البرهان من شرفة التشريعي.. معاش الناس وعودة الخرطوم في صدارة المشهد

الخرطوم– عماد النظيف 

 

لم يكن احتفال ولاية الخرطوم بالذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية مجرد مناسبة للاحتفاء بالمؤسسة العسكرية وتضحياتها خلال سنوات الحرب، بل تحول، في قاعة المجلس التشريعي للولاية، إلى منصة سياسية واجتماعية استعرضت جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل العاصمة، وفي مقدمتها عودة النازحين، وتحسين أوضاع المواطنين المعيشية، واستعادة الخدمات، وتوسيع مساحة الحركة أمام أصحاب الأنشطة الصغيرة.

 

وتقدم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، الحضور الرسمي والشعبي للاحتفال، بمشاركة قيادات عسكرية ومدنية وأهلية، وممثلين للطرق الصوفية والكنائس، في مشهد عكس التنوع الاجتماعي الذي تتميز به ولاية الخرطوم والسودان بصورة عامة.

 

منذ ساعات الصباح، اكتست أروقة المجلس التشريعي بأعلام السودان، فيما شهدت الساحة الخارجية عروضاً تراثية ومظاهر شعبية شاركت فيها مجموعات من مختلف المكونات الاجتماعية، بينما امتلأت باحة القاعة بالحضور، لتبدو المناسبة في أحد جوانبها تعبيراً عن عودة الحياة العامة إلى مؤسسات الولاية بعد فترة طويلة فرضت خلالها الحرب واقعاً استثنائياً على العاصمة.

 

وتخللت البرنامج فقرات فنية ووطنية قدمها الفنان هشام درماس، أسهمت في رفع مستوى التفاعل بين الحضور، قبل أن يصل القائد العام للقوات المسلحة، لتنتقل المناسبة إلى الخطاب السياسي والرسائل التي حملها الاحتفال في توقيت تستعد فيه الخرطوم لاستعادة قدر أكبر من نشاطها المدني والخدمي.

 

معاش الناس في صدارة الخطاب

 

اختار البرهان أن يضع قضية المواطن في مقدمة حديثه، مستحضراً حجم الخسائر التي خلفتها الحرب على الأسر والأفراد، وما ترتب عليها من فقدان مصادر الدخل والممتلكات وتراجع القدرة على مواجهة تكاليف الحياة.

 

وقال إن القيادة العليا للدولة تدرك حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون، لا سيما الذين فقدوا مصادر رزقهم ومقتنياتهم خلال الحرب، داعياً حكومة ولاية الخرطوم إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وعدم إضافة أعباء جديدة إلى واقع اقتصادي واجتماعي مثقل.

 

ولم يتعامل البرهان مع قضية العودة باعتبارها ملفاً أمنياً فقط، بل ربطها بتحسين البيئة المعيشية والخدمية، معتبراً أن المواطن لن يجد دافعاً كافياً للعودة ما لم تتوافر له الخدمات الأساسية والأسواق ومصادر الدخل والظروف التي تمكنه من إعادة بناء حياته.

 

وقال موجهاً حديثه إلى والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة: «أتحدث باستمرار مع الوالي، نحن نرى الضيق على الناس ولذلك خففوا عنهم»، في إشارة إلى ضرورة أن تضع حكومة الولاية الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطن في الاعتبار عند اتخاذ الإجراءات والقرارات.

 

الحريات والأنشطة الصغيرة

 

وفي جانب آخر من خطابه، تناول البرهان الإجراءات التي يمكن أن تؤثر على أصحاب الأنشطة الصغيرة، داعياً إلى عدم التضييق عليهم، وربط استمرار هذه الأنشطة بعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى طبيعتها.

 

وقال: «ما تقفلوا الكافيهات وتضايقوا ستات الشاي، نحن عايزين الناس ترجع»، في رسالة واضحة إلى الأجهزة التنفيذية بضرورة الموازنة بين التنظيم والحاجة إلى توفير سبل كسب العيش.

 

كما دعا إلى مراجعة الضرائب والرسوم الباهظة، وتخفيف الإجراءات التي تثقل كاهل المواطنين، مؤكداً أن الدولة تريد عودة الناس إلى الخرطوم، وأن تحقيق ذلك يتطلب توفير بيئة جاذبة ومستقرة، بدلاً من الإجراءات التي قد تدفع المواطنين إلى تأجيل العودة.

