كشف عن تقاطع واضح حول 3 مسائل رئيسية داعمة لدعوة رئيس مجلس السيادة..

الحوار من الداخل.. هل تفتح ضمانات البرهان الطريق إلى التسوية السودانية؟

قيادات سياسية لـ«العودة»: لا إقصاء.. ولا وصاية خارجية.. والإختبار الحقيقي في آليات التنفيذ..

 

العودة-علم الدين عمر 

 

لم يعد الحديث عن الحوار السوداني–السوداني مجرد بند إضافي في قائمة المبادرات السياسية المطروحة لإنهاء الحرب..بل بات في تقدير عدد من القيادات السياسية أحد الإختبارات الكبرى لقدرة الدولة السودانية على استعادة زمام المبادرة السياسية.. بعد سنوات من محاولات إدارة الأزمة من الخارج وتعدد المنابر والمبادرات والوساطات..

وتكتسب الدعوة التي طرحها رئيس مجلس السيادة ..القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أهمية خاصة..لأنها جاءت في خطاب عيد القوات المسلحة الثاني والسبعين.. وفي وقت تبدو فيها الدولة أكثر تماسكاً على المستوى العسكري.. فيما لا تزال المعركة السياسية مفتوحة على احتمالات متعددة.. بينها محاولات إنتاج تسوية لا تستصحب بصورة كافية طبيعة الحرب..أو إعادة تدوير القوى التي أسهمت في تعقيد المشهد..

«العودة» استنطقت وألتقطت آراء عدد من القيادات السياسية حول رؤية رئيس مجلس السيادة للحوار.. والتزام الدولة بتهيئة المناخ وضمان الحريات والمشاركة وعدم الإقصاء..ومدى قدرة الحوار الداخلي على إنتاج تسوية وطنية حقيقية..بعيداً عن الوصاية أو فرض الأجندات والمخرجات من الخارج..

 

بحر أبوقردة: لا يمكن التعامل مع السودان وكأنه دولة طبيعية..

 

يضع الدكتور بحر إدريس أبوقردة.. رئيس تحالف سودان العدالة «تسع» الحوار في سياقه الأوسع.. محذراً من إغفال طبيعة العدوان الذي تعرضت له البلاد..

حيث يقول :لابد من النظر لمعالجات الأزمة السودانية في إطار العدوان الكبير متعدد الأطراف والأبعاد الذي شكل خطراً وجودياً على البلاد.. ولازال.. وكل مرة يفتح منافذ جديدة للعدوان.. مشدداً على أنه لا يمكن إغفال هذه المسألة ونحن نتحدث وكأننا نتحدث عن أمر طبيعي في دولة طبيعية..

ويضيف أبوقردة أن السودان (دولة تتعرض لعدوان كبير جداً من الداخل ومسنود بقوى إقليمية ودولية).. وقد شكل خطراً وجودياً على كيان الدولة»..ولذلك يرى أن رئيس مجلس السيادة كان موفقاً في طرح رؤيته للحوار السوداني–السوداني.. خصوصاً في رفض أي صيغة سلام منقوصة تسمح بإبقاء مليشيا الدعم السريع سياسياً أو إقتصادياً..

ويؤكد أن الحوار ضرورة في كل الحالات..لكنه يحتاج إلى ملكية سودانية ورعاية سودانية.. سواء على مستوى قيادة الدولة أو اللجنة الوطنية التي يتم إختيارها من القوى الوطنية..مع تهيئة الظروف اللازمة للحوار..خاصة فيما يتعلق بالحريات..

ويرى أبوقردة أن إتاحة الفرصة لبعض القوى الموجودة بالخارج للالتحاق بالحوار.. إذا غيرت مواقفها.. أمر ممكن..لكن الحلول يجب أن تستصحب الظروف التي تمر بها البلاد ومحاولات تدمير الدولة وإفقار الشعب..

ويشدد على أن الحوار يحتاج إلى إرادة قوية من قيادة الدولة..وأن قناعة الدولة هي صمام الأمان لحوار سوداني سوداني بدون إقصاء لأي قوى طالما أنها مساندة لمؤسسات الدولة والقوات المسلحة.. مع ضرورة تفعيل آليات إنفاذ مخرجات الحوار حتى لا تتكرر التجارب السابقة..

 

سالي زكي: الأحقاد لا تبني الأوطان..

 

من جانبها..أشادت الاستاذة سالي زكي مساعدة رئيس الكتلة الديمقراطية (المستقيلة) (المستقلة) بشجاعة رئيس مجلس السيادة وتصريحاته بشأن إسقاط البلاغات الجنائية.. معتبرة ذلك خطوة مهمة نحو تحقيق الديمقراطية الحقيقية..

وترى أن الحوار من الداخل يضمن تنفيذ مخرجاته..وأن الحوار من الداخل وشموليته بداية لسودان المواطنة المتساوية وبداية لفترة إنتقالية ومخرج ثم سلام مستدام..

ووضعت سالي المصالحات في قلب المرحلة المقبلة..قائلة: نحتاج لمصالحات واسعة.. الأحقاد لا تبني الأوطان.. معتبرة أن الحوار الحقيقي هو الذي يجمع الحلفاء والمعارضة على طاولة واحدة..

 

محمد زكريا: لا حوار ناجح بوصاية خارجية..

 

 الدكتور محمد زكريا فرج الله.. الناطق الرسمي باسم الحرية والتغيير–الكتلة الديمقراطية والناطق الرسمي باسم حركة العدل والمساواة السودانية وصف خطاب رئيس مجلس السيادة بأنه خطوة مهمة نحو معالجة الأزمة عبر مسار سياسي وطني..

مؤكداً دعم الكتلة للحوار السوداني–السوداني..معتبراً أن الحوار السوداني الشامل والقائم على الملكية الوطنية وعدم الإقصاء يمثل الطريق الأمثل للتوصل إلى توافق وطني وبناء سلام مستدام..شريطة توفير بيئة أمنية مناسبة تضمن مشاركة مختلف مكونات الشعب السوداني..

وطالب زكريا بأن تكون إدارة العملية سودانية خالصة.. وأن يقتصر الدور الإقليمي والدولي على التيسير والدعم..دون التدخل في تحديد المشاركين أو فرض أجندة أو مخرجات..

ويذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى توسيع قاعدة المشاركة.. بحيث يتجاوز الحوار حوار النخب إلى حوار وطني يعبّر عن مختلف قطاعات ومناطق السودان..وصولاً إلى توافق وطني يؤسس لمرحلة إنتقالية مستقرة ودولة ديمقراطية يسودها القانون والسلام…

 

التجاني سيسي: الحوار يمر بمرحلتين.. الإعداد والانعقاد..

 

أما الدكتور التجاني سيسي أتيم..رئيس قوى الحراك الوطني..فيرى أن خطاب البرهان جاء متسقاً مع اللقاء الذي جمعهم قبل أسابيع..والذي طُرحت خلاله فكرة الحوار الوطني..

ويؤكد سيسي أن الحوار السوداني الشامل الذي لا يستثني أحداً هو المخرج الوحيد للأزمة في مسارها السياسي..مشيراً إلى أن تهيئة البيئة.. بما في ذلك تجميد القضايا المرفوعة ضد بعض الموجودين بالخارج ممن وقفوا ضد الدولة يمكن أن تسهم في بناء الثقة ودفع هذه المجموعات للمشاركة في الحوار الداخلي..

وشدد على أن ابتعاد الدولة عن الحوار السوداني–السوداني أمر مهم..حتى يتمكن أصحاب المصلحة السودانيون من مناقشة القضايا التي ظلت تشكل تحديات أمام الأمن والإستقرار منذ الاستقلال..وإيجاد حلول ناجعة لها..

ويرى أن الحوار يمر الآن بمرحلتين.. مرحلة الإعداد ومرحلة الإنعقاد.. وأن ذلك يتطلب نقاشات واسعة بين القوى السياسية وأصحاب المصلحة لحسم جملة من القضايا قبل انعقاد الحوار..

في المقابل.. يربط سيسي المسار السياسي بالميدان.. مشيراً إلى الإنتصارات التي حققتها القوات المسلحة..ومؤكداً ضرورة إستمرارها حتى خروج المرتزقة من البلاد وهزيمة مجموعات المليشيا الموجودة في بعض مناطق كردفان ودارفور..

وأشار إلى خارطة الطريق التي قدمتها الحكومة للأمم المتحدة..والتي تتضمن إنسحاب المليشيا من المدن والمناطق التي تحتلها إلى مناطق محددة..ونزع سلاحها وإخضاعها لترتيبات أمنية تحول دون تشكيلها خطراً على الأمن والسلم في البلاد..

 

خالد الفحل: لجنة الحوار هي الإختبار الأصعب..

 

 الأستاذ خالد الفحل..القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي مضي لأن الدعوة للحوار بالداخل هي المخرج الوحيد لإيقاف التدخلات الخارجية.. التي مست سيادة الدولة وأمنها القومي.. مشيراً إلى مؤتمرات خارجية مثل باريس وبرلين.. جرى فيها بتقديره.. تجاوز التمثيل الحكومي السوداني..

ويرى الفحل أن أبرز ما يميز دعوة البرهان هو إستقلالية آلية الحوار وعدم وصاية الحكومة على الحوار إلا في حدود تهيئة المناخ والإلتزام بالضمانات القانونية والسياسية والأمنية للمشاركين..

ويعتبر إعلان الضمانات مؤشراً على صدقية قيادة الدولة في إنفاذ الحوار السوداني بالداخل ومشاركة القوى الوطنية السياسية والمجتمعية في استكمال هياكل السلطة الانتقالية..

لكن الفحل يضع إصبعه على أحد أخطر مفاتيح العملية..وهو اختيار لجنة الحوار.. التي تقع عليها مسؤولية التواصل مع القوى السياسية بكل حيادية دون وصاية أو عزل سياسي.. مقترحاً لجنة وطنية مستقلة وغير منتمية لأي طرف سياسي..

أما التحدي الآخر.. فيتمثل..وفق رؤيته..في وضعية حاملي السلاح من الأطراف العسكرية غير القوات المسلحة..معتبراً أن وضعهم يحتاج إلى ترتيبات عسكرية تسبق مشاركتهم في الحوار..

 

ما بعد الدعوة.. هل يتحول الحوار إلى مشروع دولة؟..

 

تكشف هذه المواقف.. رغم إختلاف زوايا النظر.. عن تقاطع واضح حول ثلاث مسائل رئيسية..داعمة كلها لدعوة رئيس مجلس السيادة..وهي ملكية سودانية للحوار..وعدم الإقصاء..ورفض الوصاية الخارجية..

لكن تحويل هذه المبادئ إلى عملية سياسية ناجحة يتطلب الإجابة عن أسئلة صعبة ومهمة.. من يختار لجنة الحوار؟ وكيف تضمن إستقلاليتها؟ ومن يحدد معايير المشاركة؟ وكيف يتم التفريق بين المعارضة السياسية المشروعة وبين القوى التي ما زالت تحمل السلاح أو تتبنى مشروعاً يهدد الدولة؟ وكيف تتحول مخرجات الحوار من وثائق سياسية إلى قرارات قابلة للتنفيذ؟..

ما يبرز أهمية حديث رئيس مجلس السيادة عن الضمانات والحريات والشفافية والعدل والتنفيذ.. لأن الأزمة السودانية لم تكن في غياب المواثيق والإتفاقات بقدر ما كانت..في كثير من مراحلها..في ضعف آليات التنفيذ وانهيار الثقة بين القوى السياسية والدولة..

الحوار، في نهاية المطاف.. لا ينبغي أن يكون مجرد محطة لتقاسم السلطة أو إعادة إنتاج النخب.. بقدر ما هو فرصة لإعادة تأسيس التوافق الوطني على قاعدة المواطنة والقانون ووحدة الدولة.. مع الإعتراف بحجم الجراح التي خلفتها الحرب وضرورة فتح طريق واسع للمصالحات..

هذا هو التحدي الحقيقي أمام المبادرة.. أن ينتقل السودان من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب..ومن البحث عن تسوية بين القوى إلى صناعة عقد وطني جديد..

فإذا نجحت الدولة في حماية إستقلالية الحوار.. وضمان شموليته.. ومنع تحويله إلى منصة للإقصاء أو الإنتقام أو الوصاية الخارجية كما وعد الرئيس فإن دعوة البرهان قد تصبح أكثر من مجرد مبادرة سياسية..إذ قد تتحول إلى بداية لمسار سوداني يعيد القرار إلى الداخل..ويضع نهاية لزمن كانت فيه قضايا السودان تُدار في عواصم أخرى أكثر مما تُدار في الخرطوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى