من الخرطوم عملياً. وأن السيادة التي اضطرت الحرب إلى تشتيت أدواتها بين المنافي المؤقتة والمقار البديلة تعود إلى مركزها الطبيعي.. التاريخي.. وأن رئيس الدولة يعود إلى القصر الجمهوري (رمز دولة 56) السيادي بالتزامن مع العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة السودانية..
عودة رئيس مجلس السيادة..القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري وبدء العمل الديواني بإعتماد عدد من السفراء الجدد تجمع في صورة واحدة السيادة والسياسة والتنفيذ والدبلوماسية.. أي المكونات الأساسية التي تقوم عليها الدولة..
والأهم أن هذه العودة تأتي بعد ثلاث سنوات تقريباً من محاولة مسلحة لم تكن تستهدف تغيير موازين السلطة فحسب.. محاولة استهدفت قلب الدولة.. عاصمتها.. مؤسساتها.. قيادتها.. رموزها.. وقدرتها على ممارسة عملها وإعمال سيادتها..
السؤال الأكثر أهمية هو ماذا يعني أن تعود الدولة إلى القصر بعد أن كان المشروع المضاد للدولة يريد أن يجعل القصر دليلاً على سقوطها؟..
معركة القصر.. أكبر من مبنى..
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.. كان واضحاً أن الخرطوم لم تكن مجرد مسرح للعمليات العسكرية.. الخرطوم كانت مركز الصراع على تعريف السلطة..
فالسيطرة على العاصمة في أي حرب داخلية لا تعني السيطرة على مساحتها الجغرافية فقط.. إنها محاولة للسيطرة على مركز القرار.. ومؤسسات الدولة.. والرموز السيادية..والقدرة على إنتاج الشرعية السياسية..
ولهذا اكتسب القصر الجمهوري أهمية إستثنائية خلال هذه المعركة إلي جانب القيادة العامة للجيش..
كان القصر هدفاً لأنه رمز.. وكان المطلوب من السيطرة عليه أن تنتج صورة سياسية تتجاوز القيمة العسكرية للموقع..صورة دولة تتراجع.. وسلطة تفقد مركزها.. ومليشيا تفرض نفسها باعتبارها بديلاً قادراً على إدارة البلاد..
لكن الرهان اصطدم بحقيقة مهمة متمثلة في أن إرادة الدولة ليست مبنى يمكن الإستيلاء عليه.. ولا مؤسسة يمكن إسقاطها بمجرد احتلال مقرها.. ولا شرعية يمكن اختطافها بالسلاح..
فحتى عندما اضطرت مؤسسات الدولة إلى مغادرة الخرطوم (تكتيكياً )تحت الضغط المباغت.. لم تغادرها الدولة بمعناها القانوني والسيادي..فقط انتقلت مراكز العمل مؤقتاً.. لكن مؤسسات الدولة ظلت قائمة.. والقيادة ظلت قائمة.. والقوات المسلحة ظلت قائمة.. والعلاقات الخارجية ظلت قائمة.. والتمثيل الدبلوماسي ظل قائماً..وبمرور الوقت.. انقلب اتجاه المعركة من تشتيت مؤسسات الدولة إلى إعادة تجميعها..
أحد أخطر آثار الحرب لم يكن الدمار المادي..
أخطر إحتمال أن يصبح التشتت الجغرافي للمؤسسات حالة سياسية دائمة كان هو الأثر الأخطر علي أي حال..
فالدولة التي تعمل بعيداً عن عاصمتها تستطيع الاستمرار اضطراراً.. لكنها لا تستطيع أن تجعل الإستثناء قاعدة..
ولهذا فإن عودة الحكومة إلى الخرطوم تحمل أهمية تتجاوز الحسابات الإدارية.. إنها تعني بدء عملية إعادة تجميع الدولة حول مركزها الطبيعي..
الدولة تحتاج إلى مركز قرار واضح..لا لأن المركزية هي الخيار السياسي الوحيد.. لكن لأن السيادة لا تحتمل تعدد المراكز الفعلية للقرار..
وبذلك تصبح عودة القصر والحكومة والمؤسسات إلى الخرطوم جزءاً من معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.. معركة استعادة وحدة القرار المؤسسي..
لقد أنتجت الحرب واقعاً اضطرارياً تعددت فيه مقار المؤسسات.. وتداخلت فيه السلطات.. وظهرت مراكز نفوذ وأصوات سياسية وعسكرية وإعلامية متباينة..أما العودة إلى الخرطوم فتمنح الدولة فرصة لإعادة ترتيب هذه الفوضى.. وإعادة بناء التسلسل المؤسسي للقرار..
وهذا بالضبط ما يجعل المشهد الحالي أكثر عمقاً من مجرد العودة المكانية..
الجيش الذي حمى الدولة.. والدولة التي تعود بفضل صموده..
التزامن مع العيد الثاني والسبعين للجيش السوداني يمنح المشهد بعداً إضافياً..
فالجيش في هذه الحرب لم يكن يخوض معركة حدودية تقليدية.. الجيش وجد نفسه أمام تمرد مسلح حاول نقل المعركة من أطراف الدولة إلى قلبها.. ثم تحويل السيطرة على العاصمة إلى مدخل لإعادة تشكيل النظام السياسي بالقوة..
من هذه الزاوية.. فإن استعادة القصر والخرطوم لا يمكن فصلها عن المسار العسكري الذي قاد إلى دحر المليشيا وطردها من مواقعها الأساسية ومطاردتها في محاور الحرب المختلفة..
لكن المعنى الأهم هنا أن الانتصار العسكري لا يكتمل باستعادة الأرض.. بل باستعادة وظيفة الدولة فوق الأرض المستعادة..
وهذه هي المرحلة التي تبدأ الآن..
الجيش يستطيع تحرير المدينة.. لكنه غير مسؤول بالضرورة عن إعادة تشغيلها.. يستطيع تأمين المؤسسات.. لكن المؤسسات تحتاج إلى موظفين وقوانين وميزانيات وقرارات.. يستطيع تأمين العاصمة بيد أن العاصمة تحتاج إلى حكومة وقضاء وخدمات واقتصاد ومجتمع مدني وقطاع خاص..
وبالتالي فإن انتقال السودان من مرحلة الحرب إلى مرحلة استعادة الدولة يتطلب تحويل التفوق العسكري إلى قدرة مؤسسية مدنية مستدامة..
وهنا يصبح عيد الجيش هذا العام مختلفاً في دلالته.. إذ تأتي المناسبة بينما تعود الدولة إلى واحدة من أهم ساحاتها التي حاول التمرد انتزاعها منها..
اعتماد السفراء.. الدبلوماسية أيضاً تعود إلى مركز السيادة..
قد يبدو اعتماد عدد من السفراء تفصيلاً بروتوكولياً في خضم مشهد أكبر بين يدي عودة رئيس مجلس السيادة للقصر.. لكنه في الحقيقة يحمل دلالة سياسية بالغة..
فإعتماد السفير فالسفير يتم باسم الدولة..ومن أعلى مستوياتها السيادية.. ولذلك فإن ممارسة هذا الاختصاص من القصر الجمهوري تعني أن الدولة لا تستعيد حضورها الداخلي فقط.. هي تمارس العودة لمركزها في إدارة علاقاتها الخارجية كذلك..
فالسودان الذي اضطر خلال سنوات الحرب إلى إدارة جانب كبير من مؤسساته من خارج الخرطوم يعود الآن إلى ممارسة وظائفه السيادية من عاصمته..
إنها رسالة إلى الداخل والخارج معاً بأن الدولة عملياً لم تسقط..ومركزها لم ينتقل.. وسيادتها لم تُختطف..هي فقط مارست برتكول الحرب.. وطبقت بدائل الأزمات بإحترافية أعادتها لمركزها..
الصفعة الحقيقية للرهان على سقوط الدولة..
ربما تكون أقوى دلالات المشهد أنه يقلب الصورة التي أرادها مشروع ابتلاع الدولة تماماً..
كان الرهان أن تؤدي الحرب إلى تفكيك الدولة من الداخل.. وأن يتحول القصر الجمهوري إلى رمز للإنهيار.. وأن تصبح الخرطوم مدينة للأشباح (كما توعد قائد التمرد) .. وأن تضطر المؤسسات الرسمية إلى التعايش مع واقع مسلح يفرض نفسه باعتباره أمراً دائماً..
لكن ما حدث كان مختلفاً..
الدولة صمدت.. والجيش احتفظ بتماسكه.. ثم بدأ استرداد العاصمة ومؤسساتها.. وخرجت المليشيا من مواقعها تحت ضغط العمليات العسكرية.. وبدأت الحكومة رحلة العودة إلى الخرطوم..
وهكذا أصبحت الصورة التي كان يراد لها أن تكون إعلاناً لسقوط الدولة.. عنواناً لاستعادتها..
هذه ليست مجرد هزيمة عسكرية للتمرد كما تبدو.. هذه هزيمة لفكرة أن المليشيا تستطيع أن تكون بديلاً عن الدولة..
العودة ليست نهاية الحرب.. بل بداية الامتحان الأصعب..
ومع ذلك.. فإن الرصانة تقتضي ألا تتحول رمزية العودة إلى وهم بأن الطريق أصبح سهلاً..
استعادة القصر أسهل من إعادة بناء الدولة..
وتحرير العاصمة عسكرياً لا يعني أن الدولة استعادت كامل عافيتها السياسية والإقتصادية والإدارية والإجتماعية..
المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من الإحتفال بالنصر.. تحتاج إلى إعادة تأسيس مؤسسات الدولة.. وضبط مراكز القرار.. واستعادة الخدمة المدنية بالكامل..وإعادة تشغيل الإقتصاد.. وإعادة إعمار الخرطوم.. وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.. وإدارة مرحلة ما بعد الحرب بعقل الدولة.. سيكون هذا هو الإختبار الحقيقي للسلطة..
فإذا عادت المؤسسات إلى الخرطوم وبقيت آليات العمل القديمة.. فإن العودة ستكون جغرافية فقط..أما إذا تحولت العودة إلى مشروع لإعادة بناء دولة أكثر كفاءة وانضباطاً وقدرة على حماية مصالح مواطنيها.. فإن لحظة القصر ستصبح نقطة تحول تاريخية..
من القصر تبدأ المرحلة الجديدة..
صورة رئيس مجلس السيادة داخل القصر الجمهوري لا ينبغي أن تُقرأ منفصلة عن كل ما سبقها..
إنها صورة تختصر رحلة ثلاث سنوات..
دولة تعرضت لهجوم من المسافة صفر .. لكنها لم تسقط…
عاصمة احتُلت بالكامل من الداخل لكنها لم تصبح عاصمة بديلة..
قصر استُهدف باعتباره رمزاً للسيادة..لكنه عاد ليكون منصة لممارسة السيادة..
وجيش دخل حرباً دفاعاً عن الدولة.. ثم فتح الطريق أمام عودة مؤسساتها..
وفي عيد الجيش الثاني والسبعين.. ومن داخل القصر الجمهوري تتضح المساحة التي يمكن للدولة أن تعود من خلالها.. المهمة الجديدة يجب أن تتحول خلالها هذه العودة من مشهد رمزي إلى مشروع دولة كامل..
فالقصر الجمهوري ليس مجرد عنوان للسلطة..
إنه عنوان السيادة..
وأن يعود إليه رئيس الدولة بعد ثلاث سنوات من الحرب..بالتزامن مع عيد الجيش..يعني ببساطة أن السودان ينتقل من مرحلة بقاء الدولة..إلى مرحلة أكثر صعوبة وأهمية وهي مرحلة بناء الدولة الناجية..
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية..