 

ويكتسب هذا الحديث أهمية خاصة في ظل اعتماد آلاف الأسر على الأنشطة الصغيرة والمهن غير الرسمية كمصدر للدخل، الأمر الذي يجعل عودة الأسواق والحركة التجارية والخدمات المرتبطة بها جزءاً أساسياً من عملية التعافي.

 

العودة إلى الخرطوم

 

جعل البرهان من عودة المواطنين إلى الخرطوم محوراً رئيسياً في حديثه، داعياً حكومة الولاية إلى مساعدة المواطنين وحفظ حقوقهم والعمل على تخفيف الأعباء عنهم، بما يشجع النازحين على العودة والاستقرار.

 

وأكد أن تخفيض الأسعار وتحسين الخدمات وتسهيل حياة المواطنين من شأنه أن يسهم في تسريع العودة، داعياً إلى المحافظة على كل ما يساعد على الاستقرار وعدم التضييق على الفئات التي تشكل جزءاً من الدورة الاقتصادية والاجتماعية للعاصمة.

 

وتأتي هذه الدعوة في وقت تواجه فيه الخرطوم مهمة شاقة تتمثل في إعادة تأهيل ما دمرته الحرب، وإعادة تشغيل المؤسسات والمرافق، واستعادة الخدمات الأساسية، فضلاً عن استيعاب موجات العودة المتوقعة للسكان.

 

وبذلك، بدا خطاب البرهان وكأنه يضع معادلة واضحة أمام حكومة الولاية: الأمن شرط أساسي للعودة، لكنه ليس الشرط الوحيد؛ فالخدمات، والعمل، والأسعار، وحرية النشاط الاقتصادي، كلها عوامل تحدد قدرة المواطن على اتخاذ قرار العودة والاستقرار.

 

طمأنة أمنية

 

وفي الجانب الأمني، سعى البرهان إلى طمأنة المواطنين بشأن الأوضاع في العاصمة، مؤكداً أن الظروف الأمنية أصبحت أكثر استقراراً، وقال إنه «لا وجود لما يخيف بعد الآن».

 

وتحمل هذه الرسالة أهمية في ظل استمرار ارتباط قرار العودة لدى كثير من الأسر بتقييم الوضع الأمني، ومدى قدرتها على ممارسة حياتها اليومية بصورة طبيعية.

 

ويأتي التأكيد على الاستقرار الأمني متزامناً مع جهود القوات النظامية والسلطات المدنية لإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والخدمية، وتهيئة المناطق التي شهدت مواجهات خلال الحرب لاستقبال المواطنين.

 

تأهيل المستشفيات والخدمات

 

ولم يغفل خطاب البرهان الجانب الخدمي، خصوصاً القطاع الصحي الذي تعرض لضغوط كبيرة خلال فترة الحرب.

 

وأكد استمرار دعم القيادة لتأهيل المستشفيات في ولاية الخرطوم، مشيراً إلى أعمال التأهيل الجارية في مستشفيات شرق النيل وبحري وأم درمان، إلى جانب قرب استكمال العمل في مستشفى الأسنان ثم مستشفى سوبا.

 

وأشار كذلك إلى أن القوات المسلحة تبرعت بالهيكل الإنشائي لمستشفى الخرطوم، مؤكداً أن المستشفى ستعود قريباً إلى الخدمة لتكون واحدة من المؤسسات العلاجية المهمة في العاصمة.

 

وتشكل إعادة تشغيل المستشفيات والمرافق الصحية أحد أبرز مؤشرات استعادة الحياة المدنية، خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة إلى الخدمات الطبية مع عودة السكان واتساع النشاط السكاني في الولاية.

 

الجيش.. مؤسسة قومية

 

وبالتوازي مع حديثه عن معاش الناس والخدمات والعودة، عاد البرهان إلى المناسبة الأساسية للاحتفال، مؤكداً مكانة القوات المسلحة ودورها في الدولة.

 

وشدد على أن القوات المسلحة ستظل جيش السودان، وأن رايتها ستبقى مرفوعة عبر الأجيال، مؤكداً أن الجيش لا ينتمي إلى حزب أو جهة أو قبيلة، وإنما هو مؤسسة قومية تتمثل مهمتها في حماية السودان وأرضه.

 

وجدد التزام قيادة القوات المسلحة بمواصلة تطوير الجيش وتحديثه وتزويده بالأسلحة والمعدات المتطورة، بما يمكنه من أداء مهامه في حماية البلاد وصون أراضيها.

 

وتأتي هذه الرسائل في سياق احتفال بمرور 72 عاماً على تأسيس القوات المسلحة، وهي مناسبة اكتسبت هذا العام بعداً إضافياً بفعل الحرب المستمرة وما أفرزته من تحولات عسكرية وسياسية واجتماعية.

 

والي الخرطوم: معركة الكرامة مستمرة

 

من جانبه، حيّا والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة القوات المسلحة وقيادتها، كما وجّه التحية إلى رئيس مجلس السيادة والقائد العام، ورئيس هيئة الأركان، والقوات النظامية والقوات المساندة التي تشارك في الحرب.

 

وأشاد حمزة بما وصفه بالانتصارات المتواصلة في «معركة الكرامة»، معرباً عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تطهير بقية أجزاء السودان وعودة الاستقرار.

 

كما حيّا الشرطة وجهاز المخابرات العامة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية وكتائب الإسناد المختلفة، إلى جانب الشعب السوداني الذي وصفه بالصابر، مشيراً إلى وقوفه خلف القوات المسلحة طوال فترة الحرب.

 

وقال إن احتفال ولاية الخرطوم جاء تحت شعار «شكراً جيشنا»، باعتباره تعبيراً عن تقدير المواطنين للقوات المسلحة ودورها خلال الحرب.

 

وأشار الوالي إلى أن برنامج الاحتفال بدأ منذ الساعة الحادية عشرة صباحاً، وتضمن فقرات وكلمات لممثلين عن جهات مختلفة، فضلاً عن برنامج لتكريم قادة المناطق العسكرية في ولاية الخرطوم.

 

احتفال يتجاوز المناسبة العسكرية

 

وبينما حمل الاحتفال عنوان الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة، فإن مضامين الخطاب الرسمي تجاوزت حدود المناسبة العسكرية إلى قضايا تتصل مباشرة بحياة المواطنين ومستقبل العاصمة.

 

فمن شرفة المجلس التشريعي، وضع البرهان مجموعة من الرسائل أمام حكومة الولاية، تبدأ بتخفيف الأعباء عن المواطن، ولا تنتهي بتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين. وبينهما تأتي قضايا الخدمات والصحة والأسعار والضرائب والرسوم والأنشطة الصغيرة والحريات المرتبطة بممارسة العمل وكسب الرزق.

 

ويبدو أن الرهان في المرحلة المقبلة لا يقتصر على استعادة السيطرة الأمنية أو إعادة فتح المؤسسات، وإنما يمتد إلى استعادة الحياة الطبيعية نفسها؛ فالمدينة لا تستعيد عافيتها بعودة المباني وحدها، وإنما بعودة سكانها إلى أعمالهم وأسواقهم ومرافقهم وخدماتهم، وبقدرتهم على ممارسة حياتهم دون أعباء إضافية.

 

ومن هنا، اكتسب حديث البرهان عن «ستات الشاي» وأصحاب المقاهي والأنشطة الصغيرة دلالة تتجاوز طبيعة النشاط نفسه، إذ عكس توجهاً نحو النظر إلى هذه الفئات باعتبارها جزءاً من عملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي، لا مجرد أنشطة ينبغي تنظيمها أو تقييدها.

 

رسالة إلى الخرطوم وأهلها

 

في المحصلة، قدم احتفال ولاية الخرطوم بعيد الجيش صورة تجمع بين رمزية المؤسسة العسكرية وتحديات المرحلة المدنية المقبلة.

 

فالقوات المسلحة، بحسب خطاب البرهان، مطالبة بمواصلة دورها في حماية البلاد وتطوير قدراتها، بينما تقع على الحكومة والسلطات المحلية مسؤولية توفير البيئة التي تمكن المواطن من العودة إلى منزله والعمل وإعادة بناء حياته.

 

وبينما رفرفت أعلام السودان في أرجاء المجلس التشريعي، وتداخلت الأغنية الوطنية مع العروض التراثية وخطابات المسؤولين، كانت الرسالة الأبرز التي خرجت من المناسبة أن معركة استعادة الخرطوم لا تتوقف عند استعادة الأرض، بل تمتد إلى استعادة الإنسان والخدمات والاقتصاد والحياة اليومية.

 

ومن شرفة المجلس التشريعي، بدا خطاب البرهان موجهاً في اتجاهين متلازمين: تأكيد دور القوات المسلحة بوصفها مؤسسة قومية، والتأكيد في الوقت نفسه على أن عودة الخرطوم إلى الحياة تتطلب تخفيفاً حقيقياً عن المواطن، وحماية مصادر رزقه، وتحسين الخدمات، وفتح الطريق أمام النازحين للعودة إلى عاصمة تستعيد تدريجياً ملامحها الطبيعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى